مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين

كتب


كتب عربية

الأميال الحجرية
تأليف: د. عبدالله القاضي
الناشر: المؤلف، 2020م

يُعدُّ كتاب الأميال الحجرية خلاصة عمل علمي وميداني طويل للدكتور عبدالله حسين القاضي، الذي أمضى نحو عشرين عاماً من العمل على اكتشاف 55 ميلاً حجرياً من الأميال التي كانت توضع على الطريق قديماً لإرشاد المسافرين. وتركَّز عمل القاضي على المنطقة الواقعة ما بين مكة المكرمة والمدينة المنورة.
يعود تاريخ الأميال الحجرية إلى ما قبل الإسلام. ويقول الدكتور القاضي إن هناك سبعة طرق رئيسة إلى مكة عبر الجزيرة العربية وهي: طريق الحج (الشامي، المصري، الكوفي، البصري، وثلاثة طرق تنسب إلى اليمن وهي: الأعلى، الوسط والساحلي)، وقد اكتشف في رحلته بعض تلك الطرق ولكن ما زال الكثير لم يُكتشف بعد.
تمّ إطلاق هذا الكتاب في مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) في شهر يناير الماضي. حيث قال القاضي في كلمة له إنه شُغف بالبحث عن الأميال وتتبعها ودراسة طرق استخدامها عربياً وعالمياً، وإنه قرأ معظم الكتب التي كتبت عن الأميال على مستوى العالم، ومن أشهر تلك الكتب ما وضعه المؤرِّخ أبو أسحاق الحربي الذي كتب عن طرق الحج في القرن الثاني للهجرة.
وأفاد القاضي أنه قارن ما بين الأميال التي تمكّن من معرفتها، والأميال الموجودة في بريطانيا، وإنه كان يرسم توقعاته من خلال عمله المكتبي ثم ينتقل إلى منطقة العمل الميداني، فيجدها متطابقة مع التوقعات. إذ لم يتجاوز الفرق بين الواقع والخرائط التي رسمها 30 سم. وأكد أنه طوّر منهجيته في العمل خلال العشرين سنة الماضية، مستفيداً من كافة التطبيقات والتقنيات العالمية الحديثة في قياس المسافات.
وفي تناوله بعض الأميال، يقول القاضي إن السيول التي حصلت في المملكة عام 2018م، أسهمت في الكشف عن الميل الحادي والخمسين وعن عدد آخر من الأميال.
يذكر أن الدكتور عبدالله القاضي استعان بما جاء في النصوص التاريخية، وكتب السيرة التي تناولت المسافات واستطاع من خلالها الكشف عن الطريق التجاري الذي كان يربط ما بين المدينة ومكة.
صدر الكتاب باللغتين العربية والإنجليزية معززاً بالصور الحية التي تم توثيقها أثناء العمل الميداني لاكتشاف هذه الأميال الحجرية، كما سبق للدكتور القاضي أن قدَّم سلسلة محاضرات محلياً وفي الخارج حول استخدامه منهجية الميل الحجري في الاكتشافات الأثرية.

الشيخ والتنوير
تأليف: د. نادر كاظم
الناشر: مركز الشيخ إبراهيم للثقافة والبحوث في البحرين، بالتعاون مع دار السؤال، 2021م

يعرض الدكتور نادر كاظم في كتابه هذا لثلاثة شيوخ كانوا بالفعل من روَّاد التنوير (بالمعنى الكانطي) في البحرين، وهم:
• الشيخ إبراهيم بن محمّد الخليفة، الذي يمثّل الضوء الأول في تاريخ التنوير إذ عرفت عنه مطالبته الدائمة بمجاراة روح العصر والانفتاح على العالم، وشغفه الكبير بالكتب والمجلات العصرية التي ما كانت تصل آنذاك إلى أحد في البحرين سواه، إضافة إلى قيامه بتأسيس المنتدى الأول في البحرين، ألا وهو منتدى الشيخ إبراهيم الثقافي، والمكتبة الحديثة الأولى، ووكالة استيراد الكتب الأولى، ومدرسة التعليم العصري الوطنيّة الأولى (مدرسة الهداية الخليفية).
• ناصر الخيري، المعروف بشيخ المؤرِّخين البحرينيين، والذي كان أحد أبرز مرتادي منتدى الشيخ إبراهيم، فاتخذ معنى التنوير عنده أبعاد أعمق وأوسع. فيقول عنه كاظم إنه كان “من أكثر المثقفين البحرينيين جرأةً وتحرراً فكريّاً خلال النصف الأول من القرن العشرين”.
• الشيخ الأزهري محمّد صالح خنجي، الذي كان مقرّباً من الشيخ إبراهيم، وزميل ناصر الخيري في نادي “إقبال أوال الليلي” وهو أول نادٍ ثقافي افتتح عام 1913م في البحرين. ويصفه كاظم بأنه “صاحب أول وأجرأ محاولة في تأصيل التسامح دينياً. وعلى الرغم من صعوبة التحقق من اطّلاعه على “رسالة في التّسامح” لجون لوك، و”العقل في حدود مجرد العقل”، لإمانويل كانط، فإن فحص محاضرته الوحيدة التي وصلتنا من بين المحاضرات التي ألقاها في نادي “إقبال أوال الليلي”، يثبت مدى التقارب الكبير بين هذه المحاضرة ورسالتي لوك وكانط”.
ويضيف نادر كاظم بأنه “قبل سنوات طويلة من ظهور أبرز أطروحات – القراءات الحداثيّة – للنّص الدّينيّ (عبدالكريم سروش، وفضل الرّحمن مالك، وعبدالمجيد الشّرفي، ونصر حامد أبو زيد، ومحمّد أركون، وآخرين)، كان هذا الشّيخ الأزهريّ قد توصّل إلى أهميّة الحاجة إلى تقديم قراءة -حداثيّة – تقوم على التّمييز بين ما هو جوهريّ في الدّين (الإيمان والفضيلة)، وما هو تاريخيّ في الشّريعة والتّنظيمات البشريّة المعنيّة بحفظ المصالح ودفع المفاسد الدّنيويّة، فالأوّل هو جوهر الدّين، وهو واحد في كلّ الأديان، فيما الثّاني تنظيم بشريّ، ويتغيّر بتغيّر الأوضاع والظّروف والمعطيات”. وحول أهمية الكتاب والإضافة التي جاء بها، يقول نادر كاظم إنه “لم ينتبه أحد إلى خطورة هذه الأفكار وقتها. حتّى إن كثيراً من الحاضرين الذين استمعوا لمحاضرة الشيخ محمد صالح في “نادي إقبال أوال الليلي” في عام 1913 لم يفهموا كثيراً مما جاء فيها. وهذا طبع الأفكار العظيمة التي تسبق عصرها. لكنها فرصتنا الآن لا لفهم هذا الأفكار واستيعابها جيّداً فحسب.. بل للاعتراف بحجم مديونيّتنا تجاههم، وأن الوقت والمال والتعب والعذابات المضنية ومشاعر اليأس والإحباط التي كانت تأكل في أرواحهم، هي الثمن الذي كان لا بد من أن يتحمل جيل ما تقديمه من أجل تمهيد الطريق، أمامنا وأمام أجيال متعاقبة من قبلنا ومن بعدنا”.

أمكنة تلوح للغريب
تأليف: باسم فرات
الناشر: خطوط وظلال – الأردن، 2021م

باسم فرات شاعر ومصوِّر عراقي، هاجر إلى نيوزلندا في تسعينيات القرن الماضي، حمله الشغف بالسفر إلى الترحال بين دول العالم، وأقام في أماكن مختلفة لسنوات قليلة.
في هذا الكتاب، يأخذ فرات بيد القارئ في رحلة تبدأ من الأردن، وتمتد إلى أقاصي المعمورة.. من اليابان “حيث هيروشيما بأنهارها الستة، إلى جمهورية لاوس الديمقراطية الشعبية، وكذلك إلى أقصى الغرب، حيث عوالم غابات الأمازون وسلاسل جبال الأنديز والتعرف عن كثب على عوالم أمريكا اللاتينية”.
وفي مقدِّمته للكتاب يقول فرات “يُثيرني المجهول وليس المعلوم، وتثيرني الهوامش والأطراف، وليس المراكز، لا تثيرني المدن والمناطق التي أقام فيها أو زارها آلاف الشعراء والأدباء والكُتّاب والصحافيين والفنانين، وسعيد أنني ربما أكون ثاني شاعر عراقي وعربي أقام في العاصمة النيوزيلندية وَلِنْـغْـتُن فلم يسبقني سوى الشاعر العراقي صباح خطاب وهو شاعر مقل ومبتعد عن الأضواء تماماً”.
وعن مدينة الأنهار الستة هيروشيما يقول باسم فرات في كتابه: “كم يعزّ عليَّ وداعك، أيَّتها المدينة المملوءة بالشعر والحزن والأسى والأمل، ستة وتسعون وألف يوم تنعمتُ فيك بلذائذ العيش، وطابت لي النفس، ففي أنهاركِ غسلت هموماً وذكريات..هذه أيامي الأخيرة في هيروشيما، عليَّ أن أستمتع بكل لحظة هنا، فالشعور بالفقد بدأ يتغلغل في روحي، وبدأت أشعر بأنني سأفقد طلتي اليومية من شقتي على نهر تَنْما أو تينما النهر الواقع في غرب هيروشيما، أعني غرب حديقة السلام، يوميّاً أراقب مَدَّهُ وجَزره، وعلى ضفته المحاذية مارستُ شغفي بالحياة”.
ويضيف حول اليابان قائلاً: “كانت جولة مذهلة على درَّاجة هوائية، وكان رفيقي هو إحساسي بأن لي في كل زاوية من هيروشيما دهشة وفرحاً، ثَمَّة علاقة محبة وألفة ودهشة جمعتني بهذه المدينة منذ أول لحظة وصولي، في بادئ الأمر عزوت الأمر إلى أن اليابان أول بلد أختاره بمحض إرادتي”.
فاز باسم فرات على كتاباته في أدب الرحلات بجوائز عديدة، أبرزها جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب في عام 2019م. وسبق له أن أصدر كتاباً عن تجربة تقديم طلب اللجوء إلى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في عَمّان، ووصوله إلى “نيوزيلندا” ورحلاته في أغلب مدنها وبلداتها وأريافها. وكتاباً آخر عن تجربته في جنوب شرق آسيا وعنونه “طواف بوذا”. ثم كان كتابه ما قبل الأخير عن رواندا وأوغندا بعنوان “لؤلؤة واحدة وألف تل”.

مدن مستقبلية، العمارة والمُخيِّلة
تأليف: بول دوبراشتيك
ترجمة: تحسين الخطيب
الناشر: مشروع كلمة، 2020م

يقارن مؤلف هذا الكتاب الباحث البريطاني بول دوبراشتيك بين ما هو واقعي وما هو مُتخيَّل في التفكير بالمستقبل في مجال العمارة وتصميم المدن. ويوضح أنه على خلاف الاتجاه السائد في التفكير المستقبلي الخاص بهذا الموضوع الذي يتسم بالطابع العلمي، يستند هو في دراسته إلى نمط آخر من التنبؤ القائم على العِلم أيضاً، لكن الذي يتأسس في الوقت نفسه على الفنون والأدب والسينما وحتى على ألعاب الفيديو.
يشدِّد المؤلف على ضرورة الاهتمام عند التفكير بمستقبل المدن وتخطيطها وتصميمها بالتنبؤات الأكثر موضوعية النابعة من المخيَّلة الإبداعية بالدرجة نفسها التي يوليها المتخصِّصون المعماريون للبيانات التجريبية. فيكتب: “المدن، على الدوام، مزيج من المادة والعقل، إنها أماكن تمتد فيها جذورنا عميقاً جسدياً ونفسياً على حد سواء”، ويتساءل: “ألا يتوجب علينا، بدل فصل المُخيِّلة عن العقل، أن نسعى إلى استكشاف الكيفية التي يتداخلان بها ويتشابكان؟”. ويأتي الكتاب في مجمله كإجابة عن هذا التساؤل، فهو يسعى، كما تشير مقدِّمته، إلى الجمع بين الرؤى المتعلقة بالمدن المستقبلية منذ القرن التاسع عشر حتى الزمن الراهن بكل أشكالها الكثيرة والمتعدِّدة، وتأصيل وجود هذه المدن المتخيلة في الممارسة المعمارية.
ويلفت الكاتب الانتباه إلى صعوبة التعاطي مع كافة التصورات السائدة وكذلك المتخيَّلة عن المدينة، لأن تجارب البشر الحقيقية عنها متداخلة بشبكات من الاستعارات الناجمة عن مجموعة كاملة من مصادر مختلفة ومتباينة، فالمدن، حسبه، هي “أماكن فوضوية حافلة بامتزاج مخيلات فردية كثيرة جداً، تمارس أدوارها في عقول جميع قاطني المدينة، وفي تجاربهم الشخصية أيضاً”. ويعترف بأن كتابه لا يمكن أن يطمح إلى الإحاطة بالمدى الكامل لهذه المدن المتخيلة التي لا تحصى، لكنه يحاول الربط بين هذه الصور الغزيرة في نسق معين يبرز أهمية دور المخيلة في “اختبار العوالم المستقبلية البديلة بصورة مسبقة”.
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام رئيسة. يتناول القسم الأول مفهوم المدن غير المستقرة، وهي المدن المغمورة بالماء والعائمة فوقه والطافية فوق الهواء. أما المدن العمودية ويقصد بها ناطحات السحاب والمدن المشيدة تحت سطح الأرض. بينما يناقش القسم الأخير منه ما سمَّاه المؤلف “المدن المدمَّرة” التي قد يضربها الخراب بشكل أو بآخر، والتي تخلف أطلالاً تنتج عن عمليات التوسع العمراني المستمرة والكوارث الطبيعية، أو بسبب ظواهر القصور الحراري حين تنزع مواد وعناصر المدن في التحلل بمرور الزمن أو بسبب الكوارث التي يتسبب فيها الإنسان نفسه كشن الحروب أو غير ذلك.


كتب عالمية

إمبراطورية الاكتئاب: تاريخ جديد
The Empire of Depression: A New
History by Jonathan Sadowsky
تأليف: جوناثان سادوسكي
الناشر: Polity, 2020

بصفته أستاذاً متخصِّصاً في تاريخ الطب، يستكشف جوناثان سادوسكي في هذا الكتاب الحالة الإنسانية التي كانت تُعرف سابقاً بـ”السوداوية”، وباتت تسمى الآن “الاكتئاب”.
يحقِّق سادوسكي في عديد من الأسئلة العميقة حول الاكتئاب بدءاً من التعريفات والتشخيص، فيطرح في بداية الكتاب سؤالين اثنين: أولاً، متى يصبح الحزن، الذي هو جزء من الحالة الإنسانية، مرضاً مزمناً وربما قاتلاً؟ وثانياً، هل حوّل الطب الحديث السلوك الطبيعي للحزن إلى حالة طبية وأسهم في جعله مصدر دخل لعمالقة شركات الأدوية من خلال تشخيصات تحدِّدها شركات التأمين؟
يقول سادوسكي إن الإجابات عن السؤال الأول متباينة. أما بالنسبة للسؤال الثاني، فهي لا ونعم في الوقت نفسه. ولكنه يؤكد أن الحدود بين المرض والاستجابة العاطفية الطبيعية غير واضحة المعالم، وأن الاكتئاب، عند تشخيصه بدقة، لا يعد أبداً مجرد “مرض عقلي” بل هو دائماً مرض جسدي أيضاً، وأنه مهما كان الجانب الذي يؤخذ في النقاش بين الأسباب النفسية مقابل البيولوجية للاكتئاب، فإن معالجته يجب أن تكون دائماً في سياق اجتماعي.
وفي استكشافه لتاريخ الاكتئاب، يقول سادوسكي إنه في منتصف القرن العشرين، حتى مع انهيار الإمبراطوريات الأوروبية، انتشرت نماذج إكلينيكية غربية جديدة وعلاجات للصحة العقلية في جميع أنحاء العالم. وبذلك، بدأ مفهوم “الاكتئاب” كمرض محدَّد في إزاحة الأفكار القديمة. ويروي سادوسكي القصة العالمية للاكتئاب ويؤرخ للأعمال الرائدة للأطباء النفسيين والصيادلة، وينقل نماذج عن المعاناة المفصلة لبعض المرضى. كما يكشف عن استمرارية مشاعر “الضيق” لدى البشر عبر الزمان والمكان. ويوضح كيف عانى الناس في ثقافات مختلفة من الألم النفسي الشديد، وكيف حاولوا تخفيفه بطرق مختلفة. وقد توصل إلى نتيجة ثابتة تقول إن الآثار المدمِّرة للاكتئاب حقيقية، وإن هناك عدداً من العلاجات التي تخفف من المعاناة، لكن العلاج الدائم يبقى بعيد المنال. ويقول سادوسكي إنه على مدار التاريخ البشري، كان هناك مروِّجون متحمسون لأساليب معيَّنة لمعاجة الاكتئاب، لكن التاريخ يوضح أنه لا توجد طريقة واحدة للعلاج تناسب الجميع. ويتساءل في الختام عما فقدناه نتيجة هيمنة النموذج الإكلينيكي الغربي، وكيف يمكننا استعادة الأهمية لتجربة المريض في مواجهة آراء الأطباء وشركات الأدوية المعادية أحياناً.

قصص من عالم النمل
Tales from the Ant World by Edward Wilson
تأليف: إدوارد ويلسون
الناشر: Liveright, 2020

في هذا الكتاب، يقول الأستاذ بجامعة هارفارد إدوارد ويلسون المعروف بأبي النمل في العالم بسبب شغفه الكبير بهذه الحشرات، إن: “النمل هو أكثر الحيوانات ميلاً للقتال، مع وجوده في مستعمرات مواجهة لمستعمرات أخرى ودخوله في معارك ضارية تجعل معركتي واترلو وغيتيسبيرغ تبدوان ثانويتين بالنسبة للمعارك التي يخوضها”. ويأخذنا المؤلف إلى وجهات بعيدة مثل موزمبيق وغينيا الجديدة، وخليج المكسيك، وحتى الفناء الخلفي لمنزل ذويه، لينقل إلينا كل المعلومات والمعرفة التي جمعها عن عالم النمل على مدى عدَّة عقود من الزمان.
تتداخل ملاحظاته العلمية مع قصص شخصية يركِّز فيها ويلسون على خمسة وعشرين نوعاً من النمل، ليشرح لنا كيف تتحدث هذه المخلوقات المتفوقة وراثياً وتشم وتتذوق، والأهم من ذلك، كيف تقاتل لتحديد من هو المسيطر. يؤكد ويلسون أن ذكور النمل عديمة الفائدة إلا في عملية التكاثر، إذ إنّ الإناث تقوم بكل الأعمال وكل المهمات المطلوبة في خدمة المستعمرة. وفي هذا الإطار يقول إنه: “في حين أن البشر يرسلون الشباب للقتال في المعارك، يرسل النمل سيداته المسنّات”. أما صغار النمل فيعملون في وظائف آمنة مثل خدمة الملكة. ومن ثم يخبرنا كيف أنه في عام 1958م، بصفته عضواً في هيئة التدريس في جامعة هارفارد، شرع في “تعلم لغة الفرمونات” للنمل الناري. ومن ثم يطلعنا على أغرب أنواع النمل في العالم، مثل نمل “ماتابيلي” النادر الذي يُعدُّ أعنف أنواع النمل في إفريقيا، ويمكنه أن يحمل في فكه خمس عشرة نملة من النمل الأبيض عند اصطيادها. أما أبطأ النمل في العالم فهو نوع يسمى “باسيسيروس” موجود في كوستاريكا، والأشرس والأخطر “نمل الثور” الموجود في كاليدونيا الجديدة، وهو النمل الذي اكتشفه ويلسون في عام 2011م بعد أكثر من عشرين عاماً من الانقراض المفترض.
يقول ويلسون إننا إذا قمنا بوزن كل نمل العالم، فإن مجموع وزنه سيبلغ مجموع وزن البشر جميعاً. ومن هنا نستطيع القول إننا نعيش على كوكب النمل. كما أن المؤلف يحض على إطعام مجموعات النمل التي قد تدخل إلى مطابخ بيوتنا، وعلى مراقبتها “لأننا عندها سنكتشف كثيراً عن العالم الاجتماعي للحشرات وربما عن أنفسنا أيضاً”.

تاريخ عالمي للآثار: من الأصول إلى التنوير
Une histoire universelle des ruines. Des origines aux Lumières by Alain Schnapp
تأليف: آلان شناب
الناشر: Le Seuil, 2020

كما أنه لا يوجد أشخاص من دون ذكريات، لا توجد مجتمعات من دون آثار تبقى شاهدة على حضارتها التاريخية. وهذا الكتاب يهدف إلى توضيح العلاقة الوثيقة التي تربط بين الحضارات المختلفة وآثارها القديمة.
كانت حضارة مصر القديمة تخلد ذكرى ملوكها وحكامها من خلال إقامة النصب التذكارية العملاقة والنقوش المحفورة بدقة، بينما آثرت شعوب بلاد ما بين النهرين القديمة الاعتراف بقوة الزمن الذي قد يؤدِّي إلى تآكل آثارها والنيل من قصورها التي كانت مبنية من الطين، ولذلك عمد أهلها إلى دفن نقوشهم ومخلفاتهم الثمينة تحت الأرض. وكان الصينيون في العصور القديمة والوسطى يلجأون إلى النقش على الحجر والبرونز وعلى قطع وأوانٍ أصبحت فيما بعد لا تقدّر بثمن من قِبَل تجار التحف من أجل تكريم وإدامة ذكرى رجالهم العظام. أما اليابانيون فكانت لهم طريقة أخرى بحيث كانوا يدمرون مزاراتهم ومعابدهم التي كانت تحتوي على أباطرتهم “المؤلهين” ومن ثم يقومون بإعادة بنائها كل 20 عاماً كجزء من إيمانهم بموت وتجديد الطبيعة وعدم ثبات الأشياء، وأيضاً كوسيلة لتمرير تقنيات البناء من جيل إلى آخر. وفي أماكن أخرى من العالم، في الحضارة السلتية وفي الدول الإسكندنافية، كما في الحضارة العربية، كان الشعراء والقصاصون هم المسؤولون عن حفظ الذاكرة التاريخية.
كان الإغريق والرومان يعدون الآثار شرّاً لا بدّ منه، ولكن كان يجب الاطلاع على أسرارها لتفسيرها من أجل التعلم منها. وفي العصور الوسطى، كانت النظرة إلى كل مخلفات التراث القديم تتميز بإعجاب متداخل مع شعور بالنفور. حتى كان عصر النهضة الذي احترم الآثار القديمة، واعتبرها نموذجاً قيماً يجب الاحتذاء به ومحاولة تقديم ما يمكن أن يتفوق عليه. وأخيراً، وفي عصر التنوير، تأسس وعي عالمي بأهمية الآثار كقيمة عالمية، وتحوُّل إلى ما بات يعرف اليوم بـ”ثقافة حديثة للآثار” لا تزال سائدة حتى يومنا هذا.

الفشل في التغيير الفوري: لماذا لا تستطيع التكنولوجيا وحدها تحويل التعليم
Failure to Disrupt: Why Technology Alone Can’t Transform Education by Justin Reich
تأليف: جاستين رايخ
الناشر: Harvard University Press, 2020

خلال السنوات الماضية، أُطلقت تجارب كثيرة في مجال التكنولوجيا التعليمية التي غالباً ما كانت تتم بدفع من روَّاد الأعمال في وادي السيليكون ويتم اختبارها في أهم الجامعات كما في المدارس الابتدائية في أفقر الأحياء. ومن هذا المنطلق أعلنت صحيفة “نيويورك تايمز” في عام 2012م أن ذلك العام كان عامMOOC “الموك” (Massive Open Online Courses) أو المقررات الإلكترونية المفتوحة الواسعة الانتشار عبر الإنترنت. ولكن بعد أقل من عقد من الزمان، يبدو، حسب مؤلف هذا الكتاب جاستن رايخ الرائد في مجال التكنولوجيا التعليمية، أن هذا الإعلان كان سابقاً لأوانه.
يتفحص المؤلف في هذا الكتاب أحدث التقنيات التعليمية التي يُفترض أنها تحوّل التعليم بشكل جذري. ويأخذ القرَّاء في جولة على الطرق الجديدة المتبعة مثل الموك والمصحح الآلي وتطبيق المعلِّم الذكي وغيرها من التقنيات التعليمية التي تسببت مشكلاتها ومفارقاتها في إرباك المعلمين. فغالباً ما توفر تقنيات التعليم الحديثة -حتى تلك التي يمكن الوصول إليها مجاناً- أكبر فائدة للطلاب الأثرياء، ولا تقدِّم شيئاً يذكر لمكافحة التفاوت المتزايد في التعليم. ومن جهة أخرى غالباً ما يفضل المستثمرون والمؤسسات اعتماد التقنيات التي تسرّع عملية التعليم ولكن على حساب القدرات الإبداعية. وقد اتضح أن التكنولوجيا لا يمكنها بمفردها تغيير التعليم أو توفير طرق مختصرة لتجاوز الطريق الصعب للتغيير الشامل في النظام التعليمي.
يستنتج المؤلف أن التكنولوجيا ذات دور حاسم تلعبه في مستقبل التعليم، لكننا ما زلنا بحاجة إلى أدوات تعليمية جديدة. كما أننا ما زلنا بحاجة إلى تقنيات تثبت نجاحها على المدى الطويل في التجارب الصفية. إذ إن جهود الإصلاح الناجحة يجب أن تركِّز على التحسينات التدريجية، وليس على تطبيق خارق يكون هو الحل في إحداث تغيير جذري وفوري.


مقارنة بين كتابين

العمل ووظيفته الاجتماعية

قرن الشعور بالوحدة: الالتقاء معاً في عالم يتفكك
تأليف: نورينا هيرتز
الناشر: Sceptre, 2020
The Lonely Century: Coming Together in a World that’s Pulling Apart by Noreena Hertz

العمل: تاريخ كيفية قضاء وقتنا
تأليف: جيمس سوزمان
الناشر: Bloomsbury Circus, 2020
Work: A History of How We Spend Our Time, by James Suzman

تقول الخبيرة الاقتصادية نورينا هيرتز في كتابها “قرن الشعور بالوحدة” إن “فيروس كورونا تسبَّب في ركود اجتماعي من خلال تأثيره على طريقة التواصل وجهاً لوجه”، ولكن هذا الاتجاه كان سائداً قبل وقت طويل من ظهور هذا الفيروس.
فمع ظهور النيوليبيرالية قبل حوالي 40 عاماً، بات هناك إصرار على أولوية الاقتصادات على المجتمعات وأولوية الحريات الفردية والتجارية على المصلحة المجتمعية، وساد التهميش على مختلف المستويات. فازداد إحساس الناس بالانفصال اقتصادياً واجتماعياً، وبدأوا يشعرون بالوحدة. ومما زاد الأمر سوءاً أنه على مدار العقد الماضي، أضافت الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي طبقة جديدة كاملة من العزلة عندما أصبح لدينا فجأة، حسب هيرتز: “أجهزة تصرف انتباهنا باستمرار عن التعامل وجهاً لوجه والتواجد مع من حولنا”.
يغطي الكتاب نطاقاً واسعاً من جوانب الشعور بالوحدة. وتعرض هيرتز أمثلة عديدة، منها أصحاب الدخل المحدود الذين يقطنون في مبانٍ سكنية يضطرون فيها إلى استخدام مدخل –يُعرف باسم “الباب الفقير” – يكون منفصلاً عن مدخل جيرانهم الأغنى منهم، والأشخاص المسنّين الذين يرغبون في الجلوس في الأمكنة العامة، إلا أن مدينتهم قد صنّعت مقاعد عامة خرسانية مصممة لجعل البقاء عليها غير مريح، وهؤلاء الذين يطلبون كل احتياجاتهم ويقومون بمختلف معاملاتهم عبر الإنترنت وبذلك يتجنبون التفاعلات البشرية.
وتضيف هيرتز أن الأتمتة والتقدُّم التكنولوجي، بالإضافة إلى القيم الاجتماعية الأخرى، عززا العزلة والقلق في مجال العمل. فالموظفون في المعامل الكبرى أصبحوا تحت أنظمة المراقبة طوال النهار وهذا ما يخيفهم من التوبيخ حتى من محادثة ودية مع زملائهم. كما أن المكاتب المفتوحة التي، بدلاً من تعزيز الروابط بين الموظفين، تؤدِّي إلى التباعد بينهم، وذلك عندما يعمد العاملون فيها إلى تجنب الضوضاء والتشتت في العمل، فهذا القلق وهذه العزلة أسهما في القضاء على الوظيفة الاجتماعية للعمل الذي يلبِّي حاجة نفسية واجتماعية بالإضافة إلى الحاجة المادية.
وهذه الوظيفة الاجتماعية للعمل هي ما يتناوله أيضاً كتاب “العمل: تاريخ كيفية قضاء وقتنا” لعالِم الأنثروبولوجيا جيمس سوزمان الذي يستكشف تاريخ البشرية على مدى 300 ألف عام من منظور مفهوم العمل.
يعود الباحث في هذا الكتاب إلى عدد من المجموعات العرقية والثقافات القديمة التي كانت تكتفي بتأمين غذائها واحتياجاتها الضرورية. كما أنها لم تكن تتنازع على الموارد الطبيعية الشحيحة. بل كانت تعمل لفترات محدودة فقط، ويُترك لأفرادها متسع من الوقت للتفاعل في ما بينهم والترفيه عن أنفسهم. ويتساءل المؤلف: كيف أصبح العمل في وقتنا الحاضر هو المبدأ التنظيمي المركزي لمجتمعاتنا؟ وكيف أدَّى إلى تغيير أجسادنا وبيئاتنا وآرائنا حول المساواة وإحساسنا بالوقت؟ ولماذا، في زمن الوفرة المادية، أصبحنا نعمل أكثر من أي وقت مضى؟ وكيف أنه مع دخول الأتمتة بشكل واسع، التي من المفترض أن تؤدِّي بنا إلى العمل لساعات أقل، أصبحنا نعمل لساعات أطول؟ ويقول إننا فقدنا مع الوقت الإحساس بما هو مهم فعلاً لرفاهيتنا، وبتنا نعمل إلى ما لا نهاية، ونعمد إلى شراء مزيد من الأشياء التي نراكمها من دون حاجة إليها في كثير من الأحيان وأسقطنا معنا كوكب الأرض في حالة طوارئ مناخية.
يرى المؤلفان أنه خلال أوقات الإغلاق الحالية بسبب جائحة الكورونا، كنا أمام فرصة مثالية لإعادة تقييم ممارسات العمل الحالية، لعلنا نسترجع وظيفته الاجتماعية الفعلية ونتمكَّن من التغلب على الوحدة التي باتت تُعدُّ آفة الآفات في القرن الحادي والعشرين.


مقالات ذات صلة

واحدة من أعرق المهارات الإنسانية وواحدة من أعمدة الحضارات لأكثر من خمسة آلاف سنة، باتت مهدّدة. أو لنقل إن الاعتماد عليها من بين وسائط الكتابة، وكذلك الاهتمام بتنمية هذه المهارة يشهدان تراجعاً كبيراً مثيراً للقلق على مصيرها.

بعدما سبق للقافلة أن تناولت موضوع التعليم العام عن بُعد عندما كان لا يزال في مهده، تعود بعد مرور أكثر من سنة على انطلاقة هذه التجربة تحت ضغط جائحة الكورونا، لتستطلع الخلاصات التي استنتجها بعض المعنيين مباشرة بالتعليم الجامعي عن بُعد، وما طرأ من جديد على رأيهم به.

كتب عربية تدوين المجون في التراث العربيتأليف: عبدالله بن سليم الرشيدالناشر: دار كنوز المعرفة العلمية، 2021م يمثِّل هذا الكتاب، الذي جاء في 750 صفحة، خلاصة دراسة عميقة عكف عليها عبدالله الرشيد لفترة طويلة، وحاول من خلالها الذهاب إلى فكرة التدوين في التراث العربي. فيقول إنه لم يعبأ بمجون الأدباء، ولم يكن يفتش عن اتجاه الشاعر […]


0 تعليقات على “كتب”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *