مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر – ديسمبر | 2018

“رسام الضوء”..
محمد قدورة


فريق القافلة

ولد الفنان التشكيلي اللبناني “محمد قدورة” عام 1941م، في منطقة “المرسى الصغير” أو “عين المريسة”، التي سميت كذلك نسبة إلى ينبوع ماء عذب كان يجري عند الشاطئ ويصب في البحر، حيثُ ترسو مراكب الصيادين المتأهبة دوماً للإبحار والغنيمة من خيرات البحر المتوسط.

في هذه المنطقة الجميلة من بيروت أي “عين المريسة”، نشأ قدورة، وترعرع على ربى تلتها المرتفعة قليلاً والمطلة على بحر بيروت، حيث تتناثر عليها بعض البيوت القرميدية ذات الطراز المتوسطي الذي راج في مطلع القرن العشرين، فيما تخترقها طرقات ضيقة تفصل بين بيوتها وتضفي على المكان كثيراً من الدفء والحميمية بين سكانها.
لقد جعل قدورة من مسقط رأسه نموذجاً لقضية جمالية وانتمائية حقيقية، بعدما أنسن خصائص البيت اللبناني، ليغدو رمزاً جمالياً لتكوين معماري طالما ميّز النسيج المديني لواجهة بيروت البحرية. ولهذا تنقل أعماله الواقع بأسلوب مطمئن. ولكن المهم في ذلك أن المكان لم يحوّله إلى رسَّامٍ عادي يختبر الألوان بل إن ما فعلتْه عين المريسة بابنِها، الذي ربّته على الأبيضِ النقي والأزرق المخبأ في جرار البحر، أعمق من ذلك بكثير.
إنها طبعت كثيراً من ذكريات طفولته، وعكست بكل تفاصيلها شغف ريشته في تجسيد حرارة الألوان وســطوع الضوء في تكويناتها، وألهمت ريشــته في مجمل لوحاته، فكانت مصدر لقب “رسَّام الضوء” الذي عرف به.
من كل ذلك تحقق النجاح لقدورة في أن يلتقط في لوحاته إيقاع الأمكنة في هذه المنطقة، من البيوت المغطاة بالقرميد الأحمر ونوافذها المزينة بالزهور وشطآنها الحافلة بمراكب الصيَّادين الراسية والمتحركة، إضافة إلى مدى الكورنيش الذي يحدّها لجهة البحر، فكانت في أغلبها بمثابة قصائد حُب في أعماله.
كثيراً ما شُبِّهت عين المريسة بقرية غرينويتش، وهي ضاحية من ضواحي مانهاتن في مدينة نيويورك الأمريكية، معروفة بكونها ملاذاً للفنَّانين وحيّاً بوهيمياً صغيراً في المدينة على غرار حي مونمارتر الشهير في باريس. فعلى مر السنين، اختار عدد من الكُتَّاب والفنَّانين العيش في عين المريسة، في تلك البيوت القديمة مفضِّلين نكهتها اللبنانية الأصيلة ومناخ البحر والصيد والصيَّادين ورائحة البحر على المناطق الأخرى من بيروت التي سيطر عليها الطراز الغربي الحديث.
ولعل أبرز ما ترسَّخ في ذاكرة الفنان وانعكس في لوحاته هو البحر بأمواجه العاتية وسيمفونية أصواته وألوانه المتدرِّجة في زرقتها خلال اعتكاره وهدوئه وصفائه، بصيفه وخريفه وشتائه. فظهر هذا البحر في لوحات قدورة بتشكيلات مختلفة تربط المدى مع الشاطئ وما يخفى بينهما من أسرار. حتى ليمكننا القول إن بصره تشبَّع من بحر عين المريسة منذ البداية، فأصبح مائياً بالولادة والإقامة والفن أيضاً، فاشتهر برسوماته المائية التي غلبت عليها المساحة البيضاء في صفاء يصل فيها المنظر الطبيعي إلى توازنه، وأصبح البياض عنده لغة جمالية وأسلوباً فريداً في محاكاة المنظر المائي، بعيداً عن تقاليد المنظر الانطباعي في التشكيل اللبناني. وهكذا أعطى قدورة نفسه هوية ثانية، حاكى فيها عملية المحو المتعمدة لبعض أشكال الواقع، ورسم فيها مفهوماً جديداً لعلاقة الفراغ باللون والضوء بكل ظلاله.

لوحة مائية لمنظر العمارة في عين المريسة كما تبدو من البحر

بهذه الروحية، أقام معرضاً أطلق عليه اسم “وداعاً عين المريسة” في عام 1973م، التقط في لوحاته بعضاً من بيوت وشرفات ونوافذ وقرميد، زال بعضها وهُجر بعضها الآخر. وهكذا استطاع في معرض “لبنان ضيعتي” في عام 1977م أن يجعل من مسقط رأسه، نموذجاً لقضية جمالية وانتمائية بامتياز.
ومؤخراً عندما اختارت الفنانة بريجيت شحادة أحد بيوت عين المريسة لتحوِّله إلى معرض فني دائم يحمل اسم “غاليري مركز الفنون”، لم يكن هناك من خيار أفضل من اختيار الفنَّان محمد قدورة لتفتتح معرضها بنحو 35 لوحة من لوحاته، عُلّقت على جدران ذلك البيت القديم، وهي تبعث في أرجاء غرفه الواسعة كثيراً من بريق ذكرياته، وتحاكي المكان، وتعكس روح المغامرة والجرأة نفسها التي أبدتها صاحبة المكان، في اختيارها لهذا البيـت اللبناني العتيق في ذلك الحي القديم لتحوِّله إلى بيت من بيوت الفن الحديث.
وهكذا، يبقى فنه شاهداً على ما كانت عليه المنطقة التي قضت سنوات الحرب الأهلية على كثير من المعالم العمرانية التقليدية فيها. وحتى منذ ما قبل ذلك بكثير، أدَّى النمو السكاني في العاصمة اللبنانية إلى استبدال البيوت القديمة بأبنية سكنية حديثة. وعندما شعر قدورة بالخطر من جرّاء هذه التحوُّلات التي راحت تهدّد عراقة ذلك الحي المطبوع في قلبه، عبّر عن حنين عارم إلى منطقة أحبها بكل جوارحه، فقال: “لو أن عين المريسة تعود مثلما كانت، ولو أن الزمن يعود إلى الوراء لأعطيت كل ما لدي”.


مقالات ذات صلة

ثمــة أفـلام في السينمـا السعوديــة الحديثــــة لا يمكن تجاهلها، رغم ما قد يشوبها من تحفظات على السيناريو أو مآخذ على اللغة السينمائية أحياناً، وإن كان يصعب الحكم عليها بمقاييس سينمائية خالصة كتلك التي نحكم بها على أي فلم عالمي، أو أي فلم عربي من دولة لها تاريخ في صناعة السينما. إذ يصعب أن نطبِّق على الأفلام السعودية القصيرة، وحتى الطويل القليل منها، أياً من تلك المقاييس من دون الالتفات إلى الظروف التي أحاطت بإنتاجها.

بيوت الفنَّانين هي مداخل لفهم علاقاتهم بالأمكنة وخياراتهم الفنّية، ومعايير التذوّق والتلقّي التي سادت في عصرهم. هنا في بيت رامبرانت في أمستردام، مسقط رأسه، تلتقي تشكيلات المجتمع وطبقاته. البنّي هو سيّد الألوان التي تمتزج بشجاعة، وتجتذب الدفء والضوء في هولندا المنخفضة، حيث يتناغم كل شيء مع الأوراق المتساقطة على أرصفة المدينة بحزنٍ رومانسي.

لو قدِّر لك أن تسأل المتذوقين من الجماهير المحبَّة للبيان والأدب، شعره ونثره، وهم يطربون لإلقاء شاعر يعزف حروفه لحوناً شجيَّة، أو خطيب مفوّهٍ يلقي شظايا كلماته، ليلهب قلوب مستمعيه: ما الذي يجعل المبدع بليغاً؟ وما البلاغة؟


0 تعليقات على “محمد قدورة”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *