مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
2024

الرياض إكسبو 2030..

مناسبة لتطوير فن العمارة واستعراضها


د. عبدالعزيز بن أحمد الحنش

في البداية، اعتمد تنظيم الإكسبو على مبادرات منفردة للدولة الراغبة في التنظيم. وكانت هي التي تضع الشروط بحسب قوانينها، وتجهز المعرض بكامله. وفي عام 1867م، بدأت الدول المشاركة في المعرض تبني أجنحتها. وفي 22 نوفمبر 1928م، وقّعت 31 دولة اجتمعت في باريس، اتفاقية تنظيم المعارض الدولية، ودخلت حيز التنفيذ في يناير 1931م. وجرت عدة تعديلات على الاتفاقية والإطار الحاكم لتنظيم المعارض الدولية من خلال المكتب الدولي للمعارض الذي استحدثته.

يُعد التطور في مجال العمارة والبناء والتشييد المرافق لمعارض الإكسبو، بالغ الأهمية على الصعيدين التقني والتاريخي. فقد ارتبطت المعارض بشكل جوهري ودائم بتاريخ هذه المباني وتطورها ونظمها الإنشائية، كما شكلت الفترة الزمنية، التي تطورت فيها معارض إكسبو الدولية، تطورًا إنتاجيًا على مستوى المباني العمرانية الضخمة التي نراها في مدننا اليوم. فمنذ انعقاد المعرض الأول عام 1851م في لندن، حتى يومنا هذا، شهد المعرض تطورات كبيرة في مجال البناء والتشييد تركت بصماتها حيثما أقيم هذا المعرض، ولاحقًا في عالم التصميم المعماري والبناء في أنحاء عديدة من العالم. فهناك تطور في هندسة الحديد في القرن التاسع عشر، واختراع الخرسانة المسلحة، وما تلاه من التطور الذي حدث في تصنيع الخرسانة المسلحة، وظهور الأخشاب ذات الالتصاق المقاوم للرطوبة كإحدى المواد المستخدمة في إنشاء فراغات هيكلية ضخمة؛ إضافة إلى الانتشار الواسع للهياكل ذات البحور الواسعة، وابتكار كابلات الشد والتغطيات الخيمية، وتطور الهياكل الهوائية، فضلًا عن الثورة في مجال علوم الحاسوب التطبيقية؛ وكلها أمور أدت إلى ظهور إنشاءات جديدة، وتجربة مواد جديدة، أو البحث في أشكال جديدة لم تكن موجودة من قبل من حيث المنتج المعماري النهائي.


عامل الثقة

زارت اللجنة الدولية للمعارض المدن التي كانت مرشَّحة، وعاينت إمكاناتها على أرض الواقع، وكان كل ما قد أُنجز خلال السنوات الماضية من تحديث البنية التحتية لمدينة الرياض والمدن السعودية الأخر في ميزان الملف السعودي، جنبًا إلى جنب مع التصميم المميز لمبنى المعرض ونقاط قوته التي ترتكز على الجمال والاستدامة والاشتراطات البيئية السليمة، إضافة إلى بعض العوامل التي عززت الثقة العالمية بقدرة المملكة على احتضان هذا المعرض العالمي الكبير. فالبداية الحقيقية لقصة هذا النجاح، تعود إلى لحظة إطلاق رؤية المملكة 2030، التي قادت إصلاحات غير مسبوقة في جميع المجالات، لقد استعدت المملكة بملف مُحكم، ساندته دبلوماسية قوية ودعم لا محدود ومتابعة شخصية من ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود.


تميزت الفترة الأولى من هذا المعرض العالمي والممتدة من المعرض الأول في لندن عام 1851م حتى بداية القرن العشرين، بالمباني الضخمة التي استُخدِم فيها الحديد كمادة إنشائية قادرة على تلبية الاحتياجات المطلوبة لوظيفة الفراغ. ويعتبر “قصر الكريستال” الذي بُني للمعرض الكبير عام 1851م، أحد أبرز الأمثلة في هذه الفترة، والذي جمع أصالة تجربة الثورة الصناعية من حيث استخدام الحديد والزجاج بمقياس معياري يمكن معه إنتاج هذه المواد بكميات كبيرة قادرة على تقليص مدة البناء، والمساحة المستخدمة لعناصر الإنشاء في المبنى، خاصة أن هذا القصر من المباني الضخمة من حيث الأبعاد؛ إذ بلغ طوله ما يزيد على نصف كيلومتر. فهذا القصر البلوري مع برج إيفل، ونافورة مونتجويك السحرية في برشلونة، وإبرة الفضاء في سياتل، وأتوميوم في بروكسل، وغيرها من المنشـآت التي أُقيمت من أجل هذه المعارض الدولية واستمرت حتى وقتنا هذا؛ من أبرز الدلائل على دور هذه المعارض وما تقدمه للعمارة والعمران من حلول إبداعية.

تلا تلك البدايات توجهٌ كبير إلى المباني الصغيرة، وتوجهٌ نحو عرض الأعمال الزخرفية بمعزل عن جذورها الصناعية؛ نظرًا للأزمة الاقتصادية التي حدثت بسبب الحرب العالمية الأولى وتبعاتها. بينما أصبحت المعارض في النصف الثاني من القرن العشرين، وبعد الحرب العالمية الثانية، تحكي قصة تطور وتقدم تكنولوجي على مستوى البناء والتشييد. ويتجلى هذا الجـانب بوضوح في المستوى الهائل من التقدم الذي أُحرز في معارض إكسبو الدولية من حيث التنوع في الأنماط الإنشائية والمواد الجديدة. وهناك تطور واضح للمنشآت المعتمدة على الشد والكابلات، والتغطيات الخيمية وغيرها من النماذج التي قدّمت في التوجه نحو المنشآت ذات المساحات الكبيرة لاستيعاب الحشود الكبيرة من الزوار، وذات الشفافية العالية لضمان الاتصال البصري فيها.

في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، لم يكن هناك تطور مهم في الأنماط البنائية والمعمارية الجديدة. فرغم أن المعارض تقدم نماذج وأشكالًا جديدة ناشئة عن الحرية التي تمنحها قدرات البرامج الحاسوبية، استمر الحفاظ على أنماط المباني، ولم تقدم المعارض سوى نماذج ذات ابتكار نحتي وتشكيلي، وتفتقر في الوقت نفسه إلى البرنامج الوظيفي المنضبط الذي يمكن أن يتوافق مع شكل الكتلة ونوعية الفراغات التي أُنتجت هنا. وفي المجمل، فقد أدى هذا الاتجاه إلى الاعتماد على برامج الحاسب وقدرته على المحاكاة والتصميم، إلى خلق فضاءات جديدة من الابتكار والإبداع، وجعلها قادرة على تصوير المستقبل لنا ومحاكاته ومحاولة فهم التصورات الناتجة منه.

تصميم إكسبو الرياض

سيُنظّم إكسبو الريـاض بالقرب من مطار الملك سلمان الدولي، الذي أُعلن عن تطويره في أواخر نوفمبر 2022م، ليكون البوابة الرئيسة للزوار القادمين إلى المعرض، وربطه بشبكة قطار الرياض التي تغطي كافة أرجاء المدينة، وتتصل بأحد مداخل المعرض الثلاثة؛ ليسهل الوصول إليه خلال دقائق معدودة. بالإضافة إلى ربط الموقع بشبكة الطرق الحديثة التي تشهد الرياض تطورها اليوم.

صُمّم المعرض ليُحاكي شكل الكرة الأرضية. وهو يتكون من 226 جناحًا من أجل توفير تجربة نوعية لا مثيل لها لأكثر من 40 مليون زائر. ويتوسط هذا التكوين خط يرمز إلى خط الاستواء، يدل على توجه المعرض إلى تأمين فرص متساوية لجميع المشاركين. كما أن النسيج العمراني للمعرض يحاكي النسيج العمراني التاريخي لمدينة الرياض من حيث التضام والتدرج في الأهمية على مستوى حجم المباني والفراغات العامة وشبكة المسارات العضوية.

ويحاول التصميم تقديم تجربة مريحة للزوار من خلال إمكانية التنقل والسير في المعرض في ممرات مظلّلة بالكامل ومصممة لتجسيد تراث المكان. بالإضافة إلى إضفاء روح الواحة الخضراء بشكل حديث وعصري بوصفها أحد الروافد الموجودة في الموقع من خلال وادي السلي الذي يمر عبر موقع المعرض؛ للتعبير عن حرص الرياض على الطبيعة وتنميتها بشكل مستدام، واهتمامها مع بقية عواصم العالم بالمناخ، وتعزيز الطموح لاستشراف مستقبل مليء بالإمكانات.

أبرز العناصر المميزة في قلب “إكسبو 2030” ، سيكون عبارة عن معلم بارز يرمز إلى المسؤولية عن حماية الكوكب، ويرتكز على 195 عمودًا تمثل عدد الدول المشاركة في المعرض. هناك ثلاثة أجنحة تحيط بهذا المعلم تعمل على إبراز موضوعات المعرض الفرعية المتمثلة في “غد أفضل” و “العمل المناخي” و “الازدهار للجميع”؛ إذ تتيح هذه المساحات مجالًا للابتكارات في العلوم والتكنولوجيا بما يعزز الصمود في وجه التحديات وخدمة البشرية. وكذلك دفع عجلة الابتكار والتعاون الدولي للحفاظ على النظام البيئي والموارد، والعمل على سد فجوة التفاوت والاختلافات العالمية من خلال مشاركة كل دولة من منظورها الثقافي وظروفها المحيطة وتطلعاتها لننعم معًا بازدهار للجميع. كما سيضم المعرض ركن التغيير التشاركي، وهو المساحة التي ستُخصّص لتكون محركًا للابتكار والإبداع، في أثناء رحلة بناء المعرض قبل انطلاقه في 2030م، والفترة التي تلي ذلك من أجل ضمان التعاون بين العقول المبتكرة القادرة على خلق ابتكارات علمية واجتماعية وفكرية، وتسريع التغييرات التي ستشكل المستقبل.

الموقع

يحتل موقع معرض “الرياض إكسبو 2030” مساحة 6.59 كيلومتر مربع، من بينها 3.38 كيلومتر مربع للمنطقة المسورة، و3.21 كيلومتر مربع لمناطق الراحة والمرافق، مثل مواقف السيارات المزوَّدة بخدمة النقل من الموقع وإليه، حيث خطط للموقع في منطقة إستراتيجية شمال الرياض بين مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية جنوبًا، ومطار الملك خالد الدولي شمالًا، ما يعني إمكانية الوصول إليه من أهم الوجهات في المدينة.

صُمّم معرض “الرياض إكسبو 2030” ، بشكل متناغم مع طبيعة الموقع؛ إذ يُخطَّط للاستفادة من الميزات الطبيعية للموقع ووجوده حول الوادي. كما وفر المصمم فراغات متنوعة وبمساحات مختلفة مع الالتزام بتخصيص جناح لكل دولة، حيث سيجري العمل من قبل المشاركين على تطوير الأجنحة بتجانس مع موضوع إكسبو الرئيس وموضوعاته الفرعية. كما سيتيح المعرض فرص الاستكشاف اللامحدودة من أجل إضفاء تجربة مستخدم رائعة للزوار، وتوفير بيئة تضمن لهم عيش تجربة الانتقال بأنفسهم إلى أي بلد في العالم، والتمتع بالأحداث الثقافية والترفيهية المتنوعة والمستمرة.

ولأن المملكة تسعى لأن تكون تجربة “إكسبو 2030” ، فريدة ومتمحورة حول الإنسان وبيئته ومستقبله، فقد حرصت على أن تكون هذه النسخة أكثر استدامة؛ لضمان الوفاء بالتزاماتها المناخية وتحييد الكربون وترك أقصى أثر إيجابي على البيئة في مدينة الرياض، وذلك من خلال تشغيل الموقع بواسطة الطاقة الشمسية، الأمر الذي يقدم معرضًا صديقًا للبيئة ذا مستوى صفري للانبعاثات الكربونية.

إن تطوير معايير رفيعة لإستراتيجيات الموارد وكفاءاتها، يضمن تعزيز التنوع البيولوجي، والحد من هدر الغذاء، وضمان إدارة النفايات الخضراء وإعادة تدويرها، وتشجير الساحات، واستخدام المياه المعالجة في الري. بالإضافة إلى وضع خطط تضمن استدامة الأجنحة المشاركة بعد انتهاء المعرض؛ للحد من الهدر الناتج من هذه المباني، التي عادةً ما تُترك بعد الانتهاء من فترة إقامة المعرض. إذ إن إكسبو الرياض سيمدّ يد العون في ختام المعرض إلى 100 دولة مُختارة لإعادة استخدام أجنحتها وتعديلها، بما يضمن استخدامها مدارس وعيادات طبية ومراكز بحثية في تلك الدول.


مقالات ذات صلة

في غضون جيل واحد فقط، استطاعت التقنية الرقمية تغيير نظرتنا إلى العالم. فالتطورات الرقمية والتحسُّن السريع في وسائل الاتصال، يتيح لنا فرصًا جديدة، ولكنه يخلق أيضًا تحديات في جميع جوانب حياتنا.

برنامج الاتزان الرقمي العالمي “سينك”، والذي يهدف إلى تعزيز الاتزان الرقمي وتشجيع الحفاظ على علاقة صحية ومتوازنة بين التقنية الرقمية وصحتنا النفسية والبدنية.

وفقًا لبيانات من مركز “بيو للأبحاث” الأمريكي، يمتلك ما يقرب من 1 من كل 5 أطفال دون سن 12 عامًا في الولايات المتحدة الأمريكية، هاتفًا ذكيًّا خاصًّا به، وقد حصل أكثر من نصف هؤلاء على هواتفهم بين الأعمار 9 و11 سنة.


0 تعليقات على “مناسبة لتطوير فن العمارة واستعراضها”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *