مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين

كتب


كتب عربية

رسمُ العدَم
تأليف: أشرف فقيه
الناشر: تكوين في الكويت، 2020م

عن منشورات “تكوين” الكويتية صدرت رواية “رسمُ العدَم” للكاتب السعودي أشرف فقيه، وهي قصة عالِم الرياضيات الإيطالي ليوناردو فيبوناتشي مع الصفر والأرقام العربية، ورحلته بين الشرق والغرب. وتدور أحداثها ما بين نهاية القرن الثاني عشر الميلادي ومنتصف القرن الثالث عشر.
وفي محاولة لبناء الشخصية الرئيسة في رواية “رسمُ العدَم”، يقول فقيه الذي عُرف عنه اهتمامه بالكتابة العلمية: “أعتقد أني انشغلت هنا برسم “الآخر” من منظور شرقي. لنتذكر أن أحداث الرواية تتزامن مع البدايات الأولى لانزياح سحابة التفوّق الحضاري من جنوب المتوسط إلى شماله، أي من الشرق إلى الغرب بكلام آخر. وحصل ذلك في خضم تعايش قسري فرضته صراعات متزامنة مثل الحملات الصليبية وحروب الاسترداد في الأندلس وطرد العرب من صقلية. فما شكلُ ذلك الآخر؛ الأوروبي المسيحي مقابل كل تلك التحديات التي يواجهه بها غريمه الشرقي؟ كيف نظر إلى نفسه في مرآة المقارنة؟ وكيف واجه تلك النقلة المفاهيمية التي فرضها عليه إدراكه لمدى تخلفه أمام خصمه، ووعيه بالفرصة التي يتيحها له القدَر ليخلف هذا الغريم على قمة سلم الحضارة؟ ما معنى ذلك الصراع في زمن كان العربي بلغته وموروثه وديانته هو العدو وهو الشريك في مشروع الحضارة؟ تلك الشخصية الموتورة هي التي حاولت تصويرها في “رسم العدم”.
وحول علاقته بالرواية التاريخية، يقول فقيه: “كتبتُ “رسم العدم” لأني أردت أن أقدِّم فصلاً من تاريخ حضارتنا العربية، أو من تاريخ الظل الذي ألقت به على أجزاء أخرى من العالم. وعلاقة التاريخ بالحاضر أُشبهها بالسرداب المتشعب أسفل البيت القائم. لا تدري أين سيلقي بك تيهك في تلك الأنفاق! سرداب الصفر أخرجني إلى بيزا القرن الثالث عشر. لكن المدخل كان شخصية البطل: ليوناردو فيبوناتشي، الذي جعلَتهُ مدينة بجاية الجزائرية عربياً قدر ما هو أوروبي. أما البطل الثاني: الصفر، فهو هنا أيضاً عربي بامتياز. هكذا نجد أن الهويات والحدود تتماهى كلما أوغلنا في سراديب التاريخ. وتتماهى أكثر كلما أوغلنا في تأريخ العلوم وأصول الأفكار. وتلك هي روعة السردية التاريخية التي لأجلها اخترت كتابة هذه الرواية. 
تقع هذه الرواية في 268 صفحة موزعة على 15 فصلاً. ويغلب فيها الحوار على السرد والوصف. ولمدن بيزا وبجاية وإشبيلية وعكا ودمشق والقدس حضورها القوي في هذا العمل الذي برع فيه المؤلف في وصف تفاصيل مشاعر الشخصيات وردود أفعالهم. كما استطاع كذلك أنسنة الشخصية الرئيسة في العمل (فيبوناتشي) وتأرجحها بين حضارتي الشرق والغرب، مبيناً طبيعة الفروقات بينهما.


الذكاء الاصطناعي ورهانات الاتّصال والتّنمية في الوطن العربيّ
تحرير: مي العبدالله وآخرون
الناشر: الرابطة العربية للبحث العلمي وعلوم الاتصال، النسخة الإلكترونية، 2020م

يضم هذا الكتاب مجموعة من البحوث والدراسات لعدد من الأكاديميين والخبراء في مجالي الاتصال والإعلام في الوطن العربي، عُرضت ضمن أعمال “الملتقى الدولي السادس للرابطة العربية للبحث العلمي وعلوم الاتصال”، ودار موضوعها حول الذكاء الاصطناعي ورِهانات الاتصال والتنمية في الوطن العربي.
وتوزع مضمون الكتاب، الذي سعى إلى تأصيل مفهوم الذكاء الاصطناعي على المستوى النظري ورصد تطبيقاته في الواقع العملي وعلاقته بالتوجهات التنموية في العالم العربي على خمسة محاور، هي:

  • استخدامات تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الدول العربية وأنماطها والتحديات التي تواجه عمليات تبنيها.
  • تحديات الذكاء الاصطناعي في مجال الفن والإبداع وكيف أثرت أنظمته على سيادة أنواع من الإبداع تسوق لـ”وهم وموت الواقع”، كما يتجلَّى ذلك في أفلام الخيال العلمي.
  • رصد تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال العلوم ورهانات البحث العلمي في علوم الإعلام والاتصال في ظل التطور المستمر في هذا الميدان.
  • تجليات الذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث العلمي ودوره في تطوير المهارات التربوية. كما يقف على التطورات الناشئة في مجال العلاقات العامة المعاصرة في ظل الثورات الرقمية المتلاحقة.
  • كيفية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في التنمية المحلية وما يرتبط بذلك من ضرورة مواجهة ظاهرة الإدمان الإلكتروني التي يمكن أن تشكِّل عقبة حقيقية لأي تطور تنموي منشود في العالم العربي.
    ومن خلال المشاركات البحثية التي يضمها هذا الكتاب يقف القارئ على تعريفات أساسية ترتبط بمفهوم الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في مجال العلوم الإدراكية والمعرفية ودوره في خلق الواقع الافتراضي الذي يحاكي بيئات واقعية حقيقية ثم تأثيراته كذلك في إيجاد مفهوم “الواقع المُعَزَّز” الذي يعمل على دمج عناصر افتراضية ثلاثية الأبعاد وعناصر تنتمي للعالم الفعلي وهو التوجه الذي ظهرت تجلياته كما تشير دراسة د. مصطفى متبولي من الجامعة اللبنانية في المجال الإعلامي.   
    وتشير الإسهامات التي يضمها الكتاب إلى مجموعة من تحديات التنمية المستدامة التي ترتبط بالتعامل مع ثورات الذكاء الاصطناعي في العالم العربي، ومنها دراسة الباحثة الجزائرية نوال رضا في التحديات التنموية الخاصة باستخدامات الذكاء الاصطناعي في الدول العربية. وثمَّة دراسات أخرى في الكتاب تشير إلى مخاطر تطبيق الذكاء الاِصطناعي على التنمية، ومنها احتمال إعطاء أجهزته استنتاجات خاطئة بسبب تزويدها بمعلومات كاذبة، إضافة إلى إمكانية اختراق نظمه للبيانات الخاصة بالموارد الطبيعية المتنوعة، وكذلك التهديد المستمر بشن هجمات سيبرانية على أهداف محددة والنيل منها، وهو ما يشكِّل تحدياً قوياً لأمن وسلامة الأفراد والمؤسسات بل والمجتمع ككل.


اكتساب اللغة، نظريات ودراسات في اللغة والعقل واللغويات
تأليف: د. موسى الأحمري
الناشر: الدار العربية للعلوم، 2020م

ما هي اللغة؟ وكيف تتطور؟ وماذا يعني اكتساب اللغة؟ وكيف تُكتسب ولماذا؟ وما هي النظريات العلمية التي تفسر عملية اكتسابها؟ مجموعة من الأسئلة الأساسية التي يطرحها الدكتور موسى الأحمري في هذا الكتاب، ويجيب عنها بالتفصيل في سبعة فصول متكاملة تستهدف القارئ العادي غير المتخصِّص. 
يقدِّم الكاتب تعريفاً مبسَّطاً للغة يتعامل معها باعتبارها نظاماً تواصلياً يستخدم ضمن سياق اجتماعي محدَّد. ويعتمد هذا التعريف على ثلاثة مفاهيم، هي: أن اللغة منظومة ذات أجزاء وكيانات متعدِّدة تعمل في انسجام ووفق قوانين محدَّدة، وأن اللغة تواصلية، فهي تصل الإنسان بغيره للتعبير عن أفكاره ومشاعره، وأن اللغة، أخيراً، تعمل في سياق اجتماعي وثقافي محدَّد يؤثِّر في القدرة على إمكانية استخدامها بكفاءة وفعالية كما يؤثر في طريقة التعامل والتفاعل معها.
ويشير المؤلف إلى المميزات اللغوية الخاصة بلغة البشر التي يكون بوسعهم اكتسابها خلال فترة الطفولة، أو تعلُّمها عبر مراحل عمرية مختلفة تجعل منها “نظاماً فريداً من نوعه لا يوجد له مثيل”. ومنها قدرتها الإنتاجية وتعني أن اللغة باستطاعتها إنتاج وإعادة إنتاج الإشارات والمعاني والأشكال من خلال التغيير في تراكيب الكلمات والجُمَل ومن خلال الإضافة والحذف، ومنها كذلك قدرتها على الإزاحة، أي الإشارة إلى الأشياء غير الموجودة مادياً في حيز المكان والزمان. فالإنسان “يستطيع من خلال اللغة التعبير عن أشياء ليست بالضرورة موجوده أمامه مباشرة، كما أنه يستطيع من خلال اللغة التعبير عن أشياء قد لا تكون موجودة في الواقع أساساً”. 
ويضاف إلى مميزات اللغة البشرية ما تحظى به من إمكانات رمزية. فبوسع هذه اللغة الإشارة من خلال رموز بعينها إلى أشياء قد تكون ملموسة أو محسوسة، وبوسعها الربط بين الرمز والمعنى. فلكل كلمة صوت أو رمز يؤدي إلى معنى محدَّد دون غيره.
ويفرِّق الكاتب، بين عمليتي اكتساب اللغة وتعلُّمها. فاكتساب اللغة هو “الامتصاص والتشرب الأولي التلقائي اللاواعي للغة الأم، ويتم خلال السنوات الأولى من عمر الطفل”، وعملية الاكتساب هنا فطرية لا تتطلب تركيزاً ذهنياً أو مجهوداً عقلياً للحفظ والفهم. ولذلك تتميز هذه المرحل من اكتساب اللغة بالاستقرار النسبي وبإمكانية التنبؤ بها. أما تعلُّم اللغة فهو “التكريس والتركيز الواعي لفهم واستيعاب أي لغة أخرى خلاف اللغة الأم. وغالباً ما يتم ذلك عن طريق التعليم المنظم لقواعد اللغة ومعرفة أصواتها وحفظ كلماتها”. ويؤكد الأحمري أن اللغة المكتسبة لا يمكن نسيانها، بينما قد ينسى الإنسان اللغة التي تعلَّمها وبذل لأجل ذلك مجهوداً ذهنياً كبيراً، وقد يفقدها تماماً في حال عدم استخدامه لها بانتظام أو التفاعل معها باستمرار.


بلاغة الشاشة – قراءات سينمائية
تأليف: سهام العبودي
الناشر: دار أثر للنشر والتوزيع، 2019م

لندرة المتخصِّصين وعشاق الفن السابع من الكتَّاب، نجد أن المكتبة العربية تفتقر لوجود الكتب المتخصِّصة في قراءة الأفلام وتحليلها ونقدها، وقد جاء إسهام الكاتبة السعودية سهام العبودي في كتاب (بلاغة الشاشة – قراءات سينمائية)، كمحاولة لكسر هذا الحاجز، وتقديم الأفلام بقراءة مختلفة، يستطيع من خلالها المُشاهد معرفة تفاصيل وتقنية تلك الأعمال.
صدر للمؤلفة عديد من المؤلفات الأدبية في القصة القصيرة والمسرح والنقد، وقدَّمت في كتابها الجديد (بلاغة الشاشة)، قراءة في ثلاثة موضوعات قدَّمتها تحت عناوين (فهرست الأشياء، وأجنحة الخلاص، وداخل المكان خارج الحدود).
وعن فِلم إيملي مولر الفرنسي للمخرج إيفون مارسيانو تقول إن فكرة الفِلم تتلخَّص في جلوس البطلة أمام الكاميرا لإجراء اختبار تمثيل، و”عليها أن تقدِّم نفسها كي تحصل على الدور المنشود”، حيث قدَّمت المؤلفة قراءة فكرية نقدية مرتبطة بأحداث الفِلم في دقائقه العشر لتخلص في ختام قراءاتها قائلة “إميلي تشبه نفسها، لكن الأشياء ليست كذلك لأنها – أي الأشياء – تختار لتمثل دوراً في مصادفة امتلاك مؤقت، وبراعة مؤهلة لتكوين موقف فريد، ولهذا يبدو الفن فريداً، إنه انهيارات مبجلة في رتابة الوجود، وماهية الأشياء، يمكن لأشياء معطلة في حقيبة أن تصبح قصصاً، وأن تنبت حيوات متخيلة بسببها!”.
وفي جزء آخر من الكتاب تحدَّثت العبودي عن الانعكاس في الفِلم الأمريكي (المذبحة)، للمخرج رومان بولانسكي، فتقول إن الانعكاس نوع من تمدُّد المرئي “إنه يضاعفه، والمرآة – في حضورها الفني – ليست أداة لرؤية المعكوس وحسب، بل لعكس الرؤية، إنها – كما هو الأمر في حكاية (بياض الثلج) – تستنطق بشكل ما”، وفي مقطع آخر تقول “إن حياة المعكوس في المرآة قصيرة، لكن تلقي الوعي، والذاكرة لانعكاسه لا نهاية محدَّدة له، إننا ننمِّي ما ينعكس – لحظياً – بتصوراتنا حين تكون لحظة الانعكاس مفعمة بالمعنى، فالصورة قصيرة العمر لكن الحقيقة التي تخلفها معمرة، ولذلك فإن المعترضين لتشوهات بسبب حوادث طارئة يمنعون من رؤية أنفسهم في المرآة قبل إتمام العلاج، لأن هذه الرؤية ستشوه الذاكرة بمرئي يمكن ألا يكون موجوداً، فنفي المرآة هو نفي لصورة مؤهلة لأن تكون ذاكرة غير مرغوبة”.
على الرغم من صغر الكتاب إلا أن الدكتورة العبودي قدَّمت قراءات في ثلاث تجارب فنية تناولتها بالتحليل والرؤية التفكيكية لنص الفِلم، والمشاهد وطريقة التصوير، فكانت الدراسات الثلاث أكثر عمقاً وتحمل باكورة لأعمال نقدية مقبلة.


كتب من العالم

تاريخ التعب – من العصور الوسطى حتى يومنا هذا
Histoire de la fatigue – Du Moyen Âge à nos jours by Georges Vigarello
تأليف: جورج فيغاريلو
الناشر: Le Seuil, 2020

شهد القرنان العشرون والحادي والعشرون توسعاً في تعريف ظاهرة التعب وامتدادها على كافة المجالات في حياتنا. وبدأ الشعور بالتعب يمتد من مكان العمل إلى المنزل، ومن أوقات الفراغ إلى الأعمال اليومية. يتتبع المؤرخ الفرنسي جورج فيغاريلو في هذا الكتاب تاريخ التعب من العصور الوسطى حتى يومنا هذا، ويحاول استكشافه بعمق كونه يَعُدَّه في أساس المشكلات المتعلِّقة بعلم الأنثروبولوجيا، لأنه يحدُّ الإنسان تماماً مثل المرض والموت. ينظر فيغاريلو إلى كيفية اختبار البشر للتعب، وكيف فكَّروا به والوسائل التي اتبعوها للتعامل معه. وكل ذلك من خلال عرض وثائق ومراجع مختلفة وشخصيات متنوِّعة، من الحاج المنهك الذي يشرع في طريق جبلي ويعاني كثيراً للوصول إلى مقصده، إلى شخصية أليكسي ستاخانوف (1906-1977م) من الاتحاد السوفياتي الذي أصبح رمزاً للعامل الذي يعمل بلا كلل، حتى بات يعرف بـ”سيزيف” القرن العشرين (وسيزيف هو بطل الأسطورة الإغريقية الذي قيل إنه حُكم بأن يعيش حياة أبدية يقضيها وهو يعمل في دحرجة صخرة صعوداً إلى الجبل حتى تعود للتدحرج نزولاً من جديد، مراراً وتكراراً، وبلا نهاية).
يطرح الكتاب فرضية أساسية تقول إن السعي إلى تحقيق الاستقلالية، الفعلية أو المفترضة، للأفراد في المجتمعات الحديثة وسيطرة مفهوم الـ”أنا” والحلم المتزايد باستمرار بالتحرر وتحقيق الذات، أدى بالأشخاص إلى الإحساس بالتعب جرَّاء الشعور بصعوبة العيش مع أي شيء يمكنه أن يقيِّد أو يعيق هذا السعي.
يقول فيغاريلو إن مفهوم التعب تغيَّر مع الزمن. فقد كان التعب في القرون الوسطى هو تعب المسافر أو المقاتل أو حتى العامل في الحرث والفلاحة والبناء. ولكن مع نهاية القرن التاسع عشر، مع وصول التلغراف والقطار السريع وفوق كل شيء اختراع الدرَّاجة مما سهَّل عملية التنقل، شعر الجميع بتسارع الوقت واتساع المساحة، وعندها بدأ التحوُّل من التعب الجسدي إلى التعب الذهني. فلم يعد الإرهاق الجسدي هو الذي يغزو العقل لدرجة إتعابه، بل أصبح التعب النفسي هو الذي يغزو الجسد لدرجة إرهاقه، وقد أشار فيغاريلو إلى أن ديكارت كان أول من أشار إلى التعب الذهني حين قال إن “المهن المتعبة تضعف الجسم بإرهاق الذهن”.
وأخيراً يعرض الكتاب للكلمات التي تتكيف للتعبير عن أشكال جديدة من التعب مثل “الإجهاد” و”الاحتراق النفسي” و”الوهن العصبي”. ويقوم برحلة يتقاطع فيها تاريخ الجسم والبُنى الاجتماعية والعمل والحروب والرياضة وصولاً إلى العلاقات الإنسانية العاطفية.


المال: القصة الحقيقية لشيء مختلق
Money: The True Story of a Made-Up Thing by Jacob Goldstein
تأليف: جاكوب غولدشتاين
الناشر: Hachette Books, 2020

من بين جميع الاختراعات التي نعتمد عليها في يومياتنا، لا يوجد ما هو أغرب من المال. فالمال، حسب مؤلف هذا الكتاب جاكوب غولدشتاين، هو في الحقيقة شيء مختلق ولا يتعدَّى كونه خيالاً مشتركاً. ولكنه على الرغم من ذلك، أسهم في تشكيل المجتمعات لآلاف السنين، منذ ظهور العملات المعدنية في اليونان القديمة إلى أول سوق للأوراق المالية في أمستردام إلى نظام الظل المصرفي في القرن الحادي والعشرين.
يقول الكاتب إن السجلات المبكرة للمال تظهر كيف انتقلت المجتمعات من الأموال ذات القيمة الجوهرية، أي العملات على شكل سلع، مثل الملح والماشية والأسلحة والعملات المعدنية المصنوعة من المعادن الثمينة، إلى العملات الورقية التي تستمد قيمتها من كونها أدوات تسمح بتبادل السلع والخدمات. ومن ثم يعرض للمفكرين وقادة العالم الذين أعادوا تصوُّر المال بطرق جديدة، من الإمبراطور المغولي كوبلاي خان الذي ابتكر النقود الورقية في أواخر القرن الثاني عشر المدعومة بالبرونز قبل قرون من ظهورها في الغرب، ومن ثم جرَّدها من هذا الدعم، فكانت هذه أول مرَّة في التاريخ يكون فيها نجاح العملة أمراً اجتماعياً بشكل أساسي، كونها انتشرت من خلال توافق الجميع عليها كوسيلة للتبادل التجاري، إلى الاقتصادي الأسكتلندي جون لو الذي عُيِّن مراقباً مالياً عاماً لفرنسا في عهد فيليب الثاني، والذي كان مقامراً محترفاً وقاتلاً مُداناً، ولكن التاريخ عرفه بأنه هو من قام بجلب الأموال الحديثة إلى فرنسا (ودمر اقتصاد البلاد)، إلى مجموعة السايبربنك، أي مجموعة من مبرمجي الكمبيوتر الليبراليين الراديكاليين، الذين مهَّدوا الطريق لظهور البيتكوين.
يقول غولدشتاين إن شيئاً واحداً أدركه هؤلاء جميعاً وهو أن ما يُعدُّ نقوداً (وما لا يُعدُّ كذلك) هو نتيجة الخيارات التي نتخذها. وهذه الخيارات لها تأثير عميق على من يستطيع الحصول على مزيد من الأشياء ومن يحصل على أقل، ومن سيخاطر عندما تكون الأوقات جيدة ومن سيعاني عندما تسوء الأمور. 


إحراق الكتب: تاريخ التدمير المتعمد للمعرفة
Burning the Books: A History of the Deliberate Destruction of Knowledge by Richard Ovenden
تأليف: ريتشارد أوفندن
الناشر: Belknap Press: An Imprint of Harvard University Press, 2020

تعرَّضت المكتبات ودور المحفوظات للتدمير والإحراق منذ العصور القديمة، ولكنها تعرَّضت للتهديد الأكبر في العصر الحديث. فبالإضافة إلى التدمير المتعمد، تواجه المعرفة التي تتضمنها المكتبات اليوم خطر التدمير والإهمال بسبب حرمانها من التمويل، حتى أصبحت تكافح من أجل بقائها.
يروي هذا الكتاب التاريخ الذي أوصلنا إلى هذه النقطة. فيصف ريتشارد أوفندن، مدير مكتبة بودليان الشهيرة في أكسفورد في بريطانيا، كيف أن الهجمات على المكتبات ودور المحفوظات كانت سمة من سمات التاريخ منذ العصور القديمة، وكيف ازدادت وتيرتها وحدتها خلال العصر الحديث. فيقول إن المكتبات هي أكثر من مجرد مخازن للمعارف العامة. فمن خلال الحفاظ على الوثائق القانونية والسجلات الرسمية، فهي تدعم سيادة القانون وحقوق المواطنين. ويعرض الكتاب لتاريخ إحراق المكتبات من مكتبة الملك آشور بانيبال التي تأسست في قلب الإمبراطورية الآشورية في القرن السابع والتي كانت تحتوي على آلاف الألواح الطينية والتي احترقت مع تدمير مدينة نينوى، إلى مكتبة الإسكندرية القديمة التي تعرَّضت لعديد من الحرائق وانتهت حياتها في عام 48 ق.م.، إلى مكتبة سراييفو المعاصرة التي بقيت تحترق على مدى ثلاثة أيام في عام 1992م. 
من خلال استكشاف تدمير المكتبات حول العالم يعرض الكتاب تاريخاً قوياً للحضارة، ويبيِّن الأهمية الحيوية للمكتبات لا سيما في عصرنا الرقمي الحالي. وهو أيضاً قصة إنسانية يحاول من خلالها أوفندن الدفاع عن مفهوم المكتبة من خلال عرض لأنشطة مجموعات المدافعين عن المكتبات من المغامرين وعلماء الآثار والشعراء والمناضلين من أجل الحرية، وبالطبع أمناء المكتبات والجهود البطولية التي قاموا بها للحفاظ على المعرفة وإنقاذها. 
واخيراً يؤكد المؤلف أهمية إعادة اكتشاف الوثائق الضائعة، لأن معارف الماضي لا تزال تحتوي على كثير من المعلومات القيمة. ويقدم أمثلة على ذلك ثروات المعارف التي تم استرجاعها من إعادة اكتشاف مخطوطات البحر الميت في الصحراء التي كانت مخفية عن الرومان، ومفقودة لما يقرب من 2000 عام، إلى مخطوطات العصور الوسطى التي ترتبط بأساطير وأحداث قديمة غريبة وأماكن مجهولة.


كيف يعمل الابتكار: الصدفة والطاقة وتوفير الوقت
How Innovation Works: Serendipity, Energy and the Saving of Time by Matt Ridley
تأليف: مات ريدلي
الناشر: Fourth Estate, 2020

الابتكار هو اهتمام رئيس في العصر الحديث، وهو السبب في أننا نعيش كل هذه التحسينات الهائلة في مستويات معيشتنا والتغيرات البارزة في مجتمعاتنا. وكل الابتكارات الهائلة الحالية والمقبلة هي التي ستشكِّل إلى حدٍّ كبير القرن الحادي والعشرين، بغض النظر عما إذا كان ذلك للأفضل أو الأسوأ. ومع ذلك، يظل الابتكار عملية غامضة وغير مفهومة من قِبل صانعي السياسات ورجال الأعمال. كما أنه بالتأكيد عملية صعبة التحقيق ولكنها حتمية ولا مفر منها.
يقول مات ريدلي، الكاتب والصحافي البريطاني، في هذا الكتاب إن هناك ثلاثة دروس أساسية يجب أن نتعلَّمها عن الابتكار. أولاً، إننا بحاجة إلى تغيير الطريقة التي نفهم بها الابتكار، فبدلاً من أن ننظر إليه كعملية منظمة أو عملية تطوير من أعلى إلى أسفل وفقاً لخطة مرسومة، يجب أن نراه كعملية تصاعدية من أسفل إلى أعلى يأتي عن طريق الصدفة ويحدث كنتيجة مباشرة لاعتماد الإنسان على التبادل، مما يفسِّر حدوثه في المدن أكثر من الأرياف. وثانياً، إن الابتكار يختلف اختلافاً جوهرياً عن الاختراع، لأنه يعمل على تحويل الاختراعات إلى أشياء ذات استخدام عملي وبأسعار معقولة. وثالثاً، هو دائماً ظاهرة جماعية تعاونية وليس مسألة عبقرية وحيدة، أي ليس نتيجة لحظات “يوريكا” فجائية، كما هو الاعتقاد السائد. 
يستمد ريدلي هذه الدروس وغيرها من سرد القصص الحية لعشرات الابتكارات. فيتناول بداياتها ولماذا نجحت أو فشلت في بعض الحالات، مثل كيفية تحسين المحرك البخاري تدريجياً، وكيف تم اكتشاف اللقاحات، وكيف قام الأخوان رايت برحلتهما الأولى، وقصة النقل بالحاويات، وكيف تم اكتشاف وتطوير عملية هابر بوش (وهي طريقة صناعية لإنتاج الأمونيا) وعديد من حكايات الابتكار الأخرى. 
وأخيراً يستكشف ريدلي العوائق التي تقف أمام عمليات الابتكار في عصرنا الحالي وأبرزها براءات الاختراع شديدة التقييد.


مقارنة بين كتابين
هل يمكن لتاريخ التلوُّث أن يشكِّل مستقبلاً مختلفاً؟

العصر الكيميائي
تأليف: فرانك فون هيبل
الناشر: University of Chicago Press, 2020
The Chemical Age by Frank A. von Hippel

تلوث الأرض: تاريخ من التلوث في العصر الصناعي
تأليف: فرانسوا جاريج وتوماس لو رو، ترجمة: جانيس إيغان ومايكل إيغان
الناشر: MIT Press, 2020
The Contamination of the Earth by François Jarrige & Thomas Le Roux. Translated by Janice Egan & Michael Egann

أعمدة الدخان تنشر وشاحها / مثل الكشاكش الجنائزية على رداء طويل / تلوِّث صخورك الرومانسية وتلوِّث العواصف / تلوِّث مياه أنهارك المترقرقة، هذه هي سطور كتبتها الشاعرة الإنجليزية آنا سيوارد عام 1785م، بعد رؤية معامل الحديد وأفران الجير في بلدة كولبروكديل في إنجلترا مهد الثورة الصناعية. 
وبعد أكثر من قرنين من الزمان، كانت لأوجه النشاط البشرية المسبِّبة للتلوُّث آثار مدمِّرة على التنوُّع البيولوجي والإنتاجية الزراعية وصحة الإنسان. وقد صدر كتابان مؤخراً يحاولان تسليط الضوء على هذه الآثار المدمِّرة بطرق مختلفة للغاية.
في كتاب “العصر الكيميائي” يتعمَّق عالِم البيئة فرانك فون هيبل في الروايات التاريخية ليستكشف قصص العلماء الذين طوَّروا مبيدات الآفات والأسلحة الكيميائية، ويتتبع تأثيرها على العالَم. أما المؤرِّخان فرانسوا جاريج وتوماس لو رو فيستكشفان في كتابهما “تلوث الأرض” العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الأوسع التي أسهمت في تدمير للبيئة.
يروي فرانك فون هيبل في كتابه “العصر الكيميائي” قصة العلماء الذين شنُّوا حرباً على المجاعة والمرض من خلال الكيمياء. ويسلِّط الضوء على التعايش المضطرب للبشرية مع الآفات، وكيف أن وجودها والمعارك لإبادتها قد شكَّلت عالمنا الحديث. ومن ثم يتتبع فون هيبل تاريخ استخدام المبيدات الحشرية حتى الستينيات من القرن الماضي عندما كشفت الكاتبة راشيل كارسون، ولأول مرَّة، في كتابها الشهير “الربيع الصامت” أن المواد الكيميائية المستخدمة في المبيدات الحشرية نفسها تضر بصحتنا بشكل خبيث، وتدفع بأنواع عديدة من الكائنات الحية نحو الانقراض.
من جانب آخر، وفي معالجة للموضوع نفسه، يُظهر كتاب “تلوث الأرض” كيف قادنا مسار التصنيع إلى أزمة التلوُّث الحالية. ولكن بدلاً من التركيز على دوافع العلماء الفردية، فإنه يرسم العوامل المتعلِّقة بالأنظمة التي أسهمت في تزايد الخسائر الناتجة عن التلوُّث من القرن الثامن عشر حتى سبعينيات القرن الماضي. يذكِّرنا جاريج ولو رو أن التلوث العالمي يسبق الثورة الصناعية بقرون، ففي حقبة ما قبل الصناعة كانت الانبعاثات الضارة من المدابغ ومصانع الأشغال المعدنية والصباغة تُنظَّم أحياناً بقوانين خاصة تميل إلى إعطاء الأولوية للصحة العامة على التنمية الاقتصادية. ولكن بحلول القرن التاسع عشر، بدأت هذه الاعتبارات البيئية النموذجية تتراجع مع تصنيع المنسوجات والفحم. 
وقد شهد القرن العشرون مقاييس جديدة وواسعة للتلوث. فظهرت المواد الكيميائية التي قاومت التحلل البيولوجي، والمواد التي تُستخدم كأسلحة في الحروب وساد نمط حياة جديد محدَّد بالاستهلاك. وفي سبعينيات القرن الماضي أصبح التلوث قضية عالمية لكن الجهود التي سعت لتنظيمه والتي أتت من جهات مختلفة غالباً ما منيت بالفشل. فما العمل؟ 
يبدو أن فون هيبل يستنتج أن الدمار الناتج عن التلوث أمر لا مفرَّ منه، إذ على الرغم من أن الأبحاث الكيميائية يمكن أن تنتج مركبات تقضي على المرض والمجاعة، إلَّا أن عائلات الجزيئات الكيميائية التي تدخل في هذه المركبات نفسها يمكن أن تلوِّث وتقتل، مما يدخلنا في حلقة مفرغة من الصعب جداً الخروج منها. بينما يقدِّم جاريج ولو رو مزيداً من الأمل، إذ أشار المؤلفان إلى أن عديداً من الانتصارات على التلوُّث الصناعي التي نشأت من الحركات الشعبية بدءاً من الرابطة الدولية لمنع الدخان التي تأسست عام 1907م، إلى ظهور السياسة الخضراء في السبعينيات من القرن الماضي.


مقالات ذات صلة

ثَمَّة عبارة تُنسب للروائي المُعاصر كارل شرودر، المعروف بأعماله التي تتوقَّع مستقبل تقنيات الذكاء الاصطناعي تقول: “الذكاء لا يعني توقّع المستقبل، بل القدرة على تَقليل الشعور بالمفاجأة”.
في عام 1987م، نشرت مجلة “رسالة اليونيسكو” الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة موضوعاً بعنوان “عالَم الذكاء الاصطناعي الجديد” جاء في مقدَّمته: “نحن ننتقل الآن إلى عصر الآلات الذكية والذكاء الاصطناعي، ذلك الفرع من المعرفة ذي المكانة المهمة في المعلوماتية”.

تنوَّعت الرسائل التي تلقتها القافلة خلال الشهرين الماضيين إلى حدٍّ كبير، كما تنوَّعت التعليقات على محتوياتها على موقعها الإلكتروني، إضافة إلى طلبات الاشتراك المصحوبة دائماً بكلمات رقيقة تعبِّر عن محبة القرَّاء لمجلتهم، وقد أحلنا هذه الأخيرة إلى قسم الاشتراكات ليُصار إلى تلبيتها كلها بإذن الله. ومن الرسائل التي وردتنا نذكر ما ما كتبه الدكتور إياد […]

بيوت الذكريات اجتاحتني ذكريات البيوت المتعاقبة التي سكنتها وأنا أقلِّب صفحات مجلة القافلة لشهر مايو/يوليو 2020م من خلال ملفها المنشور تحت عنوان “البيت بناءً وقيمة”، مشاهد ظننت أنها سقطت سهواً من ذاكرتي، إلا أنها عادت وهي محمَّلة بتفاصيل دقيقة من بيت الطفولة ذي الأبواب الخشبية والنوافذ البيضاء، أشجار الليمون ورائحة الجدَّات، ومشاهد كثيرة متأصلة في […]


0 تعليقات على “كتب”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *