مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين

محمد الخالدي

للجبال كلمة


لطالما جذبتني الهالة الغامضة، تلك التي لا تتحيَّن فرصةً للظهور ولا ترد علينا التحايا ونحن نلقيها بحرارةٍ وإعجابٍ شديدين. الهالة تُحيط بشخصٍ لم يصادف الموتَ وعاش حياةً كاملةً وعظيمةً إلى حدٍّ بعيد، وقد تحيط ببناءٍ فشل الوقتُ في إحداثِ ضررٍ يتجاوزُ شروخاً سطحيةً وشيئاً من الرجفة المصاحبةِ للريح. هذه القصيدة على مفترق الطرق من الوحدة. للجبالِ كلمة.

ثقةُ الحجارةِ بالجبالِ
بأنها صوتٌ يُحرِّرُها من السجنِ السحيقِ لوطأةِ الإنسانِ
تعبدُ فكّها العملاقَ، قاهرَ جوقةِ الزلزالِ بالصمتِ الحكيمِ المُتَّئدْ
“يا ليتني جبلٌ”، تقولُ حصاةْ
“حتّى أوشوشَ للغيومِ عن التوقُّفِ ساعةً
لأخيفَها، ويكونَ حبٌ أو غضبْ
يا ليتني جبلٌ لتبتكرَ الشفاهْ
أنشودةَ الرعدِ البطيئةَ
وهْيَ – في إثري – ستبتكرُ المياهْ”
*
جدٌّ تُقيّدُهُ الخُرافَةُ
ضاعَ آباءٌ بظرفٍ غامضٍ
تتساءلُ النُّطَفُ الشَّريدةُ
تشرئبُّ إلى العظيمِ
ذوتْ محاجِرُها، تشكّلتِ الكهوفُ
تأوّدتْ خوفًا من المجهولِ
والسفحُ اعترافٌ هائلٌ بالقشعريرةِ
والندى عَرَقٌ يسيلُ على الصلابةِ
لا سؤالَ
علائمُ استفهامِها ملحٌ تعرّجَ هابطًا
*
جبال:

خُلِقنا فُرادى
نلثمُ البدرَ وحدَنا
ونَعوي على خدّيهِ
نحن ذئابُ

إذا ربّتتْ وَطفاءُ فوق رؤوسِنا
نقولُ: “خذينا، فالجبالُ ضبابُ”

خُلقنا وقوفًا
غير أن جلوسنا مُخيِّلةٌ
والحلمُ فيه صِحابُ

تسامرتِ الأغرابُ عند سفوحِنا
عرفناهُمُ بالنارِ وهْي خِطابُ

فهل تتساوى قبضةٌ من حميمِهِمْ
وقبضتُنا في الجوفِ وهْوَ يُذابُ؟

أضاعَ لنا جيلٌ من الصخرِ صوتَنا
عزاءاتُنا في الريحِ
أنتِ ربابُ

ولكنّنا قومٌ جلامِدُ
صاخبٌ توجُّعُنا
والصامتونَ سَرابُ

دعونا نزمجرْ
فالبراكينُ إرثُنا
هي الرحِمُ المهجورُ
حان إيابُ
*
صفعتْ حصاةٌ أختَها
كي تستفيقَ من الطفولةِ
“يصمتُ الجبلُ العظيمُ تألُّهًا
فدعي الخوارقَ للقصيدةِ واخرسي”
*
جبلٌ ويُفتأدُ
جبلٌ ويتّقدُ
“والعزفُ مُنفَرِدُ”

أبوظبي
12 إبريل 2020

كادر:

الشاعر
• محمد أحمد الخالدي، شاعر إماراتي من الفجيرة، مواليد عام 1991م.
• حاصل على شهادة البكالوريوس في الطب والجراحة من جامعة الإمارات العربية المتحدة، عام 2015م.
• طبيب مقيم في تخصص الطب النفسي، ومهتم بطب النفس الجنائي.
• يكتب الشعر منذ عقد من الزمان.
• له مجموعة شعرية بعنوان “تحديق”، صدرت عن دار الرافدين، بيروت، 2019م.


مقالات ذات صلة

كان “الشرق” بالنسبة لأوروبا حتى نهاية القرن الثامن عشر هو تلك الرقعة الجغرافية الممتدة جهة الشرق والجنوب ناحية البحر الأبيض المتوسط، أي بلاد العرب والأتراك بشكل رئيس. وتعود هذه الصورة بأصولها إلى الماضي ما قبل الإسلامي عندما نظرت الحضارتان الإغريقية والرومانية إلى بلاد الشام والأناضول ومصر على أنها بلاد الشرق (Oriens). ولكن هذه الصورة لم تكن واضحة تماماً في أذهان المعلقين الكلاسيكيين والبيزنطيين، حيث كانت لمفهوم الشرق معانٍ مختلفة، وكانت حدوده دائمة التغيُّر حول حوض البحر الأبيض المتوسط تبعاً لتغير حدود الإمبراطورية، وانضمام الشعوب الساميّة إلى الحركات الحضارية الفاعلة: الهلينستية، الرومانية، والبيزنطية.

السينما ليست أداة ترفيه فقط وإنما هي مسؤولة عن الحفاظ على ذاكرة شعب جنباً إلى جنب مع الكتاب.فعندما يستعرض كاتب تاريخ أرضه، فإنما يحاول الحفاظ على ذاكرة الأرض وبالتالي على ذاكرة الشعب. وأتت السينما لتوثق ذلك عن طريق الصورة والصوت، وتغرس في كل فلم جزءاً من ذاكرة المكان أو الزمان في سياق السرد العام.
لذا، تنبع أهمية السينما السعودية ليس فقط من مناقشة العادات والتقاليد وتعريف العالم بالمملكة وأهلها، وإنما أيضاً من المحافظة على ذاكرة الشعب السعودي من خلال أفلام اجتماعية أو سياسية أو تراثية أو حتى غنائية أو خيالية.

اللغة العربية لغة عالمية بعدد الناطقين بها، وعدد المحتاجين لها من غير العرب، يتعلَّمُونها لأسباب متعدِّدة كالسياسة، والأمن، والاستثمار في التجارة والاقتصاد، وهذا ما أعطاها مكانة مرموقة ضمن اللغات الرسمية للأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، وتحتل حالياً مرتبة لا بأس بها على محركات البحث العالمية.


0 تعليقات على “محمد الخالدي”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *