مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين

مدن المستقبل بين الخيال العلمي والواقع


مهى قمر الدين

أمام نمو المدن المتسارع أينما كان في العصر الحديث، وأمام بعض المنجزات العمرانية الضخمة، وتطوُّر بعض أوجه التكنولوجيا، لا بد من أن يقفز إلى الذهن التساؤل عما سيكون عليه شكل المدن في العالم خلال العقود المقبلة. المخططون الحضريون يعطون بعض الأجوبة. ولكن هذه الأجوبة لا تذهب في مداها الأقصى إلى ما يتجاوز العقد أو العقدين المقبلين من الزمن، وما هو أبعد من ذلك يبقى متروكاً للخيال العلمي. فكيف يتطلع هذا الخيال إلى المدن المستقبلية؟

“نظرت إلى الشوارع -الأضواء الساطعة والمباني الشاهقة- وهناك تصورت فلم متروبوليس. …بدت المباني وكأنها أشرعة عامودية متلألئة… فكانت معلَّقة في السماء المظلمة لتبهرنا وتشتت أذهاننا وتأسرنا”.
فريتز لانغ

في عصرنا الحالي، باتت غالبية البشرية تسكن في عالم حضري، بعدما انتقلت أعداد كبيرة من سكان الريف لتقطن في المدن. وبمرور الوقت، اكتسبت المدن ميزات تفوق تلك الخاصة بالريف. ففي عام 2008م، تجاوز العالم في توزع سكانه عتبة المناصفة (50-50) في العيش بين المدينة والريف، وذلك وفقاً لإدارة الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية. وبحلول نهاية القرن، من المرجح أن تصبح النسبة العالمية من سكان الأرض تعيش في المناطق الحضرية 4 إلى 1 (أو 75-80 %)، وهذه النسبة هي التي تم الوصول إليها بالفعل في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، وتم تجاوزها في أستراليا. ونظراً لهذه التوقعات، ولأن مستقبلنا سيكون حضرياً بلا ريب، فليس من المستغرب أن يكون أدب الخيال العلمي قد خصص حيزاً كبيراً من الموضوعات التي يتناولها للحديث عن مدن المستقبل، فكانت في أحيان كثيرة جزءاً مهماً من الحبكة، وتميزت بخصائص كانت ضرورية لأحداث القصة وصراعاتها، وفي أحيان أخرى كانت عنصراً تمثيلياً في حد ذاتها، تتفاعل مع العمل وتشكله وتؤطره. ومن هذا المنطلق، ولأكثر من قرن، قدَّمت لنا أفلام الخيال العلمي صوراً لمدننا المستقبلية التي كان بعضها مشرقاً ولامعاً وجذاباً، بينما كان البعض الآخر قاتماً وقذراً ومخيفاً. ولكنها جميعها كانت تجسِّد لمعان الخيال البشري وبريق التكنولوجيا الفائقة في أبهى حلله.

أفكار الخيال العلمي ليست من فراغ
إن نسبة قليلة من أفكار كتّاب الخيال العلمي تنبثق بالكامل من تخيلاتهم الفردية. فهم لا يطوِّرون تاريخ وجغرافيا وبيئات مدنهم الخيالية من فراغ، بل غالباً ما كانت إبداعاتهم تعكس الظروف الحالية أو المتوقعة، وذلك من خلال الدراسات العلمية المنشورة والاتجاهات الثقافية السائدة وأفكار علماء الاجتماع وابتكارات أشهر المصممين والمهندسين.
قد يكون فِلْم الخيال العلمي الصامت “متروبوليس” (Metropolis) للمخرج فريتز لانغ الذي أُنتج في عام 1927م وتدور أحداثه في عام 2000م، قد اشتهر بسبب تخيّل الروبوت “ماريا”. لكن التصميم المذهل للمدينة المستقبلية التي رسمها كان لافتاً بشكل خاص. فالفلم يحتوي على مشاهد لناطحات سحاب حالمة مبنية على أساس أسطورة برج بابل التي تتحدث عن بناء أعلى برج في الوجود للوصول إلى عالم السماوات. ويصور هذا الفلم الطرق السريعة المبنية فقط من أجل راحة المجتمع الراقي بالإضافة إلى مكاتب فائقة الحداثة. ويكشف كل ذلك عن معرفة منتجي الفلم المتعمقة بأحدث التطورات المعمارية في أوروبا. فمن خلال تلك التصاميم، كان بالإمكان استشراف تأثيرات من مختلف الحركات الفنية وأنواع العمارة في جميع أنحاء الفلم، بما فيها تصاميم المدرسة الفنية البَاوهاوس وحتى بعض التأثيرات القوطية المرئية في التصاميم والهندسة المعمارية الرائعة. كما أن الفلم متأثر بمدينة نيويورك وناطحات السحاب المبهرة الموجودة فيها، وذلك وفقاً لمخرجه لانغ الذي قال لدى زيارته للمدينة: “نظرت إلى الشوارع -الأضواء الساطعة والمباني الشاهقة- وهناك تصورت فلم متروبوليس. …بدت المباني وكأنها أشرعة عامودية متلألئة… فكانت معلقة في السماء المظلمة لتبهرنا وتشتت أذهاننا وتأسرنا”. وفي فِلْم “لوغانز ران” Logan’s Run) 1976) للمخرج مايكل أندرسون هناك تأثير واضح لفلسفة المهندس المعماري والمخطط الحضري السويسري، الفرنسي وأحد روَّاد العمارة الحديثة لو كوربوزييه. تدور أحداث هذا الفِلْم في عام 2007م، حيث يصور مدينة يخضع فيها السكان لرقابة صارمة.

إذ تكشف اللقطات الخارجية في بداية الفِلْم وجود مجتمع مغلق ومسيطر عليه داخل هياكل مقببة منفصلاً تماماً عن الطبيعة في الخارج وتذكرنا مدينة “لوغانز ران” بفلسفة لو كوربوزييه وتصميمه لفيلا سافوي الشهيرة ذات الطابع المعماري الحديث عام 1929م في إحدى الضواحي الباريسية. إذ تتكوَّن مباني هذه المدينة المستقبلية المضاءة جيداً من كتل بناء هندسية على شكل أهرامات وأجسام كروية وموشورات، مع نظام للنقل مؤلف من وحدات على شكل فقاعات تنقل الأشخاص داخل أنابيب في متاهات لا متناهية. أما فلم “بليد رنر” (Blade Runner) الذي ظهر في عام 1982م، فيُعدُّ أشهر أفلام الخيال العلمي على الإطلاق. إذ اختير عام 1993م، ليتم حفظه في السجل الوطني للأفلام التابع لمكتبة الكونغرس الأمريكية لكونه “ذا أهمية ثقافية وتاريخية وجمالية”.

“ذا لاين”..
التطوير الحضري الذي كان حلماً

في خطوة كبرى لتجسيد حلمه المستقبلي الجريء، أعلن مؤخراً سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، رئيس مجلس إدارة شركة “نيوم”، عن إطلاق “ذا لاين”، المدينة المليونية البالغ طولها 170 كيلومتراً، والتي سيبدأ العمل على إنشائها في الربع الأول من العام الجاري 2021م.
أما الفكرة الرئيسة وراء هذا المشروع الضخم، فهي أنه حان الوقت لوضع الخط الفاصل، أو بالإنجليزية “ذا لاين”، بين التطوير الحضري الذي يتمحور حول البشر وذلك الذي لطالما تم تصميمه حول الحجر من ناحية أخرى.
فالمشروع هو استجابة مباشرة لبعض التحديات الأكثر إلحاحاً التي تواجه البشرية اليوم، مثل البنى التحتية القديمة والتلوث وحركة المرور الكثيفة والازدحام البشري. فهذه المدينة العتيدة “ذا لاين” هي من دون سيارات ولا طرقات، وتحافظ على 95 في المئة من الطبيعة في منطقة نيوم شمال غربي المملكة. كما أنها مدينة للمشاة بالدرجة الأولى، لأن جميع الخدمات اليومية الأساسية مثل المدارس والعيادات الطبية والمرافق الترفيهية، فضلاً عن المساحات الخضراء تقع على بُعد خمس دقائق سيراً على الأقدام من كل السكان. كما يمكن لهؤلاء أن يقطعوا طول خط المدينة في 20 دقيقة فقط.
وفي إعادة تعريف مفهوم التنقل هذا، يتم منح السكان الفرصة لاستعادة وقتهم وصحتهم ورفاهيتهم. ولعل هذه المدينة الطموحة هي من أهم الخطوات التي انتظرتها البشرية لوضع رفاهيتها في أولوية اهتمامات التصميم الحضري، وفي تسخير الذكاء الاصطناعي الذي كما يقول عنه مطوِّرو المشروع إنه “سيتعلم في “ذا لاين” باستمرار طرقاً تنبؤية لجعل الحياة أسهل”.

قصة هذا الفِلْم مستوحاة من رواية “هل يحلم أشباه الإنسان بخرفان كهربائية؟” للكاتب فيليب كندرد دك. ومما لا شك فيه أن الصور المرئية الموجودة فيه تتميز بقوة لا جدال فيها. لكن رؤيتها للمستقبل الحضري لم تكن جديدة على الإطلاق، بل كان عمرها نصف قرن على الأقل. لأن التصاميم الموجودة في الفِلْم كانت مستمدة من رسومات الرسام المعماري هيو فيريس التي ظهرت في كتابه “حاضرة الغد” الصادر في عام 1929م حيث رسم ناطحات سحاب ذات أبعاد أسطورية تشبه الزقورات القديمة وتكتنفها هالة رومانسية من الظلام، فتعطي إحساساً بأنها بلورات ضخمة انبثقت من الأرض نفسها. كما أن المشاهد الأولية للفِلْم التي تعرض لقطات جوية للمدينة على خلفية اللهب الصناعي والضباب، كانت مستوحاة من طفولة المخرج ريدلي سكوت الذي نشأ في شمال شرق إنجلترا الصناعي.


“الحياة تقلِّد الفن بمراحل أكبر من أن يقلَّد الفن الحياة”.
أوسكار وايلد

مساحات حضرية تأثرت بالخيال العلمي
يقول الكاتب المسرحي البريطاني أوسكار وايلد إن “الحياة تقلَّد الفن بمراحل أكبر من أن يقلِّد الفن الحياة”. وتنطبق هذه المقولة بالفعل على العلاقة بين الخيال العلمي وواقع الحياة. إذ إن الأفكار التي طرحتها قصص وأفلام الخيال العلمي كان لها صدى قوي في كيفية تشكيل مدننا المعاصرة. والأمثلة على ذلك عديدة. فالمهندس المعماري الشهير أدريان سميث، وهو الذي صمم برج خليفة في مدينة دبي، يقول إن مصدر إلهامه لتصميم البرج جاء من مشاهدة فِلْم “ساحر أوز” عندما كان طفلاً، لا سيما مدينة الزمرد الموجودة في مركز أرض أوز ذات الأبراج اللامعة التي تلوح في الأفق فوق سهول مسطحة لا نهاية لها. وهناك مثل آخر يظهر في تصميمات منطقة بودونغ في مدينة شنغهاي التي تضم أعلى ناطحات سحاب في المدينة مثل “برج شنغهاي” و “برج لؤلؤة الشرق”، حيث يوجد إحساس واضح بأجواء فِلْم “بليد رانر” والتصاميم التي تجسد المدينة العمودية. كما أن الإحساس نفسه موجود أيضاً في مدينة ماكاو الصينية التي تتمتع بكل سحر وتألق مدينة لوس أنجلوس التي تم تصويرها في فِلْم ريدلي سكوت.
أما العلاقة بين فِلْم “بليد رانر” والعمارة في الشرق الأوسط فكانت مباشرة بشكل خاص. إذ إن سيد ميد المصمم البصري الذي شكل المساحة الحضرية في فلم “بليد رانر” قام بكثير من الجولات في الشرق الأوسط للتحدث إلى النخبة فيها حول مستقبل العمارة. وكان ميد ممن ألهموا تطوير المدن المستقبلية في بعض أنحاء دول الخليج العربي، حتى إنه عندما زار مدينة دبي لأول مرَّة في عام 2005م، قال إن منطقة الشرق الأوسط كانت مثلاً رائعاً على كيفية ترابط الواقع بالمستقبل.

عندما تُمحى الحدود الفاصلة بين الواقع والخيال
هناك مدن بدأت بالظهور منذ أوائل القرن الحادي والعشرين استطاعت محو الحدود الفاصلة بين الواقع والخيال، ونجحت في تجسيد رؤى الخيال العلمي الخارقة، وحتى تجاوزها في بعض الأحيان في كثير من مميزاتها.

إن كانت هناك مدينة تمزج بين الخيال والحلم مع العلم والواقع وتؤسس لفلسفة خاصة لمدن المستقبل وتحمل معها كثيراً من التفاؤل، فهي مدينة “نيـوم” في المملكة.

فمدينة “ديامنيادو ليك” التي يجري بناؤها في السنغال بتكلفة ملياري دولار تشبه إلى حد بعيد مدينة واكانا في فِلْم “الفهد الأسود”، مع الهندسة المعمارية المميزة والمباني الفولاذية المتلألئة، حتى ليبدو أن المدينتين قفزتا من صفحات نفس الكتاب الفكاهي الذي صنع على أساسه الفِلم والذي يحمل العنوان نفسه. وفي ولاية جوهر الماليزية، هناك مشروع ضخم يمتد على أربع جزر من صنع الإنسان ويتمحور على تخطيط مدني متعدِّد الطبقات وثلاثي الأبعاد. كما أنه يتميّز بالنباتات الخضراء الموزّعة بشكل عمودي على المباني بما يستحضر في الأذهان صورة الغابة الحضرية. وهناك أيضاً مدينة “كونزا تكنو سيتي” التي تمثل حلم كينيا في استحداث وادي سيليكون إفريقي، ومن المفترض أن تمثل مركزاً للصناعات التكنولوجية في شرق إفريقيا، بحيث تضم حديقة للعلوم ومراكز تسوق ومقرات لشركات التعهد الخارجي وفنادق ومدارس دولية. ولكن إن كانت هناك مدينة تمزج بين الخيال والحلم مع العلم والواقع وتؤسس لفلسفة خاصة لمدن المستقبل وتحمل معها كثيراً من التفاؤل، فهي مدينة “نيوم” في المملكة. و “نيوم” هي المدينة الحلم الذي يتألف اسمها من مزيج يجمع بين الثقافة اليونانية القديمةالتي لطالما كانت تحتفي بالذكاء والمعرفة والتطلعات العالمية للعالم العربي الحديث. إذ تندمج البادئة الكلامية اليونانية القديمة “NEO”، التي تعني جديد، والحرف الرابع “M” اختصار للمفردة العربية “مستقبل”. ففي هذه المدينة عديد من العناصر التي رأيناها في أفلام الخيال العلمي مثل سيارات الأجرة الطائرة في فلمي “العنصر الخامس” و “العودة إلى المستقبل 2″ التي تشبه السيارات الطائرة الأيقونية المعروفة بـ”السبينارز” في فلم “بليد رانر”، وعناصر أخرى من أفلام الخيال العلمي مثل الروبوتات المنزلية، وجزيرة الديناصورات الآلية على طراز الحديقة الجوراسية التي ستسمح لزوار المدينة بالاختلاط مع هذه المخلوقات العملاقة المنقرضة، والشواطئ الرملية المضيئة، والسحب الاصطناعية التي تتحدى الطبيعة الصحراوية.
كما أن هناك عناصر تجاوزت في تطلعاتها كل خيال، مثل وجود قمر اصطناعي يضيء السماء كل ليلة. إن قدرة الخيال العلمي على استكشاف مستقبل المدن تبقى مميزة بشكل خاص، لأنها تختلف عن العوالم الخياليـة التي ترسمهـا أفلام الخيال الأخـرى مثل العوالــم السحريـة وغيرها بسبب الاحتمالات الواقعيـة التي تنطوي عليها وتجعلها ممكنة التجسيد عندما تحاكي في تطلعاتها أحلام الحالمين ورؤى المغامرين واكتشافات أهم العلماء.


مقالات ذات صلة

نرى المدينة ونسمع أصواتها، ولكننا قبل كل شيء نشم رائحتها. فللمدن روائح كما يخبرنا محمود درويش عندما يقول “المدن رائحة.. وكل مدينة لا تُعرفُ من رائحتها لا يُعوَّل على ذكراها”. فروائح المدن تضفي عليها شخصيتها المميزة وتحمل معها قصصاً عن شوارعها وأزقتها ومبانيها وبيوتها لتحدثنا عن ثقافتها وتاريخها وجوانب مختلفة من حركتها التجارية. حتى إن الفيلسوف الألماني جيرنو بوهمي يرى أن “المدينة من دون رائحة هي كالإنسان بدون شخصية”.

من حيث تعريفها، تتعلق التكنولوجيا البيئية ببساطة بتطبيق التكنولوجيا في إدارة النظم البيئية بكفاءة من خلال فهم الأعمال الأساسية للأنظمة البيئية الطبيعية وضمان تأمين الاحتياجات البشرية مع الحد الأدنى من الأضرار البيئية. وتُستخدم التكنولوجيا البيئية على نطاق واسع في البيئات المختلفة، ومن مجالاتها: نظم إدارة النفايات والتخلص منها، محطات معالجة الصرف الصحي المتقدِّمة، المباني الموفرة للطاقة (السكنية والصناعية)، حلول تحويل النفايات إلى طاقة، والمزارع العمودية. 

كأنَّ البشر استفاقوا فجأة واكتشفوا أن لهم أجساماً تستحق كل العناية والاهتمام، وأن يحافظوا على شبابها وقوتها، ويحموها من الترهل وهم شباب علها تبقى هكذا إلى الأبد. لا شك في أن الحفاظ على الجسم شاباً ومحاولة تخليده حُلم قديم، رافق البشر منذ فجر الحضارات. فكان جلجامش، بطل الأسطورة السومرية، أول من بحث عن أكسير الحياة. كما حنّط الفراعنة أجسامهم ليحفظوا وعاء الروح وأدواتها إلى أن يعود إلى الحياة ذات يوم. أما الحضارة الهندية فكانت تعتقد بالتقمص، أي إن الأرواح تغيِّر أوعيتها إلى ما لا نهاية.


0 تعليقات على “مدن المستقبل بين الخيال العلمي والواقع”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *