مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو – يونيو | 2020

كيف يعمل الدماغ للشعور بالشبع


د. وسيم الدبس

أحياناً، نشعر بالامتلاء بعد وجبة، لكن شهيتنا تدفعنا إلى مزيد من تناول الطعام، خاصة إذا كان على المائدة ما لذَّ وطاب. فهل هناك تضارب في إشارات الدماغ بما يتعلَّق بأحاسيس الشهية والشبع، وكيف يعمل الدماغ في هذه الحالة؟
رغم التقدُّم الكبير في أبحاث الدماغ والهرمونات التي تتحكم بهذه الأحاسيس خلال السنوات السابقة، إلا أننا لم نشهد استراتيجيات فعَّالة لمكافحة مرض السُّمنة. إذ تضاعف عدد الذين يعانون من هذا المرض بين عامي 1980-2008م على الصعيد العالمي. وكان تأثيره على الصحة عميقاً، نظراً لأن السُّمنة سبب رئيس لمعظم الأمراض غير المعدية مثل أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان وأمراض الجهـاز التنفسـي المزمنة والسكر.
إن العقبة الرئيسة في عدم التوصُّل إلى مقاربات ناجحة لمكافحة السُّمنة كانت في عدم معرفتنا الدقيقة بكيفية عمل الدماغ والجهاز العصبي للشعور بالشبع.
وللإجابة عن هذا السؤال، أجرت مجموعة كبيرة من الباحثين من عدّة جامعات ومراكز أبحاث أوروبية من فرنسا واللوكسمبورغ، أبحاثاً واسعة على الفئران وأدمغتها، تضمَّنت سلسلة من التفاعلات الناتجة عن ارتفاع مستويات الجلوكوز في الدم. ونشروا نتائج دراستهم مؤخراً في مجلة “سيل ريسرش” في 3 مارس 2020م.
وتبيّن للباحثين أن الدوائر العصبية في دماغنا، التي تتحكم بالشعور بالشبع، تعدل في روابطها، وبالتالي تؤثر على التوازن بين تناول الطعام وإنفاق السعرات الحرارية.
كما أظهرت الاختبارات التي أجريت على الفئران أن هذه الدوائر يتم تنشيطها في النطاق الزمني للوجبة فقط، وبالتالي تنظم سلوك الأكل ضمن هذا النطاق. ومع ذلك، لا يحدث هذا التنشيط من خلال تغيير في روابط الدائرة.
ركَّز العلماء على الخلايا العصبية في سلسلة الأحماض الأمينية التي تسمى (POMC) في منطقة ما تحت المهاد (hypothalamus)، الموجودة في قاعدة الدماغ السفلية، والمعروفة بوظيفة الحد من تناول الطعام. والتي ترتبط أيضاً بعدد كبير من الخلايا العصبية في أجزاء أخرى من الدماغ بواسطة روابط هذه الدائرة القابلة للتغير، إذ يمكن تشغيلها وإيقافها بسرعة كبيرة بناءً على التقلبات الهرمونية. ولاحظ الباحثون أن هذه الدائرة العصبية لا يتم تعديلها بعد تناول وجبة متوازنة، ولكن الخلايا العصبية الأخرى المرتبطة بالخلايا العصبية (POMC)، والمعروفة باسم الخلايا النجمية، هي ما يتغير شكلها.
هذه الخلايا التي هي على شكل نجمة تمَّت دراستها هنا لأول مرَّة من أجل دورها في ما يتعلق بالخلايا العصبية: ففي ظل الظروف المعتادة، تتصرف هذه الخلايا النجمية مثل “فرامل”، وتحد من نشاط خلايا (POMC) العصبية. وبعد تناول الوجبة، تزداد مستويات الجلوكوز في الدم (الجلوكيميا) مؤقتاً، حيث تكتشف الخلايا النجمية هذه الإشارة وتنكمش: بمجرد تشغيل هذا “الفرامل”، يتـم تنشيط الخلايا العصبية (POMC)، مما يعزّز الشعور بالشبع.

الخلايا العصبية POMC (النقاط البرتقالية) في منطقة ما تحت المهاد لدماغ الفأر. صورة مأخوذة باستخدام مجهر متحد البؤر
Danaé Nuzzaci / CNRS / CSGA ©

مقالات ذات صلة

يزداد الطلب على الغذاء والإنتاج الزراعي نتيجة التزايد السكاني، بينما تتقلَّص مساحات الأراضي الصالحة للزراعة وكميات المياه المتوفِّرة، نتيجة ظاهرة التصحر والجفاف. فيتم اللجوء إلى اقتطاع مساحات من الغابات لزراعتها، مما يفاقم سلبيات التغيُّر المناخي. إزاء هذا المأزق الخطير، كان لا بد للعلماء من التفكير في مستقبل الزراعة، والسعي جدياً في تكييفها مع التغيرات المناخية […]

غالباً ما يتحدَّث علماء النفس عن صفات وسمات الشخصية، ولكن ما هي الصفات والسمات وكيف تتشكَّل؟ هل هي نِتاج الجينات الوراثية أم التنشئة والبيئة المحيطة؟ فلو افترضنا أن الصفات والسمات هي نتيجة الجينات الوراثية، فإن شخصياتنا ستتشكَّل في وقت مبكِّر من حياتنا وسيكون من الصعب تغييرها لاحقاً. أما إذا كانت نتيجة التنشئة والبيئة المحيطة فستلعب […]

يتزايد الطلب على المعادن باستمرار نتيجة النمو الاقتصادي والعمراني والتزايد السكاني، لكونها عنصراً رئيساً في التقنيات والصناعات الحديثة. لكن أوجه نشاط التعدين المستخدمة حالياً ذات آثار سلبية على البيئة وصحة الإنسان ووجوده. فهل سيتمكَّن العلماء في المستقبل من اكتشاف تقنية مبتكرة لاستخدام البيولوجيا التركيبية وهندسة النباتات وتحفيزها بحيث تصبح قادرة على إنتاج المعادن بشكل مستدام؟ […]


0 تعليقات على “كيف يعمل الدماغ للشعور بالشبع”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *