مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
سبتمبر - أكتوبر | 2018

تطوّر مسارات الترجمة في الوطن العربي


محمد غبريس

على الرغم من كثرة الحديث عن أحوال الترجمة في البلاد العربية، فإنه يكاد يقتصر على الأرقام المتعلقة بحجمها مقارنة بحركتها في بعض البلدان الأخرى، ويُغفل بشكل شبه تام طبيعة هذا العمل ومساراته المختلفة في نقل الأعمال الأدبية والعلمية إلى اللغة العربية ومنها. وقد سعت القافلة، في جلسة نقاش عقدتها مؤخراً في بيروت، شارك فيها عدد من الأكاديميين والمترجمين المحترفين الذين تناولوا، كلٌ من وجهة نظره، توضيح طبيعة عمل المترجم والمؤهلات التي يجب أن يتمتع بها والمسارات الواجب اتباعها كي تؤدي الترجمة النتيجة المتوخاة منها.

تُعدُّ مسارات الترجمة في الوطن العربي عن وجه حق من أكثر القضايا التي تحظى باهتمام الباحثين والمثقفين نظراً لأهميتها ودورها في حوار الثقافات. وبعد أن لفت مدير الجلسة في كلمته التمهيدية إلى أن الترجمة واحدة من أهم وسائل التواصل القديمة بين البشر ووتد من أوتاد ترابط الثقافات والمجتمعات، طرح على المشاركين جملة أسئلة تمحورت حول واقع الترجمة في العالم العربي، ما هو تعريفها؟ ما هي أحوالها؟ ما الذي تقدّمه؟ وما الذي تحتاجه للارتقاء بواقعها؟ ما هي العوائق الرئيسة التي تعترض المترجمين؟ وماذا عن مستقبلها في العالم العربي؟

إن الترجمة احتكاك بين الألسن، وواقع من وقائع ازدواج اللسان”، إن لم يكن بين لسانين أي احتكاك فإنّ الترجمة تصبح مستحيلة، لذلك عندما احتكّت الشعوب ببعضها بعضاً كانت الترجمة

ما هي الترجمة؟
مع أن تعريف الترجمة قد يبدو بديهياً لدى البعض، إلا أن الدكتور هيثم الأمين بدأ الحديث بالقول إن الأمر أكثر تعقيداً مما يبدو، مشيراً إلى نظرية جورج مونان في الترجمة التي تقول: “إن الترجمة احتكاك بين الألسن، وواقع من وقائع ازدواج اللسان”، فإن لم يكن بين لسانين أي احتكاك فإنّ الترجمة تصبح مستحيلة. لذلك، عندما احتكّت الشعوب ببعضها بعضاً كانت الترجمة. فالاحتكاك يؤدي إلى ولادة أفراد مزدوجي اللسان، وبواسطة هؤلاء تتمّ الترجمة. إذ لا يمكن لأحد أن يترجم من دون معرفة مسبقة باللغة، ولا يمكن لمن لا يعرف لساناً ما أن يترجم منه أو إليه.
وأضاف الأمين: إنّ الترجمــة فنّ قائــم على العلوم اللغوية، وليست علماً كما هو في الطب.. وهذا الفن يقوم على نقل نص من لغة إلى لغة أخرى، ويفرض هذا النقل بحثاً دؤوباً عن المقابل الأقرب لرسالة تنقل من لسان إلى آخر، ولا تكون في غير ذلك.

د. نجاح عطية
التركيز فقط على الترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية وليس العكس مؤشر خطير جداً


نبيل الخشن
النشاط الإبداعي لا ينمو إلا في ظل واقع اقتصادي مزدهر ومشروع تنموي شامل

بين الفن والعلم، والترجمة الحرفية والترجمة الاستنسابية:
وعقّبت الدكتورة نجاح عطية على مداخلة الدكتور الأمين بالإشارة إلى قضية الدقة المتوخاة في الترجمة، وذكرت أنّ ما قام به المنفلوطي مثلاً لا يعدّ ترجمة، بل صياغة جديدة بأسلوبه الخاص للقصص والروايات الأجنبية التي كان يرويها لطلابه، ثم سألت الأمين: “هل يعني أنّ البحث الدؤوب عن المقابل هو الترجمة الحرفية؟”. فأجاب: هذا ما يقوله جورج مونان في نظريته حول الترجمة. لكن البحث الدؤوب عن المقابل لا يكفي، لأنه بحث مطلق، فبمعرفتي بالألسنية، توصّلت إلى مفهوم ثلاثي، أي لا يقوم إلا بثلاثة مفاهيم، هي: البنية، الوظيفة، ووجهة الاستنساب بين البنية والوظيفة”.
واستطرد الأمين قائلاً: “يرى جورج مونان أن كلمة بنية ليس لها رواسب وأعماق ميتافيزقية، فهي تدل أساساً على البناء بمعناه العادي”. ويقول في موضع آخر: “ليس للبنية قيمة إلا إذا اقترنت بالوظيفة أي كانت مستنسبة”. وقد تختلف وجهة الاستنساب من نص إلى آخر. فالبنية في النص الأدبي ليست كما هي في النص العلمي أو القانوني أو الرياضي أو الصحفي. في حين أن وجهة الاستنساب في نقل العلوم إجمالاً تقع في المصطلحات العلمية، حيث على المترجم الإلمام بها في كلتا اللغتين”.
ورأى الأمين أنّ ترجمة النصوص الأدبية خصوصاً الشعرية منها تخضع للمبدأ عينه، فيتم الاعتماد على البنية المعجمية والصرفية والتركيبية والبلاغية. وذكر أنه اعتمد على هذا المبدأ في ترجمته لكتاب عنوانه “قصائد فرنسية”.

يجب تشجيع الطلاب في المدارس على كسب المعرفة وتعلقهم باللغة. وعلى المدرسين أن يتولّوا مهمة التحفيز على القراءة والكتابة والتثقيف

أهمية المعطى التاريخي والثقافي بالنسبة للترجمة:
ثمّ تحدّث نبيل الخشن عن أهمية المعطى التاريخي والثقافي في الترجمة، وكيف يختلف هذا المعطى من شعب إلى آخر، وأكد أنّ الاستنساب لا يتوقف على البنية فقط وإنّما أيضاً على المعطى التاريخي، كما يلعب المعطى الثقافي دوراً كبيراً في عملية الترجمة، لأنّ للكلمات أكثر من دلالة في لغة ما، وقد لا يكون لها نفس الدلالة في لغة أخرى. وقال: “إن الترجمة هي عملية نقل من لغة إلى أخرى، وتحتّم على المترجم أن يجيد اللغتين بشكل كامل، وأن يكون مطلعاً على ثقافة البلد الذي يترجم منه، وأيضاً أن يكون على إلمام كبير بالمصطلحات القانونية والقضائية. وأعطى مثلاً هو أنه يمكن للمحامي في بعض المحاكم العربية الادعاء في قضية ما من “غير ذي صفة إلى غير ذي صفة”، ولكن ترجمة ذلك إلى الإنجليزية قد يؤدي بالقاضي في إنجلترا إلى رد الدعوة وعدم النظر فيها، بحيث إن المحاكم البريطانية في هذه الحالة تعتمد على تشريع روماني قديم ونص باللغة اللاتينية يحتم على المترجم ذكره كما هو في اللغتين اللاتينية والإنجليزية، لكي يفهم القاضي أو هيئة المحكمة المعنى الحقيقي لصفات المدعي والمدعى عليه..

د. هيثم الأمين
توصّلت إلى طريقة في الترجمة تجمع بين ثلاثة مفاهيم “البنية، الوظيفة، الاستنساب”


سمر برّاج
الأمانة في الترجمة تتمثّل بالمحافظة على المضمون والفكرة والموسيقى والصياغة

معرفة اللغة أساس والإلمام بآدابها ضرورة:
من جهته تناول سمير المالطي الترجمة بوصفها طريقة تواصل بين لغة وأخرى، وضرورية في عملية التطور والنهضة والتبـادل الثقافي. وشدّد على أن تكون الترجمة في اتجاهين لا واحد، وعلى بذل الجهود في ترجمة ثقافتنا إلى اللغات الأخرى وتعريف الآخر بها. مشيـداً بتجربـة الدكتورة رلى البعلبكي في الترجمة، خصوصاً ترجمتها للشعر والأغاني الموجهة للأطفال، وهو من أصعب أنواع الترجمات.
هنا قالت الدكتورة البعلبكي: من واقع تجربتي كمترجمة، فإنّ أهم خطوة على المترجم أن يتخذها هي أن يتخطى المعنى القاموسي، وأن يترجم حسب قناعاته، وليس فقط أن يكون ملماً بل متمكناً من اللغة وأدواتها، لأن الترجمة عبارة عن فنّ وضرورة في الوقت نفسه وليست مجرد نقل، وأكدت أنّ المترجم يحتاج إلى ثقافة مستمدة من قراءة الأدب، وأن يكون قارئاً جيداً باللغة وملماً بآدابها، وأنّ الترجمة الحرفية تحتاج إلى مخزون لغوي كبير جداً. وشدّدت البعلبكي في مداخلتها على أهمية التركيز على الفكرة والتقيّد بالنص على مستوى المضمون، فالترجمة هي مدخل إلى تذوّق الفن والأدب والجمال، وتضفي على اللغة المترجم إليها غنى وثراءً ثقافياً.
وأعربت سارة ضاهر عن موافقتها على الآراء التي تعلّق أهمية كبيرة على معرفة اللغة المنقول منها والمنقول إليها، خصوصاً في الدلالة والصرف والبلاغة والثقافة. ورأت أنه “كلما تمكّن المترجم من أدواته التعبيرية، جاءت الترجمـة صادقـة ومعبّرة وواضحة”.
أما الدكتورة عطية فمع تشديدها على أن معرفة اللغة شرط مهم من شروط الترجمة، فقد لفتت أيضاً إلى وجوب معرفة الثقافة والتاريخ والتراث، “فمعرفة اللغة وفهم أي ثقافة أو قراءة أي فكر مترابطان”.

المتحدثون في الجلسة

د. طريف بزي: درّس الترجمة لمدة خمس عشرة سنة في الجامعة اللبنانية الأميركية وترجم عدداً من المقالات نذكر منها أعماله خلال ست سنوات من العمل في المجلة الإنجليزية ريدرز دايجست من الإنجليزية إلى العربية.
د. رلى البعلبكي: أستاذة ترجمة في الجامعة الأميركية في بيروت، ترجمت الكثير من الأعمال الأدبية إلى اللغة الإنجليزية بما فيها الكثير من أعمال كبار الشعراء العرب في القرن العشرين.
د. هيثم الأمين: أستاذ الترجمة والألسنية في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية الفرع الأول. وكاتب مقالات في ما يختص بالترجمة، ومترجم كتب تاريخية وشعرية من وإلى الفرنسية.
الأستاذة سمر برّاج: مؤلّفة كتب أطفال وناشئة لبنانيّـة. نشـر لها حتّى الآن 60 كتاباً في دور نشر لبنانية وعربية. وترجمت 85 كتاباً للأطفال من الفرنسيّة، الإنجليزيّة والإيطاليّة إلى العربيّة.
د. نجاح عطية: حائزة شهادة الدكتوراة في اللغة العربية وآدابها من جامعـة القديس يوسف، وتُدرّس الأدب العربي في الجامعة الأميركية في بيروت
الأستاذ سمير المالطي: حائز شهادتي البكالوريوس والماجيستير في الآداب في اللغة العربية وآدابها من الجامعة الأميركية في بيروت حيث يدرس عدة مساقات تقدّمها الدائرة العربية
الأستاذ نبيل الخشن: مترجم ومحرر صحفي لبناني، عمل في مقر الأمم المتحدة في نيويورك كمدقق لترجمات مجلس الأمن، ثم عاد إلى دبي وأسس شركة “النخبة للترجمة”.
د. سارة ضاهر: تحمل شهادة دكتوراة في اللغة العربية من الجامعة اللبنانية. رئيسة ومؤسِّسة جمعيّة “بالعربية للغة والتحديث”، ترجمت لمحطة بي بي سي البريطانية عديداً من الحلقات التلفزيونية.

 

الكاتب حرّ في كتاباته وأفكاره وإبداعه، فيما نجد أنّ المترجم أسير النص وتقع على عاتقه أمانة نقل الفكرة والإحساس، ويظل تنتابه حالة قلق حتى ينتهي من ترجمة النص

بين الإبداع والأمانة
الفرق بين الكاتب والمترجم
بالانتقال من مجال مستلزمات الترجمة إلى طبيعتها كفعل ثقافي، طرح مدير الجلسة سؤالاً حول الفرق بين عمل الكاتب وعمل المترجم. وأتى الجواب الفوري من سمير المالطي الذي قال: “إن الكاتب حرّ في كتاباته وأفكاره وإبداعه، فيما نجد المترجم أسير النص وتقع على عاتقه مسؤولية وأمانة في نقل الفكرة والإحساس، ويظل تنتابه حالة قلق حتى ينتهي من ترجمة النص. هذا القلق نابع من مفهوم الأمانة عبر التركيز على محورية النص، وعدم تجاوز حـدود الترجمـة حتى لا يتم الخروج عن المضمون”.
وإليه أضاف نبيل الخشن أنّ الكاتب يخلق حالة ذهنية وحالة شعورية من خلال عمله الإبداعي، عند القارئ باللغة نفسها التي يكتب بها. بينما على المترجم مسؤولية إيصال هاتين الحالتين بأمانة إلى القارئ بلغة أخرى في ثقافة مختلفة.
بعد ذلك تحدّثت سمر محفوظ برّاج في مداخلتها عن تجربتها في تأليف وترجمة كتب للأطفال. وأكدت أنّ الكتابة للطفل من أصعب الكتابات لما لها من خصوصية وما تتضمّنه من مسؤوليات. ولفتت إلى أنّ كل مرحلة عمرية لها أسلوب خاص ومفردات مناسبة، واعتبرت أنّ الصعوبة التي تواجهها في الترجمة هي إيجاد المرادف المناسب، وضغط الاضطرار إلى الشرح أكثر لتوصيل المعلومة بشكل واضح للطفل.

سمير المالطي
الترجمة هي متممة للقراءة وواقعهما ضعيف ويفتقر إلى الاهتمام والدعم


د. رلى البعلبكي
إذا كان لا بد من الترجمة الحرفية فالمترجم يحتاج إلى مخزون لغوي كبير جداً، كما أنه يحتاج إلى ثقة مستمدّة من قراءة الأدب، وأن يكون قارئاً موهوباً باللغة، والأفضل التركيز على الفكرة والتقيد بالنص على مستوى المضمون، والبُعد عن المعنى القاموسي. فالترجمة هي مدخل إلى تذوّق الفن والأدب والجّمَال، وتضفي على اللغة المترجم إليها غنى وثراءً ثقافياً

وشدّدت على موضوع الأمانة في الترجمة من خلال نقل النص من لغة إلى أخرى مع المحافظة على المضمون والفكرة والموسيقى والصياغة والإحساس. إذ على المترجم أن يكون حريصاً على الدقة وجودة العمل ونقل الحكاية بأسلوب ممتع وشيّق من دون الخروج عن النص الأصلي. ولكنها لاحظت أن هناك تطوراً مهماً طرأ مؤخراً ويتمثّل في إنتاج نوعية من كتب الأطفال مثلاً، تسهم في جذب القرّاء الصغار من دون أن تنقل النصوص بأمانة وإبداع إلى اللغة العربية فحسب، بل تستلهم أيضاً التصاميم والقوالب والرسوم الجذابة وغيرها.
وهنا كانت مداخلة لافتة للدكتور طريف بزّي تعالج ما يشكو منه القارئ أمام ترجمات مكتوبة بأسلوب ولغة يذكّران على الدوام أن هذا العمل مترجم، فقال: “إنّ الهمّ الأساسي الذي يشغل بالي خلال قيامي بترجمة أي عمل من الإنجليزية إلى العربية هو أن أجعل القارئ يشعر بأنه لا يقرأ نصاً مترجماً بل مكتوباً باللغة العربية. وكنت أتعمّد إقحام أسلوبي الخاص لتطويع الترجمة كما أريد، الأمر الذي دفعني إلى تقديم “تضحيات” في دقة الترجمة، بمعنى عدم التقيد في بعض الأحيان بالنص الأصلي”.
وأضاف: أنا شخصياً أعتبر أنّ المسائل النظرية في الترجمة لا تعلّم أي شيء، بل الممارسة والتطبيق هما السبيل الأهم في الارتقاء بالترجمة وإيفاء النصوص حقّها”. فعقّب الأمين مؤكداً أنه لا توجد ترجمة حرفية بين لغتين، ولا يوجد تطابق بين المعنى والدلالة. فما هو في الفرنسية فرنسي، وما هو في العربية عربي. إن الترادف لا يكون بين لسانين وإنّما في اللسـان الواحد”. وهنا قالت عطية: “إنّ الدكتـور الأمين من خلال ترجمته للقصائد الفرنسيــة قدّم لنا عملاً إبداعيــاً مهماً تخطى الترجمة الحرفية”.

من واجبنا تقدير قيمة الترجمة ودورها التنويري فضلاً عن تقدير مكانة الكتّاب والمبدعين والمثقفين وما يقومون به من إبداعات ونتاجات ترقى بالوعي وتنهض بالمجتمعات

واقع الترجمة من واقع القراءة: فهل نحن نقرأ لكي نترجم؟
وحول واقع الترجمة في العالم العربي اختلف المشاركون قليـلاً في تقييمـه بين متشائم كلياً ومتفائل حذر.
فقد قال سمير المالطي: إنّ الترجمة هي متمّمة للقراءة ومكمِّلة لها. فحال القراءة اليوم متدهور، والنسبة متدنية حسب الدراسات والإحصاءات الأخيرة، ما يعني أنّ واقع الترجمة ضعيف ويفتقر إلى الاهتمام والدعم.
ورأى الخشن أنّ العهد الذهبي للترجمة ترافق تاريخياً مع الفتوحات الإسلامية، وتطور خلال المشروع التنموي للخلفاء الراشدين، حيث بلغت الترجمة ذروتها لضرورات إدارة الدولة أساساً، ولنقل المعارف المختلفة، مما أدّى إلى تقدّم هائل في مختلف أنواع المعارف العربية الإسلامية من الفلسفة والطب والحساب وصولاً إلى الموسيقى والفلك وغير ذلك. بمعنى أن أي نشاط إبداعي لا ينمو إلا في ظل واقع اقتصادي مزدهر ومشروع تنموي شامل. لذا، هناك تراجع كبير في واقع الترجمة. وبات الجميع يعتمد على الترجمة الإلكترونية، على الرغم من الجهود الكبيرة في بعض الدول العربية على المستويين الرسمي والخاص.
وعقّبت سمر محفوظ براج على ذلك بقولها إن هناك عدداً كبيراً من العرب أصبحوا يقرؤون بلغات أجنبية، مما أسهم أيضاً في هذا التراجع، فضلاً عن الاعتماد على الجهود الفردية وغياب الإسهامات الجادة بسبب الافتقار إلى الدعم والتخطيط.

محاور الجلسة
تناولت الجلسة بدرجات مختلفة من التوسع:

• أنواع الترجمة: حرفية، استنسابية، أدبية، علمية..
• مستقبل الترجمة في العالم العربي
• الموضوعات الرئيسة التي تحظى باهتمام المترجمين: من وإلى العربية
• اهتمام الشباب مؤخراً بالترجمة: أسبابه وخلفياته

 

سارة ضاهر
ضرورة وجود مؤسسات عربية خاصة بالترجمة تحظى بالدعم والتمويل


د. طريف بزّي
بغض النظر عن النظرية المتبعة، فإن همِّي الأساس هو ألاَّ يحس القارئ أنه يقرأ نصاً مترجماً

وإلى ذلك، أضافت سارة ضاهر أنّ التكنولوجيا الحديثة أضرّت بشكل أو بآخر بعمليات الترجمة، خصوصاً مع انتشار استخدام الكتب المسموعة وبرامج الهاتف النقّال. وأشارت إلى ضرورة وجود مؤسسات عربية خاصة بالترجمة، تحظى بالدعم والتمويل الرسمي، لأنّ المؤسسات الموجودة اليوم وهي قليلة، إما أنها لا تعمل وتفتقر إلى آلية عمل، وإما أنها تعمل ولكنها تفتقد التمويل، إضافة إلى أن هناك شرخاً كبيراً بين المتموّل والمثقف العربي”.
وبعدما أشار بعض المشاركين إلى عوامل ضعف ملحوظ في الترجمة في العالم العربي، كان لا بد من تشريح أسبابه والوقوف عند عوامله وكذلك عوامل القوة. ففي حين يمكننا القول إن الترجمة من اللغة العربية إلى اللغات الأجنبية هي ضعيفة إلى حد كبير، لا يبدو أن ذلك ينطبق على حركة الترجمة إلى العربية خاصة من اللغتين الإنجليزية والفرنسية وفي موضوعات مختلفة أهمها الأدب والعلوم الاجتماعية والعلوم التطبيقية وغيرها.

العهد الذهبي للترجمة ترافق مع الفتوحات الإسلامية وتطوَّر خلال المشروع التنموي للعهود السابقة، بمعنى أن أي حركة ثقافية أو نشاط إبداعي لا ينمو إلا في ظل واقع اقتصادي مزدهر ومشروع تنموي شامل

من اللغة العربية إلى اللغات الأجنبية وبالعكس
هل نحن نكتب ونبدع لكي يُترجم لنا؟
في مبادرة فردية تطوَرت لاحقاً إلى تعاون مع كبرى المؤسسات الإعلامية العالمية، ذكرت سارة ضاهر: “عملنا كثيراً في الترجمة من العربية إلى لغات أجنبية عدة، من خلال تقديم أعمال أدبية ومسرحية وأوبريتات بغية التعريف بثقافتنا وحضارتنا. كما أطلقنا مبادرة “بالعربية” وهي تسعى لحفظ لغة “الضاد” وإثرائها. ويبدو أن هناك أملاً.
أما عطية فلفتت إلى قضية كانت ولا تزال تثير جدلاً كبيراً في الأوساط الثقافية، وهي التركيز فقط على الترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية وليس العكس، وهذا مؤشر خطير جداً، ورأت أن “ما تتم ترجمته فقط هو بعض القصص المثيرة والروايات الفائزة بجوائز والموضوعات التي تتمحور حول المرأة العربية، فيما نحن لدينا جواهر وكنوز إبداعية”. فعلّقت على ذلك الدكتورة ضاهر بقولها إن المسؤولية تقع على الجهة العربية المفروض فيها أن تتحرّك لتأليف لجان متخصصة في اختيار الأعمال الإبداعية المناسبة لترجمتها. وشدّدت على وجوب تقدير قيمة الترجمة ودورها التنويري فضلاً عن تقدير مكانة الكتّاب والمبدعين والمثقفين وما ينتجونه”.

الكاتب يخلق حالة ذهنية وحالة شعورية من خلال عمله الإبداعي، عند القارئ باللغة نفسها التي يكتب بها. بينما على المترجم مسؤولية إيصال هاتين الحالتين بأمانة إلى القارئ بلغة أخرى في ثقافة أخرى

ورأت البعلبكي أن من الصعوبـات التي تواجه الترجمة اليوم، الافتقار إلى مؤسسات خاصة بالترجمة تكون داعمة ونشيطة. ورأت بحكم تدريسها لمادة الترجمة أن طلبة الطب والكيمياء والفيزياء هم أكثر معرفة باللغة من طلبة الآداب، وهذه مفارقة تدعو للدهشة.
أما الدكتور بزّي فأضاء على قضية تشجيع الطلاب في المدارس على كسب المعرفة وتعلقهم باللغة. ورأى أن ذلك يقع على عاتق المدرسين الذين يتولون مهمة التحفيز على القراءة والكتابة والتثقيف.

واختتمت الجلسة بتأكيد المشاركين على أهمية الترجمة في العصر الحالي ودورها الكبير في تبادل المعارف والثقافات والعلوم. ودعوا إلى تبني مناهج تعليمية فعّالة في تنمية اللغة العربية، وتحبيب الطلاب بها، لكي يتحقق التوازن بالترجمة من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى. والمهم هو الانتباه إلى أن الترجمة هي في الواقع حلقة من سلسلة تبدأ بتحصيل المعرفة في اللغة الأم، وتنتهي بالانتماء إلى الثقافة، وتسهم في بناء المنظومة الفكرية، وتقوي الانتماء إلى الهوية الفردية والاجتماعية.

 

مستقبل صناعة الترجمة
هل هو إلكتروني؟

مع الانتشار الواسع لقطاع الأعمال العالمية على شبكة الإنترنت، يتحدث كثير من الخبراء في قطاعي التكنولوجيا والترجمة عن مستقبل إلكتروني للترجمة، بحيث تصبح آلية وسريعة وحتى فورية. فمع إنتاج حوالي 3 ترليونات جيجابايت من البيانات كل يوم، يزداد الطلب على الترجمة لرفد قطاع الأعمال على مستوى العالم، مما يشكِّل نظرياً إمكانات هائلة لصناعة الترجمة وللمترجمين وخاصة الشباب منهم. إلا أن المترجمين، في الواقع، فقدوا كثيراً من فرصهم في سوق الترجمة لصالح شركتي جوجل ومايكروسوفت على الرغم من تقديمهما خدمات في الترجمة أقل جودة، وبالتالي أصبح المنافس لجودة عمل المترجمين عملياً هو تقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي، فهل يستطيع المترجمون تحويل هذا التهديد إلى فرص جديدة؟

 

توصيات الجلسة

– التأكيد على أن يجيد المترجم اللغتين بشكل كامل، وأن يكون مطلعاً على ثقافة البلد الذي يترجم منه، وأيضاً أن يكون على إلمام كبير بالمصطلحات العلمية في مختلف الاختصاصات إذا كان مترجماً مختصاً.
– التأكيد على أهمية التركيز على الفكرة والتقيّد بالنص على مستوى المضمون، فالترجمة هي مدخل إلى تذوّق الفن والأدب والجمال، وتضفي على اللغة المترجم إليها غنى وثراءً ثقافياً.
– تأليف لجان متخصصة في اختيار الأعمال الإبداعية المناسبة لترجمتها من العربية إلى اللغات الأخرى.
– وجوب تقدير قيمة الترجمة ودورها التنويري فضلاً عن تقدير مكانة الكتّاب والمبدعين والمثقفين وما ينتجونه”.
– ضرورة تشجيع الطلاب في المدارس على كسب المعرفة وتعلقهم باللغة.
– ضرورة استخدام الوسائل التقنية الحديثة لجذب الناس للقراءة لأن الترجمة دون قراءة لا قيمة فعلية لها.
– ضرورة دعم مشاريع الترجمة التطوعية خاصة عند المترجمين الشباب لما لذلك من فائدة في دعم المحتوى العربي خاصة على الإنترنت.
– ضرورة التصدي لقلة المصطلحات الحديثة المعربة عبر صنع “تثبيت للمصطلحات” ملحق في النصوص العلمية المترجمة علها تكون لبنة لمعاجم تخصصية أو مشاريع موسوعية.
– ضرورة التأقلم مع تطورات شبكة الإنترنت وتقنيات الذكاء الاصطناعي وسرعة عولمة الأعمال لما يمثله ذلك من تحديات وفرص على حد سواء.

 

د. خالد البدراني: هذه هي عوائق الترجمة العلمية
طبيب سعودي ومترجم كتاب “بوصلة المتعة: كيف تشعر أدمغتنا بالمتعة؟”

لما تعذّر على الدكتور خالد البدراني أن يشارك شخصياً في جلسة النقاش هذه، فقد تفضَّل مشكوراً بالإسهام فيها من خلال الإدلاء برأيه في ورقة مكتوبة، نصّها الآتي:

أرغب في الحديث بإيجاز عن موضوعين مهمين: أولهما الترجمة العلمية، وثانيهما مشاريع الترجمة التطوعية.

أعتقد أن أبرز العوائق أمام ترجمة الكتب والأبحاث العلمية هي قلة القواميس المتخصصة، وطبيعة اللغة العلمية والأكاديمية الجافة. وتعود قلة القواميس والمعاجم العلمية -في ظني- إلى أن مثل هذه المشاريع تحتاج إلى متخصصين وعمل مؤسسي قابل للتحديث والإضافة، ودعم مالي كبير لا تستطيع توفيره دور النشر العربية. وفي رأيي أن “المعجم الطبي الموحد” الذي أصدرته منظمة الصحة العالمية أحد هذه الأمثلة، إذ تشاركت هيئات ومنظمات عربية في العمل عليه، وصدرت آخر طبعاته في العام 2008م، مما أبقاه متأخراً كثيراً في اللحاق بالمصطلحات والمفردات الطبية التي ظهرت بعد ذلك التاريخ. والمترجم الذي يتصدى لترجمة عمل علمي سيجد نفسه في هذا الوقت كمن يحفر في الصخور، لقلة المصطلحات الحديثة المعربة وندرتها. إلا أن أفضل ما نستطيع عمله هنا هو صنع “تثبيت للمصطلحات” ملحق في النصوص العلمية المترجم، فهي مفيدة للقارئ، وكذلك للمترجمين، وربما تكون لبنة لمعاجم تخصصية أو مشاريع موسوعية.

أما طبيعة اللغة العلمية، فهي لغة جافة بعض الشيء، تنحو نحو الوضوح، بكلمات لا تحتمل أكثر من معنى واحد في السياق. وهذه لغة لم يعتد عليها بعض القرَّاء العرب، وقليل من يسلك دربها من المترجمين. وهذا يدعونا إلى مواجهة مشكلة أخرى، ففي مجال ثقافي عربي يعتمد في مجمله على الناشرين التجاريين، لا يجد القارئ والباحث العربي عن الكتب العلمية طريق الحصول عليها معبَّداً وسهلاً، فهي خاضعة لشروط العرض والطلب التجارية غالباً (مع استثناء بعض دور النشر القليلة المهتمة بنشرها). بل حتى الكتب المهتمة بالتاريخ العلمي، التي ترجمت ترجمات رصينة إلى العربية في الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم٬ أصبحت منقطعة ونادرة ولم يعُد نشرها منذ ذلك الوقت.

وقد تشرفت بأن أكون مساهماً في “موقع حكمة” الذي هو أحد مشاريع الترجمة التطوعية، وتطوّر العمل التطوعي فيه إلى مستوى كبير يقارع -في نظري- المشاريع الأكثر دعماً، حيث بدأ الموقع منذ عام 2017م بالعمل على ترجمة عمل أكاديمي ضخم، ألا وهو “موسوعة ستانفورد للفلسفة”، وذلك بإشراف على الترجمة من محرري الموسوعة أنفسهم. بالإضافة إلى كثير من المترجمين الذين بدأوا عملهم في الترجمة وصقلوا كثيراً من مهاراتهم ومعرفتهم عبر الموقع نفسه. وأعتقد أن هذا يمثل وعياً عالياً عند الشباب العرب، حين بدأوا تطوعهم في سد بعض الثغرات المعرفية في المحتوى العربي على الإنترنت. كما قامت بعض الجامعات والمؤسسات بتفعيل مشاريعها في الترجمة والتعريب، وهذه بادرة تبشِّر بكثير في مستقبل الترجمة، العلمية والأكاديمية منها بالتحديد.

 


مقالات ذات صلة

اختلفت الطقوس عمّا كنا نتذكره سابقاً أفنان باويان – كاتبة سيناريو ومساعدة مخرج العودة للمدارس احتفالية وفعاليات يقوم بها الآباء والأمهات بمشاركة أبنائهم من شراء مستلزمات مدرسية وحقائب وغيرها، حتى يتهيأ الأبناء نفسياً ويستعدُّون للعام الدراسي الجديد بروح التفاؤل، وذلك حتى ترتبط التجهيزات والترتيبات في أذهانهم بأنها أمور تبعث السعادة في أنفسهم، ولكن مع مستجدات […]

كتب عربية أنغام فلكلورية مصرية تأليف: د. تيمور أحمد يوسف الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2017م يهتم هذا الكتاب بدراسة الموسيقى الشعبية بوصفها مجالاً مهماً من مجالات البحث العلمي في الفنون. فالموسيقى الشعبية هي حصيلة ما تراكم من صيغ الألحان عند الشعوب، وتُعد الأغنية الشعبية من أهم تلك الصيغ بسبب كثرة مناسباتها وأنواعها التي تطوّرت […]

الهواتف الذكية وأجهزة التخزين الشبكية والاتصالات عبر الإنترنت والرسائل النصية والبريد الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي وحتى الطائرات من دون طيّار.. كلها من عناصر قطاع التكنولوجيا العالية. ومع ذلك، عندما يجتمع القلم مع الورقة يمكنهما تحدي كل هذه الاختراعات الجبارة. ففي عام 1839م كتب الروائي والسياسي البريطاني إدوارد بولوير-ليتون أن “القلم أقوى من السيف” وإليه يمكننا أن نضيف اليوم إنه أقوى من كل منتجات هذا التقدم التكنولوجي الهائل.
فالقلم والورقة يشكّلان وسيطاً بسيطاً، حيث لا يوجد مفاتيح ولا نقر على لوحة المفاتيح ولا أزرار حذف أو حذف للخلف، ولا تدقيق إملائي ولا تخزين ولا خلافه. وعندما ينزلق القلم على الورقة كأداة الكتابة النهائية، تنطلق الأفكار وتتحرَّر العقول وتبرز احتمالات جديدة لا متناهية، فالورقة البيضاء المجرَّدة الفارغة هي دعوة مثيرة لمشاركة عمل فني أو توصيل قصة ذات معنى أو التعبير عن الأفكار والأحاسيس الدفينة. ومع عملية الكتابة على الورقة يتم تجاوز الكلمات، وتلتقط الحروف معاني أخرى وتنحرف في اتجاهات مختلفة،  تشطب جمل وتبدأ أخرى وتُسجَّل الملاحظات على الهوامش وتُرسم الخربشات في انتظار تجلي الأفكار في رحلة تسجل فيها الورقة مسار الكتابة بكل خطواتها، وترسم تسلسل الأفكار بكل حذافيره.
وكل ذلك يعطي الكتابة بالقلم والورقة كثيراً من الروح وكثيرآَ من الحميمية التي تختلف بها عن الكتابة بوسائل التكنولوجيا الأخرى، كما أكد ذلك طبيب النفس الفرنسي رولاند جوفنت بقوله: “مع خط اليد نقترب من حميمية المؤلِّف” مضيفاً أنه “قد يكون هذا هو السبب في أننا نتفاعل بقوة أكبر مع أية مخطوطة مكتوبة بخط اليد من العمل نفسه الذي تمت طباعتـه في كتاب”. ولا شك في أن يدَي كل شخص تختلفان عن الآخر، وتكون كل إيماءة من إيماءاتها مشحونة بالعواطــف، مما يمنح الحروف المكتوبة سحراً خاصاً ويجعلها تعبيراً صارخاً عن الشخصية. وهناك تأكيد واضح على ذلك من قبل المؤرخ فيليب أرتيير الذي أشار مرات عدة في مؤلفاته إلى أن الأطباء والمحلّفين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وجدوا علامات مؤكدة على الانحراف الظاهر في شخصيات المجانين والجانحين عن طريق فحص الطريقة التي شكلوا بها رسائلهم.
قد يكون مارتي سكلار وهو أحد المديرين في شركة ديزني العالمية، من أبرز من عبّر عن أهمية الورقة الفارغة عندما قال: “هناك طريقتان يمكنك النظر فيهما إلى الورقة الفارغة. يمكنها أن تكون أكثر شيء مخيف في الدنيا، لأنك يجب أن تضع العلامة الأولى عليها، أو يمكنها أن تعطيك أكبر فرصة في حياتك، لأنها تتيح لك إمكانية وضع اللمسة الأولى عليها. معها يمكنك أن تترك خيالك يذهب في أي اتجاه ليرسم عوالم جديدة كاملة”. وقد أطلق سكلار هذه المقولة بعد أن بدأت حياته المهنية، حرفياً، مع ورقة بيضاء فارغة، وذلك عندما ذهب لمقابلة والت ديزني في محاولة منه للحصول على عمل، فأعطاه الأخير ورقة بيضاء وطلب منه أن يعبِّر عن أفكاره عليها بأي طريقة أرادها. وعندها أطلق سكلار العنان لمخيلته وراح يصور رسومات لاقت إعجاب ديزني وتناغمت مع طموحات الشركة وتطلعاتها. ومنذ ذلك الحين أصبح مارتي محرراً ومؤلفاً في الشركة لأكثر من خمسين سنة. وأصبحت تعليقات سكلار حول الورقة الفارغة من الأقوال الشائعة.
ولكن الآن، وأمام هذا التقدم التكنولوجي بات يقال إن الشاشة أخذت مكان الورقة وأن الإصبع احتل مكان القلم. فالشاشة يمكنها أن تخزن المعلومات بشكل أفضل ولا يمكنها أن تضيع أو يصيبها الاهتراء كما يحدث لقطعة الورق، كما أن الإصبع لا يمكنه أن يفرغ من الحبر وهو متوفر دائماً ومجاناً. ولكن، وعلى الرغم من كل ذلك، إذا ما عدنا إلى الماضي البعيد نجد أنه منذ اختراع الكتابة لأول مرة في بلاد ما بين النهرين قبل الميلاد بنحو 4000 سنة، خضعت لكثير من التغييرات التقنية المتلاحقة. فتحوَّلت الأدوات والوسائل المستخدمة في الكتابة مرات عديدة: من الألواح السومرية إلى الأبجدية الفينيقية في الألفية الأولى قبل الميلاد؛ ومن اختراع الورق في الصين بعد حوالي 1000 سنة إلى ظهور المجلد الأول كمجموعة من الأوراق المكتوبة بخط اليد مجمعة ومربوطة بخيط على شكل كتاب؛ ومن اختراع الطباعة في القرن الخامس عشر إلى ظهور قلم الحبر الجاف في أربعينيات القرن العشرين. ومع ذلك كله بقي القلم وعاشت الورقة وبقيت الكتابة بخط اليد مع كل خصوصيتها وبساطتها كأبرز تعبير عن صوت الروح الذي سيتحدَّى الزمن.

الهواتف الذكية وأجهزة التخزين الشبكية والاتصالات عبر الإنترنت والرسائل النصية والبريد الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي وحتى الطائرات من دون طيّار.. كلها من عناصر قطاع التكنولوجيا العالية. ومع ذلك، عندما يجتمع القلم مع الورقة يمكنهما تحدي كل هذه الاختراعات الجبارة. ففي عام 1839م كتب الروائي والسياسي البريطاني إدوارد بولوير-ليتون أن “القلم أقوى من السيف” وإليه يمكننا أن نضيف اليوم إنه أقوى من كل منتجات هذا التقدم التكنولوجي الهائل.
فالقلم والورقة يشكّلان وسيطاً بسيطاً، حيث لا يوجد مفاتيح ولا نقر على لوحة المفاتيح ولا أزرار حذف أو حذف للخلف، ولا تدقيق إملائي ولا تخزين ولا خلافه. وعندما ينزلق القلم على الورقة كأداة الكتابة النهائية، تنطلق الأفكار وتتحرَّر العقول وتبرز احتمالات جديدة لا متناهية، فالورقة البيضاء المجرَّدة الفارغة هي دعوة مثيرة لمشاركة عمل فني أو توصيل قصة ذات معنى أو التعبير عن الأفكار والأحاسيس الدفينة. ومع عملية الكتابة على الورقة يتم تجاوز الكلمات، وتلتقط الحروف معاني أخرى وتنحرف في اتجاهات مختلفة،  تشطب جمل وتبدأ أخرى وتُسجَّل الملاحظات على الهوامش وتُرسم الخربشات في انتظار تجلي الأفكار في رحلة تسجل فيها الورقة مسار الكتابة بكل خطواتها، وترسم تسلسل الأفكار بكل حذافيره.
وكل ذلك يعطي الكتابة بالقلم والورقة كثيراً من الروح وكثيرآَ من الحميمية التي تختلف بها عن الكتابة بوسائل التكنولوجيا الأخرى، كما أكد ذلك طبيب النفس الفرنسي رولاند جوفنت بقوله: “مع خط اليد نقترب من حميمية المؤلِّف” مضيفاً أنه “قد يكون هذا هو السبب في أننا نتفاعل بقوة أكبر مع أية مخطوطة مكتوبة بخط اليد من العمل نفسه الذي تمت طباعتـه في كتاب”. ولا شك في أن يدَي كل شخص تختلفان عن الآخر، وتكون كل إيماءة من إيماءاتها مشحونة بالعواطــف، مما يمنح الحروف المكتوبة سحراً خاصاً ويجعلها تعبيراً صارخاً عن الشخصية. وهناك تأكيد واضح على ذلك من قبل المؤرخ فيليب أرتيير الذي أشار مرات عدة في مؤلفاته إلى أن الأطباء والمحلّفين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وجدوا علامات مؤكدة على الانحراف الظاهر في شخصيات المجانين والجانحين عن طريق فحص الطريقة التي شكلوا بها رسائلهم.
قد يكون مارتي سكلار وهو أحد المديرين في شركة ديزني العالمية، من أبرز من عبّر عن أهمية الورقة الفارغة عندما قال: “هناك طريقتان يمكنك النظر فيهما إلى الورقة الفارغة. يمكنها أن تكون أكثر شيء مخيف في الدنيا، لأنك يجب أن تضع العلامة الأولى عليها، أو يمكنها أن تعطيك أكبر فرصة في حياتك، لأنها تتيح لك إمكانية وضع اللمسة الأولى عليها. معها يمكنك أن تترك خيالك يذهب في أي اتجاه ليرسم عوالم جديدة كاملة”. وقد أطلق سكلار هذه المقولة بعد أن بدأت حياته المهنية، حرفياً، مع ورقة بيضاء فارغة، وذلك عندما ذهب لمقابلة والت ديزني في محاولة منه للحصول على عمل، فأعطاه الأخير ورقة بيضاء وطلب منه أن يعبِّر عن أفكاره عليها بأي طريقة أرادها. وعندها أطلق سكلار العنان لمخيلته وراح يصور رسومات لاقت إعجاب ديزني وتناغمت مع طموحات الشركة وتطلعاتها. ومنذ ذلك الحين أصبح مارتي محرراً ومؤلفاً في الشركة لأكثر من خمسين سنة. وأصبحت تعليقات سكلار حول الورقة الفارغة من الأقوال الشائعة.
ولكن الآن، وأمام هذا التقدم التكنولوجي بات يقال إن الشاشة أخذت مكان الورقة وأن الإصبع احتل مكان القلم. فالشاشة يمكنها أن تخزن المعلومات بشكل أفضل ولا يمكنها أن تضيع أو يصيبها الاهتراء كما يحدث لقطعة الورق، كما أن الإصبع لا يمكنه أن يفرغ من الحبر وهو متوفر دائماً ومجاناً. ولكن، وعلى الرغم من كل ذلك، إذا ما عدنا إلى الماضي البعيد نجد أنه منذ اختراع الكتابة لأول مرة في بلاد ما بين النهرين قبل الميلاد بنحو 4000 سنة، خضعت لكثير من التغييرات التقنية المتلاحقة. فتحوَّلت الأدوات والوسائل المستخدمة في الكتابة مرات عديدة: من الألواح السومرية إلى الأبجدية الفينيقية في الألفية الأولى قبل الميلاد؛ ومن اختراع الورق في الصين بعد حوالي 1000 سنة إلى ظهور المجلد الأول كمجموعة من الأوراق المكتوبة بخط اليد مجمعة ومربوطة بخيط على شكل كتاب؛ ومن اختراع الطباعة في القرن الخامس عشر إلى ظهور قلم الحبر الجاف في أربعينيات القرن العشرين. ومع ذلك كله بقي القلم وعاشت الورقة وبقيت الكتابة بخط اليد مع كل خصوصيتها وبساطتها كأبرز تعبير عن صوت الروح الذي سيتحدَّى الزمن.


0 تعليقات على “مسارات الترجمة في الوطن العربي”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *