مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مارس - أبريل 2023

معايشة تجربة شخصية.. ماذا نسمع في الموسيقى؟


فاضل التركي

متى كان أول لقاء لك بالموسيقى؟ أعني ذلك اللقاء الذي اعترتك فيه قشعريرة، وملكت عليك أسماعك وأخذتك في عزلة أو سفر وأنت بين الآخرين؟ هل استعدْتَ تلك التجربة أم كانت وحيدة؟ أم جاءت بعدها تجارب أخرى؟ وهل تُستعاد هذه التجربة مع كل موسيقى تسمعها؟

لنتخيل معًا يومًا لم تكن فيه الموسيقى مسجلة ولا تبثُّ عبر قنوات من كل صنف ليلًا ونهارًا. لم يكن محظوظًا بمعايشة الموسيقى غير قليل من الناس وُلدوا في بيت موسيقي، أو كانوا قريبين من موسيقيين. من كان ليرى ويسمع آلة موسيقية في وقت لم تكن فكرة الحفلات الموسيقية شيئًا معهودًا، ولم تكن متاحة لعامة الناس ولا في مقدورهم الوصول إليها؟ ثم لنتطلع إلى عالمنا اليوم حيث لا يتوقف بث الموسيقى على كل الأجهزة وفي كل مكان. هي على أجهزتنا الكفية، باشتراك مدفوع أو من دونه، وعبر صنوف الأجهزة والبرامج وعلى التلفاز والإذاعة وفي الأجهزة المنزلية وفي السيارة وفي المصاعد وعلى خط انتظار الهاتف والمحطات والقطارات. وإذا كنا محاطين بها من كل جانب، فلم لا تتكرر التجربة التي بدأنا بها حديثنا؟

فاضل تركي

لغة مشاعر

المتأملون في سحر الموسيقى، يقولون إنها لغة مشاعر؛ “لغة” بمعنى وسيط، بين مُرسلٍ ومُستقبل. و”مشاعر” بشتى صنوفها، التي نعرف لها اسمًا والتي لا نعرف، سواء أكانت بسيطة أم معقدة التركيب. وحين نقول “وسيط”، فلنا أن نتأمل في هذه الرسالة التي تنتقل بين مُرسل، هو مُؤلف أو مُؤدٍ، بمعنى أن يكون مغنيًا أو عازفًا في صيغة فرد أو جماعة، بصوت واحد أو أصوات متسلسلة يتلو بعضها بعضًا، أو في عمل تتناوب وتتبادل فيه الأدوار، أو مجموعة متراكبة متجانسة أو متباينة من الأصوات في وقت واحد. والمقطوعة المؤداة هي رسالة، في صيغ وأشكال وترتيب مختلف، قد تكون سهلة الوصول من المُرسل للمُستقبِل أو تكون غير مفهومة، أو ربما تحتاج أن تُستعاد وتُشرح وتُقال في صيغ متعددة حتى تصل بكامل بلاغتها إلى المستمع.

إننا لا نخطئ حين نقول إنها لغة، فمن خلالها نتواصل. وكما نتعلم اللغة من أمهاتنا وآبائنا، فنقول هي لغتنا الأم، أو نتعلمها بطرق أخرى فتكون مُكتسبة، كذلك هي لغة الموسيقى. فقد يكون للظروف دور يجعلنا نحظى بلغة أم، نتعلم بسببها لغة الأرض التي وُلدنا فيها، وقد تحكم الظروف ونتعلم لغة أخرى تزاحم أو تحجب عنا اللغةَ الأم. وتلعب الظروف ومحيطنا وشغفنا دورًا في مدى تغلغل اللغة فينا، فتحلق بنا بكلماتها وعباراتها، وأمثالها وأشعارها وأدبها. فمتى كانت أول مرة شعرت فيها بسحر اللغة المحكية؟

اللغة عند بعضنا طبيعة خفية لا تُرى ولا تُستشعر. وعند آخرين هي هوسٌ لا يمر شيء منها ولا يقال أو يُكتب إلا ويسبقهُ أو يتبعه تأمل عميق، وتقليب وتلذذ وتصيّد لفرص التنميق والتزويق والابتكار، أو تحيُّن لإمكانية تلقيها وحفظها واستعادتها. يدعم ذلك الهوسَ الاحتكاك بعوالمها الحيّة، من جهابذتها والمشتغلين بها وبمواردها الغنية من كتب ونصوص وأنشطة من كل نوع. وهذا هو الحال مع الموسيقى كلغة، بين من يتلقاها خفية غير ملموسة ولو سحرتنا، وبين من مسّتهُ بهوس وساندها الاحتكاك بعوالمها الحية ومواردها الغنية.

الفرق بين اللغتين

لكن هناك فارقًا بين اللغة المحكية والمكتوبة من جهة ولغة الموسيقى من جهة أخرى. فاللغة المحكية ضرورة يومية للتواصل بأي شكل كان. أما الموسيقى فهي لغة نختارها أو تختارنا، قد لا تعني شيئًا لبعضنا، وربما تكون شيئًا يطل ويخبو، نفهمه أو لا نفهمه، يختلط علينا مع كل صوت آخر ذي معنى. وربما تكون كالفن والرياضيات والأدب والمسرح والسينما والرياضة وأي شيء آخر. قد لا تحرك في بعضنا ساكنًا وقد تمسنا فتأسرنا قليلًا، أو تتملكنا فلا مفرَّ.

قد يكون أول أمر الشغف سؤالٌ عن ماهيتها، أو كيف حدث لي ما حدث، تمامًا كما يكون الشغف باللغة بحثًا عن ناسها وكتبها وأدبها وآثارها وآلاتها ومعانيها، واكتسابًا لكل ما يمكّن من استيعابها ومعايشتها أو صناعتها وإنتاجها.

وإذا حَسُنَ الحظ، كان هناك مجتمع للغة الموسيقى حيث هي محلّ تقدير، بين صنّاعها وحفظتها ومتلقّيها، المتضلعين بها والمخضرمين وحديثي العهد. مجتمع يُعنى بنصوصها وتاريخها ويقارن بين نصّ ونصّ وأداء وآخر، ويُعنى بآلاتها ومؤديها وتسجيلاتها وما كتب فيها وعنها ومعانيها، ويعيش تجربة السماع والإنتاج على الصعيدين الفردي والجماعي.    

تتغلغل الموسيقى في الشعوب لغةً بديلة تحمل معاني الأرض، وتاريخ الناس ومشاعرها وأفراحها وأتراحها، وكثيرًا مما لا يُعبَّر عنه بكلام.

الرسائل هي القطع الموسيقية، من مؤلفات وارتجال وتقاسيم، آلية أو مغناة، والمُرسل هو الموسيقيّ من مؤلف أو عازف أو مؤدٍ، والمُستقبل هو “السمِّيع” والمتلقي باهتمام، يسمع ويتعايش، وتأخذه هذه الرسالة إلى عوالم خاصة ومشتركة، بكلماتها وجملها وعباراتها وجماليات الأداء، وطعم الآلات والتركيب والتوزيع، وحذق الموسيقيين. عوالم تفصل السمّيع وتأخذه بعيدًا إلى نفسه وذكرياته ومشاعره الخاصة، وعوالم أخرى مشتركة بين السمّيعة، فيفهم ويسند بعضهم بعضًا، وربما استزاد السميعُ وطيّب وأصرّ على المُرسل باستعادة أو استيضاح، أو طلب تأكيدًا، أو طرَحَ سؤالًا يحتاج إجابة.

كل سماع جديد هو تجربة جديدة تتبدى فيها معانٍ جديدة ورسالة جديدة، تكتسي بخبرات سامعها وتجربته الشخصية، تتداخل فيها اليوميات والذكريات والخبرات والاطلاع السابق على “نصوص” ومعايشات مختلفة، كمن خبر اللغة الطبيعية بأمثالها وعباراتها من جهابذتها ونصوصها الكبرى. هكذا، لا يضمن أنها تُفهم من الآخرين كما فهمها سمّيعٌ مقابل آخر. ولا يضمن السمّيع ذاته استعادة التجربة ذاتها مع كل سماع، إذ هي لغة مشاعر. حتى ليمكن القول إن الكلام المغنّى قد يتلاشى خلف المعنى الموسيقي، ولو كان من عظيم الشعر ورفيع النثر.

لو كان باليد حيلة، لما احتجنا إلى الموسيقى. لكن العجيب من أمرها أنها لا يكاد يملأ مكانها لا أدب ولا فنٌ آخر. تتغلغل في الشعوب لغةً بديلة تحمل معاني الأرض وتاريخ الناس ومشاعرها وأفراحها وأتراحها وحربها وسلمها وكثيرًا مما لا يعبَّر عنه بكلام.

ولكن، ماذا نسمع في الموسيقى؟

من أوجه الشبه بين الموسيقى واللغة المكتوبة أن الجمل في الموسيقى مكونة من كلمات وعبارات وجمل اعتراضية، وعلامات ترقيم من فاصلة ونقطة وفاصلة منقوطة وعلامات تعجب واستفهام. وفيها عبارات كالمصطلحات والأمثال والإشارات في لغتنا المحكية. وهناك فنيات كفنيات اللغة من التكرار والتناظر والتنويع والتلوين، والبناء التراكمي، والسؤال والجواب.

وفي الموسيقى أدوات أيضًا كفكرة المقام والزمن والإيقاع. فالمقام هو هيئة النغمات والأصوات الموسيقية في موسيقانا الشرقية، تنقل إليك مشاعر وأحاسيس تتنبه لها بدقة مع مزاولتها ومعايشتها. هذه الهيئة تظهر لك مع الوقت كشخصية تعرفها مهما حاولت تبديل ملابسها أو مظهرها. وأما الإيقاع فهو دورة زمنية محكومة بضروب مختلفة القوة في تسلسل معروف. وهناك مكونات كثيرة أخرى في الموسيقى غير ذلك.

ولكي نقترب من التجربة والمعايشة، نختار على سبيل المثال أغنية “القلب يعشق كل جميل”، ونعيشها في لحن لرياض السنباطي كما غنتها أم كلثوم، ولحن آخر لزكريا أحمد غناه هو بنفسه.

في لحن السنباطي، تبدأ الموسيقى بإيقاع نشط كأنه احتفال بهيج. والمقام هنا هادئ ومليء بالشجن، وأجواء التجربة احتفالية وسعيدة ورائقة. ثم يتعالى الطرب والتلذذ، يليه شجن عنيف يستدر الدموع. ونواصل السماع على المنوال نفسه في أجواء تتبدل فيها الحالة النفسية والمشاعر والتجربة والبناء والحالة الدرامية، ليتواصل السفر مع الذات في اللحن.

ولكن ماذا صنع زكريا أحمد بالكلمات نفسها في لحنه وبصوته مع المجموعة؟ يبدأ زكريا بمقام مثقل بالحزن وثقيل على القلب، والإيقاع بدوره ثقيل. ويتواصل اختلاف الحالات المزاجية والنفسية عما هي عليه في لحن السنباطي، على مدى الأغنية بأسرها.

كيف سيأخذنا، أو يأخذ كلًا منا على حدة، كل عمل من هذه الأعمال الموسيقية أو غيرها؟ هل سنعيش التجربة نفسها كل مرة نسمعها؟ كيف ستكون التجربة بعد أن نصقل مهاراتنا بالاحتكاك والمعايشة الموسيقية الرفيعة استماعًا، أو ربما بالجلوس والحديث مع فنان، أو بالترنم والغناء بتناول آلة نتعلمها؟ من لامس موج هذا المحيط فستسحره أمواجه وستأخذ به إلى أعماقه. إنها رحلة ممتعة!


مقالات ذات صلة

المقهى فضاء سوسيولوجي بامتياز كما يُقال؛ فهو مكان للتجمع المفتوح لكلّ النّاس من مختلف الأعمار، ما جعله مُلهم الأدباء وحاضن الثقافة.

وقت الاستبدال قد حان، ودورة الحظ التفتت أخيرًا!

طيران
أبي الذي لا يشبهُ الطيورَ
ليسَ يشبهُ الرياحْ
ورغم هذا
طارَ للسماءِ دونما جناحْ!…


رد واحد على “معايشة تجربة شخصية.. ماذا نسمع في الموسيقى؟”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *