مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
يناير – فبراير | 2021

علياء البازعي
مكنونات النفس بالقهوة على الورق


عبدالوهاب العريض

لأن عصرنا أطلق يد الفنان ليختار الوسيلة التعبيرية التي يريد، لا بل يكاد التفرد في اختيار هذه الوسيلة أن يكون شرطاً، وجدت علياء سعد البازعي ضالتها في القهوة وما يمكن أن ينطوي عليه استخدام تدرُّجاتها اللونية على الورق. فالقهوة بالنسبة لها كما بالنسبة للشاعر محمود درويش: “أخت الوقت، تُحتسى على مهل، القهوة صوت المذاق، صوت الرائحة، القهوة تأمّل وتغلغل في النفس وفي الذكريات”، وبهذه القهوة، تستخرج الفنانة ما في أعماق النفس والذكريات لتسكبها على الورق.

علياء سعد البازعي فنانة من جيل الشباب، تمزج ما بين القهوة والقصيدة، لتصنع لوحة مليئة بالتساؤلات والرؤى، أخذت حلمها وقصدت باب العلم، تخرجت من جامعة الملك سعود قسم الفنون عام 2000م لتنقل شغفها بعد ذلك للطالبات لتعمل في مدارس الرياض.

لم يوقفها الطموح فذهبت لتحصل على الماجستير في التصميم الجرافيكي من جامعة سوفولك المتخصصة في الفن الحديث بأمريكا، بوسطن، وتصبح بعد ذلك محاضرة في جامعة دار العلوم بالرياض، لسنة دراسية واحدة، لتتوقف بعد ذلك وتتحوَّل لمصممة متخصصة ومدربة في مرسمها الخاص وتنجز معارضها الشخصية (بين الأوراق 2015، قالت 2017، أنا 2017) وتقيم معرضها الشخصي الأول خارج العاصمة الرياض لتكون الكويت محطتها الأولى في العروض الخارجية في معرض (بينهما) عام 2018م.

التحدي، 190X90 سم

الرسم بالقهوة
لماذا الرسم بالقهوة بدلاً من الألوان الزيتية والمائية الأكثر شيوعاً؟ هذا هو السؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن، فتقول علياء البازعي: “ذات يوم كنت أحتسي فنجان قهوتي كالعادة، وأبحرت بمخيلتي وقتها إلى مكان آخر بعيد. ومع كل رشفة من القهوة، كانت الأفكار تنهال عليَّ كأمواج عاصفة تحملني معها عالياً. وفجأة، شعرت بركود تام وكأن تلك الأمواج قرَّرت أن تلتزم الصمت. وأدركت حينها أن القهوة أصبحت عبارة عن بقعة صغيرة في قاع ذلك الفنجان. دفعني فضولي حينها وأنا ألمح ذلك القاموس القديم على الطاولة أن أرسم بما تبقى من قهوتي على أوراقه، وكأني أريد لتلك الأمواج أن تعود وتبحر بي من جديد، ولكني لم أعرف إلى أين ستكون وجهتي هذه المرَّة. أردت أن أغرق بين الأوراق القديمة وأجسِّد من خلالها حكاياتي ومشاعري. وبدأت بحوار مع نفسي، وحملت يدي الفرشاة لتسبح بداخل بقعة القهوة، ورسمت أول رسمة على الورق القديم. وكانت عبارة عن ملامح وجهي. ومنذ آنذاك، دخلت عالم الرسم بالقهوة، وتعمقت فيه وأصبح يمثلني ويعبر عني بشكل كبير”.

وحول استقبال هذه التجربة من قبل متذوقي الفن، تقول: “القهوة عنصر محبب للآخرين، وذات شعبية كبيرة عند عامة الناس. فالكثير يبدأون يومهم بشرب كوب من القهوة والاستمتاع برائحتها الجذَّابة. وأنا من محبي القهوة بشكل عام. وفن الرسم بالقهوة موجود من قبل. ولكني أحببت أن أنتقل به إلى مستوى أو منحى آخر، وذلك باستخدام الأوراق القديمة. وهذا الأسلوب لاقى استحساناً كبيراً عند الناس”.

ميل إلى الواقعية في البدايات
طوَّرته الدراسة الأكاديمية

ماذا عن البدايات؟
تقول علياء: “كانت البدايات في مرحلة الدراسة الثانوية. كان لدي ما يسمى بالحس أو النظرة الفنية، أكثر من الموهبة. وأثناء حصص مادة التربية الفنية في المدرسة، لاحظت المعلِّمة هذا الحس، فكانت تترك لي حرية اختيار الموضوعات لأرسم ما أريد، بخلاف باقي طالبات الصف. وكنت أذهب إلى حديقة المدرسة، أرسم ما يجذبني هناك على ورق بدقة عالية. وهذا ما جعلني لاحقاً أميل إلى الرسم الواقعي. وبعد ذلك، تحوَّل هذا الانجذاب إلى الرسم إلى شغف فني دفعني لتعلم المزيد في مجال الفن. فالتحقت بقسم الفنون الجميلة أثناء دراستي الجامعية”.

“أنا من محبي القهوة بشكل عام. وفن الرسم بالقهوة موجود من قبل. ولكني أحببت أن أنتقل به إلى مستوى أو منحى آخر، وذلك باستخدام الأوراق القديمة. وهذا الأسلوب لاقى استحساناً كبيراً عند الناس”.

وتضيف: “أكملت دراستي للماجستير في فن التصميم الجرافيكي، بعد انقطاع عن الرسم لبعض الوقت. وأكسبتني دراستي للماجستير مهارات أخرى، ووسعت مداركي وحسي الفني بشكل أكبر. وهذا ما دفعني للعودة إلى الرسم مرَّة أخرى بثقة أكبر، إذ تدرجت بهذا الموضوع من مجرد انجذاب إلى مهارة ومن ثم الاحتراف”.

وحول العلاقة ما بين التخصص في التصميم الغرافيكي وعملها الحالي، تقول: صحيح أن التصميم الغرافيكي مختلف تماماً عن باقي الفنون كالرسم والنحت. فالعمل في عالم التصميم يتطلب التعامل مع عميل وأخذ الخطوط العريضة منه للتصميم، ومن ثم إقناعه بمدى تماشي التصاميم مع ما يريده. ولكن الرسم ينبع من داخل الفنان نفسه، يتبلور وفق مشاعره وهواه. ولكن المجالين يجمعهما الإبداع بشكل عام. فالتصميم الجرافيكي ساعدني لاحقاً بأن تحمل لوحاتي تسلسلاً معيناً يعبِّر عن فكرة واحدة في صور مختلفة يكون لها أثر على المتلقي باستيعاب العمل من جميع النواحي، ليس فقط الناحية الشكلية”.

الواقعية كما تُقرأ في العيون
منذ البدايات الأولى في مسيرتها الفنية، استهوت علياء الواقعية الدقيقة. وهذه الواقعية لا تزال حاضرة في أعمالها، وإن بلغة متطورة عما كانت عليه. ففي تفسيرها لكثرة العيون في أعمالها على سبيل المثال، تقول الفنانة:
“في دواخلنا عوالم خفية لم نكتشفها، وزحام من المشاعر التي نحاربها، وقصص وخيالات لم نعشها فنهرب منها إليها، ونبقى نحمل تلك المشاعر معنا. فالسكوت قد لا يعني الألم أو أن بداخلنا صراعات، ولكنه يأخذنا جوالات تزرع في قلوبنا الأمل بكل ما هو قادم. وليس الكلام سوى وسيلة نلجأ إليها للتعبير لا التغيير. فكلما علت الأصوات تاهت النظرات، عرفت حينها أنني قادرة على قراءة العيون، والشعور بكل ما هو مدفون داخل النفس. فأنا أدقِّق في الأشياء، وأركِّز على التفاصيل التي قد لا تلفت انتباه أحد. ولهذا تجذبني النظرات أكثر من الكلمات. وأعتقد أن هذا ما جعلني أركِّز بشكل كبير على العيون في لوحاتي. فالعين بالنسبة لي هي مركز أو أساس مشاعر الإنسان. فمهما أخفى الشخص كلماته أو مكنونات نفسه، يستحيل على نظراته أن تخفيها عمن يجيد قراءتها وفهمها”.

مصادر موضوعاتها
كما تتجلَّى في معارضها

أقامت علياء أكثر من معرض شخصي خاص بها، كان أولها في عام 2015م، وتقول عنه: كان ذاك المعرض تحت عنوان “بين الأوراق”. وجسّد الحوار الذي يدور في دواخلنا حينما تكون النفس محور الحديث، وهذا الحوار هو من أصدق الحوارات التي يمكن للإنسان أن يسمعها ويقولها، إضافة إلى أن الشخص يكتشف بنفسه جوانب أخرى في أعماقه كانت غير واضحة له”. وتضيف: “حصل هذا معي عندما سافرت إلى الخارج لأكمل الدراسات العليا، وعشت بمفردي لفترة من الزمن سميتها لاحقاً رحلة البحث عن الذات! ومن تلك الفترة استوحيت فكرة معرضي الأول، ألا وهي “بين الأوراق”. فالإنسان عموماً يظهر للناس فقط جوانب معيَّنة، مثل الكتب تقريباً، تقرأ فقط الجمل المكتوبة ولكن السر دائماً موجود بين الأوراق والصفحات”. وحول تجربتها مع المعارض الفنية الجماعية تقول علياء: “شاركت في معرض جماعي واحد فقط، أقيم في جامعة الملك سعود وهو “زوايا لونية” عرضت فيه بعض لوحاتي المرسومة بالقهوة، ورسمت بشكل حي خلاله صورة صقر كتعبير عن جزء من ثقافتنا من جانب، ومدى دقة الصقر بنظراته وحدتها من جانب آخر”.

إلى ذلك، أقامت الفنانة معرضاً في الكويت تقول عنه: “كان ذلك المعرض التجربة الأولى خارج السعودية، وكان يحمل اسم “بينهما”. وفكرته الأساسية كانت الجمع بين الشعر والرسم. فالشعر رسم ناطق والرسم شعر صامت وأنا أجد نفسي بينهما!”، وتضيف: “أنا أستمتع بالرسم على صوت بعض القصائد المغناة لشعراء مثل أحمد شوقي ونزار قباني، بالإضافة إلى صوت أم كلثوم يصدح في أرجاء مرسمي عادة. وهذا المعرض تحديداً كانت له أصداء رائعة، كما كان البوابة التي دخلت منها إلى دول الخليج وتعرفت على فنانين وفنانات أعتز بمعرفتهم”.

مرسم أقرب إلى مركز ثقافي صغير
يدفعنا حديث الفنانة عن الرسم على صوت الشعر والموسيقى إلى التوقف أمام مرسمها، حيث يشعر الزائر بدفء التعامل مع المكان، علماً أن مرسمها ليس مجلساً مفتوحاً للعابرين والفضوليين. إنه المرسم الثالث للفنانة التي تقول عنه: “هو عالمي حيث أقضي معظم أوقاتي فيه، فجزء كبير من حياتي يدور داخل هذا المكان الذي أصبح يمثلني بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فمنذ دخول الشخص من عتبة الباب يستنشق رائحة القهوة والأوراق والخشب والمواد الفنية، وتشد عينيه تلك الألوان واللوح والأوراق المعلقة على الجدران، ويمكنه أن يلاحظ تطوُّرات أعمالي ويعيش معي أفكاري”. وتضيف: “مرسمي هو منزلي الصغير الذي أستقبل فيه الزوار وأتبادل مع نفسي ولوحاتي الحوار. فهذا المكان يشعرني بالدفء والراحة، ويشعل حماستي للقيام بكل ما هو مميز وجديد”.

“التصميم الجرافيكي ساعدني لاحقاً بأن تحمل لوحاتي تسلسلاً معيناً يعبِّر عن فكرة واحدة بصور مختلفة يكون لها أثر على المتلقي”.

وحول الوقت الذي تمضيه الفنانة داخل هذا المرسم، تقول: “لا أستطيع تحديد ساعات معيَّنة. فقد أقضي أحياناً معظم يومي داخل المرسم. ولكن قد يتراوح هذا الوقت ما بين خمس وثماني ساعات يومياً”.
وفي هذا المرسم، تتوزع الكتب الفنية على الجدران بالقرب من اللوحات، وأيضاً بعض الدواوين الشعرية والروايات العربية والمترجمة. إذ إن مرسم علياء أشبه بمركز ثقافي صغير، تتوسطه مقاعد لا تكفي لأكثر من خمسة زوار، وطاولة للقراءة وإنارة خاصة بالأعمال الفنية وأخرى للقراءة. “في مجال الفن، قرأت سيراً ذاتية لعدة فنانين مثل الفنان الإيطالي كرافاجيو والفرنسي إدوارد مانيه وآخرين، إضافة إلى كتب تتحدث عن المدارس الفنية المختلفة، وكثير من روايات الأدب الإنجليزي”.
سابقاً، استغلت علياء عدداً من الأماكن في منزل الأسرة قبل الانطلاق إلى مرسمها الجديد. فتروي أنها استفادت أولاً من مساحة صغيرة جداً غير مستغلة في المنزل، وحوَّلتها إلى ورشة صغيرة ومرسم. وكان ذلك أثناء مرحلة دراستها الثانوية وقبل الانطلاق للجامعة. ولاحقاً، رتبت مرسمها الثاني، لتقدِّم فيه دورات فنية للأطفال، وتقول عنه: “كان له مدخل مستقل عن المنزل. وكان أقرب إلى صف دراسي من كونه مرسماً. فهناك كنت أعطي دورات في تعليم الرسم لفئات عمرية مختلفة من عمر أربع سنوات فما فوق. وكانت تلك التجربة من أكثر التجارب حميمية بالنسبة لي. حيث كنت أشارك الآخرين الشغف نفسه الذي أحمله في داخلي، وأساعد في صقل المواهب الشابة التي رأيتها بعد سنوات وقد نضجت، وأصبح أصحابها من المحترفين المتقنين”.

البازعي في معرض “بينهما” الذي أقيم في الكويت، 2018م

دور البيئة الأسرية
ولأن الفنانة هي ابنة الأديب الدكتور سعد البازعي، كان لا بد من سؤالها في النهاية عن أثر اسم الوالد على مسيرتها الفنية، إضافة إلى أثر بيئتها الأسرية المرموقة ثقافياُ، فأجابت بالقول: “سُئلت هذا السؤال في عديد من الحوارات السابقة. وفي كل مرَّة أقرأه أو أسمعه تتردَّد في ذهني مقولة “كُل فتاةٍ بأبيها معجبة”. فلوالدي تأثير كبير عليَّ بحكم مجاله في الأدب واهتماماته الثقافية، مما زرع في داخلي ميولاً فنية وأدبية بطريقة أخرى، ليس بالكتابة بل بالرسم، وحب التعلم المستمر للوصول إلى مراتب عالية بتشجيعه لي. وكان لآرائه بأعمالي أثر كبير جداً علي بشكل عام”.

وختمت بالقول: “إن الفنان أو الرسام يكون عادةً مرهف الإحساس، وهذا ما يجعله يتمتع بقوة داخلية معيَّنة مستوحاة من محيطه وأقاربه. إن عائلتي هي المصدر والمحيط الأول الذي عشت فيه عديداً من القصص والذكريات التي تشكَّلت في مخيلتي عالماً جميلاً ومشاعر دافئة، إضافة إلى الدعم والتشجيع المستمر الذي يزودني بالطاقة للتطوُّر والاستمرار في مجال الفن”.


مقالات ذات صلة

عندما يجتمع حُبّ المغامرة ومحاولة تغيير نمط الحياة الروتيني والحظ الحسن، تتحقَّق تحوُّلات عديدة في حياة الإنسان. ويبدو أن هذا ما حصل للباحث الفرنسي تيري موجيه (1947 – 2017م)، الذي بدأ حياته مهندساً في مجال الحاسب الآلي، ثم انتهى باحثاً بارزاً في مجال الأنثروبولوجيا. فهو يُقر في كتبه التي ألَّفها عن الفنون وعلاقتها بالحياة الاجتماعية […]

عتيق رحيمي، روائي وسينمائي أفغاني، صاحب تجربة لعلاقته بأكثر من فن، وسعيه في تقديم رؤية للحياة عبر الكلمة والصورة الفوتوغرافية والفِلم السينمائي. وسبق أن عبّر رحيمي عن ذلك قبل عدَّة سنوات، عندما تحدث عن مشروعه المتضمِّن إنجاز رواية، يستتبعها بفِلم في العام الذي يليه، ومن ثم بمعرض صور فوتوغرافية في العام الثالث. ولد عتيق رحيمي […]

اللغة نظام تواصلي تقوم به الحياة الاجتماعية، ويسير مع الزمن، فيشتد ويلين، ويتسع ويضيق، ويعلو وينحدر، ويختلف باختلاف مستعمليه، فهو عند الكبير غيره عند الصغير، وعند المتعلِّم غيره عند الأمي.وهو نظام يتغيَّر من داخله ويبقى مبناه الخارجي، ويُقبل ذلك التغيُّر ما كان مستقيماً مع حيوية اللغة ومرونتها، متسقاً مع نظامها وقواعدها، فإذا خرج عن نظامها […]


0 تعليقات على “علياء البازعي”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *