مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مارس - أبريل | 2020

ماذا لو لبسنا عباءة الإخفاء؟


د. مرام عبدالرحمن مكاوي

لا تخلو ذكريات طفولة أحدنا من لعبة الغُميضة! تلك اللعبة التي تعتمد على مهارة اللاعب في القدرة على التخفي في أماكن لا يراها أو يتوقَّعها أقرانه. ويا له من شعور لذيذ ذلك الذي ينتابنا حينما يعجز الآخرون عن تخمين مكاننا، خاصة إذا كان ذلك المكان واضحاً وقريباً بحيث يغدو مستبعداً، فلا متعة تعادل آنذاك متعتنا ونحن نراقبهم وهم لا يدرون!
ثم كبرنا وأدركنا أن هناك مواقف كثيرة نتمنى فيها لو نختفي عن أنظار من حولنا ولو لبرهة قصيرة: عندما نشاهد فجأة شخصاً كنا نتحاشاه لأي سبب كان، أو حين نرتكب خطأً ما، أو نتعرَّض لموقف محرج (يا ليت الأرض انشقت وابتلعتني!). أو حتى حينما نرغب في أن نُترك وشأننا وحسب، للراحة أو لإنجاز مهمة دون تعطيل. أو قد نرغب بالتجسس على أحدهم لسبب جوهري بالنسبة لنا: الأزواج أحدهما على الآخر، الوالدان على الأبناء، أو رب العمل على الموظفين أو المستخدمين. باختصار هناك حالات، قد نرغب فيها بشدة في أن تتوفَّر لدينا هذه التقنية، سواء بشكل دائم أو مؤقَّت.
والأخبار الجديدة المُفرحة؟ العلم يقول إن ذلك ممكن. فقد حصلت شركة التمويه الكندية (Hyperstealth Biotechnology) على براءة اختراع للتكنولوجيا القادرة على جعل الضوء ينحني، بحيث تجعل الناس والكائنات غير مرئية للعين المجرَّدة، واخترعت ما يعرف بعباءة التخفي (invisibility cloak) التي لا تزال في مرحلة التجريب والتطوير، ويتوقَّع أن تخدم هذه التقنية بعض القطاعات تحديــداً مثل القطـاع العسكـري، كحمايــة الجنود في ساحات المعركة من استهدافهم بقنابـل العدو أو رصاصة.
وطالما أن الأمر بات ممكناً من الناحية العلمية، فعلينا أن نعيد التفكير في مدى سعادتنا بتحقيق أحلامنا وأمنياتنا السابقة. فالواقع يفرض شروطه التي من بينها الإيجابيات التي ذكرناها، ماذا عن السلبيات؟ ماذا لو استخدمت هذه التقنية من قِبَل أشخاص سيئين؟ أو طُورت لأغراض غير أخلاقية؟
ما فائدة كاميرات المراقبة إذا عجزت عن اكتشاف اللص أو المتسلل أو المتحرش أو من ارتكب جريمة ما؟ ماذا لو ظن أحدهم بأنه في مكان لا يراه فيه أحد فتصرف على سجيته، وإذا بأحدهم يستمتع بمشاهدته من خلف حجاب، بل ويلتقط له صورة وفيديو أيضاً؟ هل يمكن أن يؤدي ذلك إلى تفاقم جرائم الابتزاز؟
في المجتمعات المحافظة، حيث توجد بعض الاجتماعات أو المناسبات التي تقتصر بشكل صارم على جنس دون آخر، هل يمكن أن تتخفى امرأة في مجلس الرجال وتكتب تقريراً مفصلاً عن أحاديث تعدُّد الزوجات أو جَمَال الممثلات وترسل نسخه منه لزوجة كل من الحاضرين؟ أو يتسلل رجل إلى زواج نسائي ويمد عينيه، حيث لا ينبغي له أن ينظر؟
هل حجب الأشياء أو الأشخاص يحمينا أو يعرّضنا إلى مشكلات أكبر؟ هل هو أكثر ضرراً منه نفعاً؟
هل يستخدم البشر في يومنا هذا المعرفة والتقدُّم التقني لتقديم حلول لمشكلات مجتمعية أم أنهم يخلقون مزيداً من المشكلات الأخلاقية؟ وهل يواكب صُنَّاع القرار هذه القفزات العلمية والتكنولوجية الهائلة، بحيث يعملون على ألا تتحوَّل النار من التدفئة إلى أداة لإشعال الحرائق المميتة؟
أسئلة مفتوحة تحتاج إلى أجوبة، لكن هناك حقيقة ثابتة يدركها كل من يؤمن بوجود الخالق، الذي يرانا ولا نراه، بأن الإنسان قد يستخفي من الناس، لكنه لن يستخفي من الله، فلا تفعل في السر ما يخجلك في العلن، ولا تتجسَّس على الناس؛ لأن مَنْ يُبح انتهاك خصوصية غيره فهو يعطي الضوء الأخضر لانتهاء خصوصيته هو أيضاً.
شخصياً، أريد فقط عباءة واحدة من هذه العباءات السحرية، حتى أضعها حينما أرغب بالاستمتاع بالقراءة أو مشاهدة مسلسلي المفضَّل على “نتفليكس”، فلا يراني ابني الصغير ويباغتني بطلباته التي لا تصبح عاجلة ولا طارئة إلا حينما أقرِّر أن أستمتع أو أرتاح!


مقالات ذات صلة

في الحركة الرابعة من سيمفونيته التاسعة، يبدأ بيتهوفن بلحن مميَّز يُعزف خافتاً في البداية، ثم يتصاعد بإيقاع منتظم نبدأ تدريجياً بإدراك جماله ورفعة سنائه مع تكرار اللحن، قبل أن يُفجره بيتهوفن بتناغم يضعه في مرتبة استثنائية في تاريخ الموسيقى. هذا الجَمَال الفائق في لحن “أنشودة الفرح” وغيره من الألحان الموسيقية العظيمة يعود إلى ما يُسمى في الموسيقى “التناغم” وفي الميادين الأخرى التآلف أو التناظر. فالتناغم أو التناظر موجود في كل مكان من حولنا، في الورود وأغصان الشجر وأصداف البحر وبلورات الثلج، وفي وجه الإنسان كما في الكواكب والنجوم ومساراتها.. إنه في كل مكان من حولنا.

تهاجر كل عام مرتين مليارات الطيور مجتازةً مسافات شاسعة، لتبني أعشاشها في مناخ أدفأ. وهي تطير فوق المحيطات والصحارى، في ظروف مناخيّة شديدة القسوة، لتصل بالتحديد إلى الأماكن التي كانت فيها في رحلات سابقة. وفي أجواء المملكة وحدها، يهاجر كل عام نحو 500 مليون طائر، تنتمي إلى أكثر من 500 نوع. 

تتجه بعض الشركات الفضائية ضمن خططها المستقبلية نحو الاستثمار في تنظيم رحلات إلى الفضاء الخارجي بتكلفة منخفضة. ولكن السفر إلى الفضاء ينطوي على مخاطر صحية جسيمة نظراً لانعدام الجاذبية الأرضية، مثل اضطرابات التوازن، وضمور العضلات وأهمها عضلة القلب، وهذه التأثيرات الفسيولوجية السلبية تمثِّل واحداً من أبرز التحديات في السياحة الفضائية، بعدما كانت ولا تزال من التحديات التي يواجهها روَّاد الفضاء المحترفون خلال إقاماتهم الطويلة في الفضاء الخارجي.


رد واحد على “ماذا لو لبسنا عباءة الإخفاء؟”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *