مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر – ديسمبر | 2021

مستقبل المعاهد التقنية والمهنية في المملكة


بات تطوير سوق العمل وتغيير معادلاته أمراً حتميّاً يتعيّن دعمه من كافة صانعي القرار، وقد كشف تقرير دولي للوظائف عن أن هناك ثماني مهن تُدرِّب عليها كليات ومعاهد تقنية دون الجامعية في السعودية، دخلت في ترتيب الوظائف الأعلى دخلاً.. فما مستقبل التخصصات التقنية والمهنية في المملكة؟ وهل هناك تلبية لحاجة السوق المحلية إليها؟ وماذا عن قدرة استيعاب السوق السعودية لخريجي التخصصات التقنية والمهنية؟ ..هذه الأسئلة وغيرها، كنا قد توجهنا بها إلى ضيوف زاوية “بداية كلام”، لمناقشة موضوع “القضية” في هذا العدد.

توطين الوظائف الفنية.. قرار صائب
سراج أبو السعود
اختصاصي موارد بشرية في القطاع الخاص

الكوادر الوطنية المدرَّبة هم عماد أي نهضة وطنية، هكذا كان الأمر وهكذا سيكون. إلَّا أن التدريب والتطوير وحدهما ليسا كافيين لجعل هذه الكوادر تنخرط في سوق العمل مباشرة، فهناك عوائق أخرى عديدة لا بدَّ من تذليلها وإصلاحها لجعل سوق العمل أكثر جاذبية وأكثر حوكمة. من هذه الصعوبات على سبيل المثال الإغراق الأجنبي لمختلف الوظائف في القطاع الخاص.

وضعت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية خطة استراتيجية طموحة لتوطين الوظائف وخفض نسبة البطالة وتحفيز القطاع الخاص على إحلال الكادر السعودي محل الأجنبي. فقد أصدرت في الثلاثين من ديسمبر من العام المنصرم حزمة قرارات إلزامية تهدف إلى رفع نسبة توطين الوظائف الفنية بنسبة %25. بالإضافة إلى معالجة بعض الثغرات الموجودة في النظام السابق، التي كانت تسمح بالتلاعب بنسب التوظيف، ومن ثم تسرُّب الكوادر السعودية المؤهَّلة إلى خارج سوق العمل.
هذه القرارات الجديدة ستزيد من الطلب على خريجي الكليات التقنية في المملكة وكلية الجبيل الصناعية، حيث إنَّ خريجي هاتين الكليتين مخولون للحصول على العضوية الهندسية، التي يلتحق الموظف بموجبها بسوق العمل، من هنا يمكن اعتبار مستقبل المهن الفنية مستقبلاً واعداً يمنح أصحابه فرصاً وظيفية ذات عوائد مالية مجزية. لا سيما بعدما حدَّدت الوزارة حداً أدنى لأجور الفنيين بخمسة آلاف ريال، الأمر الذي يجعل متوسط الأجور الفعلي يتراوح ما بين 6 إلى 7 آلاف ريال.

التعليم الفني والتقني.. تنمية مستدامة
هند الليفان
مسؤولة موارد بشرية

تُعدُّ التخصصات الفنية والمهنية جزءاً مهماً للتنمية المستدامة للشباب في رؤية المملكة العربية السعودية 2030، وهذا ما سيوفِّر دعماً كبيراً للمهارات وللوظائف التي تخدم شريحة كبيرة من الشباب والفتيات الذين لم يتمكنوا من إكمال التعليم الجامعي ولم يتخرجوا، أو ممن يحملون دبلومات تقنية. وأعتقد أن السنوات المقبلة ستشهد انتعاشاً في سوق العمل داخل المملكة من خلال تدريب المواطنين وتأهيلهم، وستكون هناك حاجة إلى عدد أقل من الوافدين لملء الشواغر من خلال توفير القوة البشرية المحلية.
ولتحقيق تلبية حاجة السوق المحلية، يتوجب علينا تطوير برامج التدريب على أساس المعايير المهنية التي تأخذ بعين الاعتبار المتطلبات المحدَّدة لاحتياجات سوق العمل. وعلى الشركات أن تشارك بنشاط في وضع المعايير والمتطلبات. وهذا يضمن أن الكليات المهنية تنتج متدرِّبين أكْفاء يتمتعون بالمهارات والمعارف والمواقف اللازمة ذات الصلة بالسوق. من جهة ثانية، أرى أن حكومة المملكة لم تدعم مؤسسات التدريب التقني والمهني فحسب، بل بذلت المنظمات الحكومية والشركات المحلية جهوداً كبيرة من خلال توظيف خريجين متفوقين تقنياً، وتنفيذ مبادرات لتحسين وتوسيع الفرص للمواطنين السعوديين، خصوصاً النساء، حيث ارتفع معدل المشاركة في القوى العاملة بين النساء السعوديات تدريجياً من %14 في عام 1990م، إلى %17.4 في عام 2017م، إلى نحو %32.4 في عام 2021م، وفقاً لبيانات هيئة الإحصاء السعودية، وكانت زيادة معدلات التحاق المرأة بالتدريب والتطوير التقني والمهني أحد الأهداف الرئيسة للمبادرات الأخيرة. 


الدراسة الجامعية قد تكون عبئاً بلا فائدة
أنمار وزنه
طالبة أحياء دقيقة بجامعة الملك عبدالعزيز

لا شك أن الاستقلال المادي للشاب أو الفتاة المقبلين على الحياة العملية، هو الهاجس الأكبر الذي يشغل تفكيرهم ويمثل هدفاً أساسياً لهم في هذه المرحلة من حياتهم، ولكن هذا الأمر لا يمكن أن يتحقَّق ما بين ليلة وضحاها، سواء لدى الملتحقين بالجامعات، أم من اختاروا المجالات الفنية والمهنية، لذلك يلجأ كثير من الشباب إلى اختصار الوقت، والعزوف عن الالتحاق بدراسة جامعية تستنزف سنوات من أعمارهم، والاتجاه إلى خيار الدراسات المهنية والفنية في المؤسسات والمعاهد المتخصصة، أو تلك التابعة لبعض الشركات الكبرى، ما يضمن لهم شاغراً وظيفياً من ناحية، ومن ناحية ثانية، يحقِّق لهم الاستقلال المادي المنشود في فترة زمنية أقصر.
وهناك ظاهرة ملاحظة لدى كثير من الشباب والفتيات، تجعل من خيار الدراسة الجامعية عبئاً إضافياً مع مردود قليل الفائدة، وهي أن كثيرين من حاملي الشهادات الجامعية يعملون في مجالات وتخصصات بعيدة عن تلك التي درسوها وأمضوا فيها سنوات من أعمارهم، بينما يبذلون جهوداً ذاتية أو يقضون فترات تدريبية إضافية لتعلُّم المهارات التي تتطلبها وظائفهم.
لا أحد يشكك في أهمية التخصص والدراسات الأكاديمية، ولكنها ليست الوسيلة الوحيدة للحصول على وظيفة ما، وليست الخيار الأفضل دائماً، بينما من المزعج أن تظلّ شرطاً نظرياً لدى بعض الجهات، لحصول المتقدِّمين إليها على وظيفة لا تتطلب دراسة جامعية متخصصة.


تحديّات خرّيجي التخصصات التقنية
الجوهرة النامي 
مسؤولة موارد بشرية

أعتقد أن هناك تحدياً كبيراً يواجه خريجي التخصصات التقنية والمهنية في المملكة، يتجلّى ذلك في حال كان هناك تقديم على وظيفة ما، وإن كانت وظيفة تقنية تتطلّب دبلوماً فنيّاً فحسب، وتقدّم إلى المنافسة على شغلها عديد من الأشخاص، منهم من يحملون شهادات جامعية، ومنهم حملة الشهادات الفنية والتقنية، عندئذٍ سيكون من المرجح تفضيل أصحاب العمل لحاملي الشهادة الجامعية، وهذا التفضيل غير المتكافئ، من شأنه أن يؤثر على إقبال الشباب على المعاهد والمؤسسات التقنية والفنية، ويُضعف ثقتهم في مخرجاتها.
إن استيعاب سوق العمل السعودي لخريجي التخصصات التقنيّة والمهنيّة، لا بدَّ وأن يكون حجر الزاوية في بناء ثقة الشباب في هذه التخصصات، وحتى هذا الوقت أرى أنه لا يزال هناك تقصير في توفير الوظائف الملائمة التي تلبي تطلعات وطموحات حاملي الشهادات التقنية، كما علينا أن نتوقف على التعامل معهم كعبء زائد على سوق العمل.

اختصار للسنوات وتدرّج وظيفيّ أسرع
سليمان زياد العمري
طالب سابق في كلية الجبيل الصناعية

أعتقد أن الدراسة في المعاهد والكليات التقنية، واعتماد شريحة كبيرة من الخريجين على الوظائف والأعمال المهنية، يمكن أن يحقِّق للشاب الاكتفاء المادي، والاستغناء عن الوظائف التخصصية التي تشترط الشهادة الجامعية. وذلك بسبب التنافس العالي على تلك الوظائف التي تعتمد على الشهادة الجامعية.
وأظن أن باستطاعة بعض الشباب المقبلين على الحياة العملية أن يختصروا سنوات من الدراسة التي يقضونها في الجامعة، واستغلال الفترة نفسها في الصعود والارتقاء في السلَّم الوظيفي، مما قد يعوّض فارق المستوى الوظيفي بينهم وبين الجامعي الذي يستغرق سنوات طويلة قبل تخرجه والتحاقه بالحياة العملية، ويقارب أيضاً بين الراتب الذي يتقاضاه كلاهما.
من ناحية أخرى، أرى أن هناك سهولة كبيرة في التعرُّف على الخدمات التي تقدِّمها معاهد ومؤسسات التعليم التقني والتدريب المهني من قِبل الطلاب الراغبين في الالتحاق، وذلك بسبب سهولة الوصول لها عن طريق شبكة الإنترنت، وأغلب تلك المؤسسات لها مواقع إلكترونية رسمية، مما يسهل طريقة التعرُّف على الخدمات التي يقدِّمونها. ومن جهة ثانية، فهناك مرونة وسهولة عالية في التقديم على الكليّات والمعاهد المهنية المتخصصة، فعلى سبيل المثال، يمكن التقديم على برنامج التدرّج لخريجي وخرّيجات مرحلة الثانوية العامة التابع لشركة أرامكو السعودية (ITC) عن طريق 
الإنترنت بسلاسة عالية وواضحة. كما أن هناك دعماً سخيّاً يُمنح للمتدرِّبين في هذا البرنامج خلال
فترة التدريب، مما يؤثر بشكل كبير في رفع معنويات وتحفيز المتدرِّبين للأداء بشكل منتظم وفعّال، 
مع درجة عالية من الانضباط.


مقالات ذات صلة

ثَمَّة في تاريخ الأوطان والدول والمجتمعات، محطات لا يمكن تجاوزها أو المرور عليها دون التوقف عندها والاستلهام من أمجادها والامتنان لرجالاتها الذين صنعوها. إن استحضار واستذكار أحداث تاريخية لها قيمتها وطنياً، هو من الأمور المطلوبة والمحفِّزة لمزيد من الاعتزاز والفخر والانتماء لدولة تأصل تاريخها لقرون، دولة امتدت جذورها وبُنيت قواعدها على أساس راسخ من الإيمان […]

موسوعة الأوبئة الوثائقية.. كورونا من المهد إلى اللقاحإعداد: حمزة العليانالناشر: ذات السلاسل، 2021م 15 فصلاً جمعها الباحث والكاتب اللبناني المقيم في الكويت حمزة العليان، ليقدِّم خلال العام الماضي “موسوعة الأوبئة الوثائقية.. كورونا من المهد إلى اللقاح”، حيث استشعر الباحث بأن جائحة كورونا لن تكون قصيرة، بل ستكون جزءاً من تاريخ البشرية، لذا عمل على فكرة […]

من المتفق عليه لدى الباحثين السياسيين أن معاهدة “ويستفاليا” للسلام في عام 1648م، هي التي مهَّدت لظهور النظام الدولي الحديث، القائم على فكرة دولة المواطنة التي نعيشها اليوم، والتي أسَّست بدورها لمفهوم الدبلوماسية الحديثة.لكن ممارسة الدبلوماسية نفسها قديمة بقدم اختراع الإنسان للكيانات السياسية، نتحدَّث هنا عن آلاف مضت من السنين، فاليوم لا يختلف كثيراً عما […]


0 تعليقات على “مستقبل المعاهد التقنية والمهنية في المملكة”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.