مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مارس - أبريل | 2020

مدينةالعلا
ورحلة أربعة آلاف سنة


في عددها لشهر محرم 1406هـ (سبتمبر / أكتوبر 1985م)، نشرت القافلة استطلاعاً موسَّعاً حول مدينة العلا، تناول فيه كاتبه الأستاذ أحمد عبدالله عبدالكريم موقعها وتاريخها المدهش منذ بدء الاستيطان البشري قبل نحو أربعة آلاف سنة وحتى العصور الحديثة، إضافة إلى آثارها التي باتت اليوم مدرجة على قائمة منظمة اليونيسكو لمواقع التراث العالمي. وفي ما يأتي مقتطفات من هذا الاستطلاع:

تقع مدينة العلا شمالي المدينة المنورة بنحو 370 كيلومتراً، وهي وادٍ يحدّه جبلان مرتفعان يمتدان من الشمال إلى الجنوب، وترتفع عن سطح البحر بنحو 750 متراً، وجوَّها معتدل نسبياً في الصيف والشتاء. وجبالها حمر هشة “رملية” يسهل قطعها ونحتها وتشكيلها والكتابة عليها… ولهذا، وجدت فيها الرياح وعوامل المناخ الأخرى مجالاً خصباً لصنع أشكال عجيبة في أعاليها وفي صخورها المنفردة، كأشكال الآدميين ورؤوس الحيوانات والقدور والصواني إلى غير تلك من التشكيلات التي يقف الإنسان أمامها مشدوهاً ومندهشاً. وإلى جانب تلك المشاهد الفنية، هناك الغيران (جمع غار) الفسيحة التي يأوي إليها الناس في الصيف يستمتعون بظلها الوارف البارد على بساط من الرمال النقية. ومياهها غزيرة وفيرة وتربتها خصبة معطاءة. ولهذه الأسباب كلها كانت معبراً رئيساً لقوافل التجارة منذ العهد القديم بين جنوب الجزيرة وبلاد الشام. وللأسباب نفسها ولموقعها على طريق التجارة فقد اجتذبت السكان وحبذت إليهم الاستقرار فيها وممارسة النشاط البشري على أرضها واستغلال طبيعتها في صنع المدنيات وتكوين الحضارات مما نشهده اليوم ونلمس آثاره.

جانب من البيوت المنحوتة في الصخر في الحجر (مدائن صالح) إحدى ضواحي العلا

استقرار بشري عمره أربعة آلاف سنة
يحدثنا التاريخ أن الثموديين وقد خرجوا من جنوب الجزيرة (اليمن)، انتشروا في أنحاء شتى من الجزيرة العربية. والثموديون ينتمون إلى قبيلة ثمود وهي قبيلة عربية كبيرة وبطونها كثيرة… وقد استقر المقام بأحد بطونها في الحجر “مدائن صالح” والعلا.
وقد بلغ “ثمود الحجر” في حياتهم درجة عالية من الازدهار الاقتصادي والاستقرار المعيشي بعيداً عن التأثر بالتقلّبات الاقتصادية والأخطار التي تهدِّد أمن النفوس وطمأنينتها، حتى نجدهم قد عمروا الأرض بالقصور ونحتوا الجبال بيوتاً كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً﴾، (ســورة الأعــراف، الآية 74).

العلا في العصر الجاهلي
بعد خروج الأنباط من العلا، أصبحت ضمن الولايات التابعة للدولة الرومانية في أوائل القرن الثاني الميلادي. وتشحُّ المعلومات التاريخية عنها في تلك الحقبة إلّا من إشارات عابرة نستمدها من المصادر تفيدنا بأن اليهود بعد أن هدم “بختنصر” بيت المقدس وسبى من سبى وأجلى من أجلى، نزلت طائفة منهم بوادي القرى “العلا” واشتغلوا بالزراعة. كما تفيدنا المصادر بقيام مدينة في هذه الفترة في العلا كانت لها شهرة حضارية وأهمية اقتصادية. وهذه المدينة هي “قُرْف”. هذا بالإضافة إلى أن العلا في أواخر العصر الجاهلي ومنذ بداية العهد الإسلامي وحتى نهاية القرن السادس منه أطلق عليها اسم وادي القرى فكان لها علماً وبه تشتهر.

فريق نادي وادي القرى بالعلا في إحدى المباريات التدريبية بملعب النادي

العلا في ظل الإسلام
وتحدثنا المصادر أنه في جمادى الآخرة من السنة السابعة للهجرة قد فتح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وادي القرى “العلا” عنوة. فحين فرغ، صلى الله عليه وسلم، من خيبر توجَّه إلى وادي القرى فدعا أهلها إلى الإسلام فامتنعوا عليه وقاتلوه ففتحها عنوة وأصاب المسلمون منهم أثاثاً ومتاعاً فخمّسه رسول الله وترك النخل والأرض في أيدي اليهود وعاملهم على نحو ما عامل أهل خيبر.
وولّى الرسول، صلى الله عليه وسلم، عليها عمر بن سعيد بن العاص بن أمية، ثم ولّى عليها بعد فتح مكة يزيد بن أبي سفيان.
وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أخرج يهود خيبر وفدك ولم يخـرج أهـل تيمــاء ووادي القرى لأنهما داخلتان في أرض الشام، وليستا من الحجاز.
ويروى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة، حجاز، وأن ما وراء ذلك من الشام. ومن هنا ندرك كــلام المؤرِّخين في تحديدهم لبعض المواقع عندما يقولون: بين المدينة والشام، كوادي القرى مثلاً، يقال بين المدينة والشام.
ومنذ بداية القرن السابع الهجري نجد أن اسم العلا يطغى على أسمائها السابقة ويكثر استعماله في روايات المؤرِّخين والرحَّالة كقول ابن شجاع الحنفي في كتاب ألّفه سنة 623ه حين يصف العلا: “العلا أرض رمل أبيض بين جبلين عاليين… إلخ. وكوصف ابن فضل الله العمري لها في كتابه “مسالك الأبصار” بأنها إحدى مدن الحجاز.
ووصفها ابن بطوطة بقوله “والعلا قرية كبيرة حسنة لها بساتين النخال”.

أربعة أسماء للعلا
وعلى امتداد تاريخها الطويل سُميت العلا بأربعة أسماء، وهي:
ديدان: حيث استوطنها الشعب الديداني وأنشأ فيها مملكته إبان القرن السادس قبل الميلاد، والنسبــة إليها ديداني.
قُرْح: ثم في العصر الجاهلي اشتهرت بقُرْح، حيث أصبحت سوقاً تجارية مهمة من أسواق العرب في الجاهلية، إلّا أن سبب تسميتها بقرح لم يكن واضحاً لعدم ورود ما يشير إلى ذلك في كتب المؤرخين حسب اطلاعي.
وادي القرى: يبدو أنه لما نزل اليهود وادي القرى “العلا” خلال العصر الجاهلي واستخرجوا كظائمها وأساحوا عيونها وغرسوا نخلها ثم نزول القبائل عليهم، كما جاء في معجم ياقوت، كثرت القرى في الوادي فقيل وادي القرى… قال ياقوت: وادي القرى فيه قرى كثيرة وبها سمي وادي القرى. وقال أبو المنذر: سمي وادي القرى لأن الوادي من أوله إلى آخره قرى منظومة… وظل هذا الاسم علماً عليها حتى نهاية القرن السادس الهجري. والنسبة إليه وادي كعمر الوادي.
العُلا: وهو الاسم الذي اشتهرت به منذ بداية القرن السابع الهجري.
أما سبب تسميتها بالعلا ومتى سميت به فيبدو لنا أنها سُميت به منذ القرن الثاني الهجري، ولكن التسمية لم يشع استعمالها إلّا منذ بداية القرن السابع الهجري لسبب من الأسباب.

مكانة العلا الأثرية
العلا تحتضن آثاراً جمَّة وعلى المستوى الممتاز ومن كل العصور: عصر ما قبل الميلاد، وعصر ما بعد الميلاد، والعصر الجاهلي، والعصر الإسلامي، والعصر الحديث (وأقصد به القرنين الماضيين). وآثارها تُعدُّ في القمة وتُعدُّ واجهة الآثار في المملكة العربية السعودية… وهي بذلك يمكن أن يطلق عليها “الوادي الخصيب” على غرار “الهلال الخصيب”. ووادي العلا يضم حضارات شامخة ومدنيات عريقة بدءاً بحضارة الثموديين ذات الشهرة العالمية ثم حضارة الديدانيين فحضارة اللحيانيين فحضارة المعينيين فحضارة الأنباط. وكلها حضارات ماثلة للعيان اليوم ويُشهد لها بالعمق والأصالة. إلى جانب حضارة قُرْح في العصر الجاهلي الممتدة إلى العصر الإسلامي الذي يقول في وصفها المقدسي: “ليس بالحجاز اليوم بلد أجــل وأعمر وآهل وأكثر تجارة وأموالاً وخيرات -بعد مكة – من هذه”.
وفي العصر الإسلامي زخر وادي العلا بمجموعة من الآثار التي يجد فيها المنقب والدارس والباحث مجالاً خصباً: كالمساجد النبوية التي يبلغ تعدادها فيه الستة. إلى جانب قنوات العيون المائية الثرية التي يعود حفرها في جوف الأرض إلى عهـد الثموديين.


مقالات ذات صلة

كان “الشرق” بالنسبة لأوروبا حتى نهاية القرن الثامن عشر هو تلك الرقعة الجغرافية الممتدة جهة الشرق والجنوب ناحية البحر الأبيض المتوسط، أي بلاد العرب والأتراك بشكل رئيس. وتعود هذه الصورة بأصولها إلى الماضي ما قبل الإسلامي عندما نظرت الحضارتان الإغريقية والرومانية إلى بلاد الشام والأناضول ومصر على أنها بلاد الشرق (Oriens). ولكن هذه الصورة لم تكن واضحة تماماً في أذهان المعلقين الكلاسيكيين والبيزنطيين، حيث كانت لمفهوم الشرق معانٍ مختلفة، وكانت حدوده دائمة التغيُّر حول حوض البحر الأبيض المتوسط تبعاً لتغير حدود الإمبراطورية، وانضمام الشعوب الساميّة إلى الحركات الحضارية الفاعلة: الهلينستية، الرومانية، والبيزنطية.

السينما ليست أداة ترفيه فقط وإنما هي مسؤولة عن الحفاظ على ذاكرة شعب جنباً إلى جنب مع الكتاب.فعندما يستعرض كاتب تاريخ أرضه، فإنما يحاول الحفاظ على ذاكرة الأرض وبالتالي على ذاكرة الشعب. وأتت السينما لتوثق ذلك عن طريق الصورة والصوت، وتغرس في كل فلم جزءاً من ذاكرة المكان أو الزمان في سياق السرد العام.
لذا، تنبع أهمية السينما السعودية ليس فقط من مناقشة العادات والتقاليد وتعريف العالم بالمملكة وأهلها، وإنما أيضاً من المحافظة على ذاكرة الشعب السعودي من خلال أفلام اجتماعية أو سياسية أو تراثية أو حتى غنائية أو خيالية.

اللغة العربية لغة عالمية بعدد الناطقين بها، وعدد المحتاجين لها من غير العرب، يتعلَّمُونها لأسباب متعدِّدة كالسياسة، والأمن، والاستثمار في التجارة والاقتصاد، وهذا ما أعطاها مكانة مرموقة ضمن اللغات الرسمية للأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، وتحتل حالياً مرتبة لا بأس بها على محركات البحث العالمية.


0 تعليقات على “مدينةالعلا”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *