مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
يوليو – أغسطس | 2021

كارل بوفين..
دانماركي رسم البحرين

حسين المحروس

كارل بوفين مع أطفال إحدى القرى يريهم كيف يرسم

استغل وجوده ضمن فريق البعثة الدانماركية للتنقيب عن الآثار في البحرين العام 1956م، فعكف يرسم الطبيعة والحقول والمباني الطينية، إنّه الفنان الدانماركي صاحب الأسلوب المتفرِّد كارل بوفين.

صديقان جمعهما فنّ الرسم في مدرسة المنامة: عبدالكريم العريض وحسين السنّي، يسيحان في أرضها، يرسمان بالحبر الصينيّ وما تيسّر لهما من الألوان أسواقها، عروش الدكاكين، مظلات الفُرش بقماشها، المائل، المثقوب، مساقط الضوء في أزقة الأسواق، مبانٍ لها عمارتها الخاصّة مشيّدة بحجارة قطعت من جزيرة جدة، الشوارع بحيوية الناس فيها. وربّما يقرِّران المشي على تراب الشاطئ الشمالي للمنامة، يتجاوزان باب البحرين، حي الشيوخ، النعيم، لتمتدّ البساتين المطلّة على البحر من بعدها، ساحل السويفيّة، سواحل القرى: البرهامة، مني، السنابس، مروزان، الديه، كرباباد، ثمّ ساحل قلعة البرتغاليين.يمشيان، يتوقفان للرسم في دفاترهما، حتى صعدا للقلعة في شتاء العام 1956م، أي بعد ثلاثة أعوام على بدء تنقيبات البعثة الدانماركية، تجولا حولها في البساتين، فشاهدا شخصاً بلباس قصير وقميص شبه مفتوح وكوفيّة، قد وضع حاملاً أرجله الخشبية في جدول الماء، عليه لوحة من الكانفس، يرسم مشهداً للنخيل وأشجار الموز أمامه. قدّم نفسه إليهما: كارل بوفين، رسّام، واحد من فريق البعثة الدانماركية، قدَّما له نفسيهما فنانين من البحرين.

بعثة متميزة
يومها كانت البعثة الدانماركية تتميّز عن غيرها من بعثات الآثار، أنّها تضم: الآثاريين، والمهندسين، والرسَّامين، والمصوِّرين، والكتّاب، والأنثروبولوجيين. البرفيسور غلوب، والمهندس جفري بيبي، منقِّبون من الجنسين، وهني هانسن التي اختارت المرأة في قرية سار موضوعاً لدراستها، ومصوِّرون بلغ عددهم طوال عمل البعثات 25 مصوراً منهم: هارلد أندرسون وتروكل فاوندر.كارل بوفين “Karl Bovin” الرسّام الدانماركي، أشهر أعضاء البعثة بعد غلوب وبيبي، الذي لم يفت الحفارين البحرينيين أن يرسموا صورته وهو يحمل لوحاته، وفرشاته، وألوانه، وكرسيه، وطعامه وزجاجتي جعَّة، متجهاً نحو البساتين، أو البحر، ينعزل تماماً، فلا يعود إلا بلوحة فيها الجمال الانطباعي من تلك العزلة.

ذاكرة الحفَّارين
التقيت عدداً من الحفَّارين المحليين الذين عملوا في البعثة منذ مجيئها، في سبتمبر 2001م، رسموا له صورة عاش بها معهم كثيراً. وصفه إبراهيم بن دلال “كان مع البعثة شخص يسمى كارل، مهنته الرسم فقط. يخرج صباحاً إلى البساتين للرسم وكنت أراه عندما أذهب لإحضار الماء للبعثة. يرسم كثيراً ويعمل حركات برأسه كأنه مجنون لكنه ليس كذلك. وفي إحدى المرّات صاحبته في السيارة في الطريق إلى مستشفى النعيم الصحي. كنت مريضاً، وكان هو مريضاً أيضاً. وعندما وصلنا المستشفى رأيت كارل يغني “أنا وانته. أنا وانته. أنا وانته” هكذا بالعربية، ويلحن الأغنية. هذا الرجل لا يعمل معهم، لا يحفر، لا يحمل شيئاً. وظيفته الرسم فقط. رأيت رسوماته، كانت جميلة”. قال عنه عامل آخر “(كالا) من الرسومات التي رسمها وما زلت أذكرها شجرة المشمش وكأنها صورة. منذ الصباح يحمل أدواته باتجاه البساتين وحده. أخذناه أكثر من مرّة إلى صيد السمك فأخذ يرسم فيها كثيراً”.أفرد الكتاب الذي أعدّ بمناسبة مرور خمسين عاماً على إشغال غلوب كرسي البروفيسورية في علم الآثار، “غلوب وجنّة الفردوس” صفحة لكارل بوفين نشرت فيها صورته في حجيرته المصنوعة من السعف “برستج” يدخن، يقابلها فقرة تعريفيّة عنه: “شارك بوفين في عديد من البعثات إلى البحرين، والتصق كلياً ببيئة الجزيرة وبحياة شعبها. لقد رأى في حديقة الشيخ إبراهيم الواقعة أسفل القلعة البرتغالية قطعة من الجنة، وقد أعطاه ذلك اهتماماً وإيحاءً كان وراء عديد من أجمل ما رسمه هذا الفنان. ولد كارل بوفين في العام 1907م في فريدريكشافن، أبوه بنّاء. اهتم بالفنّ صغيراً وسافر يحمل أعماله على درَّاجته في عشرينيات القرن الماضي إلى جنة الفنانين في مدينة سكاجين في أقصى شمال الدانمارك. اهتمّ منذ البداية برسم الطبيعة ولم يتركها. بدأت لوحاته باهتة اللون، انتقل بعدها لحيوية المناظر الطبيعية في الخريف والشتاء. وبعد مجيئه إلى البحرين تضمَّنت لوحاته مزيداً من الألوان والسطوع. فالألوان بحاجة إلى نور وضوء.

كالا والزواج الثاني
أصدقاؤه الذين شاركهم تاريخ الفنّ لا يسمونه بغير “كالا”، وهو الاسم الذي ينادونه به الحفَّارون في البحرين. تزوج بوفين مرتين، الثانية من الرسامة بيرثا ماري بيدرسن عام 1952م. وبعد أربع سنوات من زواجه جاء منفرداً إلى البحرين.جاء بوفين إلى البحرين تسع مرات بين الأعوام 1956 إلى 1965م، ثمّ انقطع وعاد في العام 1970م، وكانت تلك زيارته الأخيرة. بعدها تدهورت صحته في السوء ومنعته من ممارسة الفن. هذه الرحلات تركت أثراً على لوحاته “كانت شاهداً على التجديد الذي ثبته بوفين وفنه المليء بالألوان الصدفية الذي كان بمثابة “فيتامينات الحياة” للفن الدانماركي.. وهنا ينبغي البحث عن مصادر تلك الثنائية القائمة بين الخصوبة والهواجس التي احتوتها أعمال الفنان بوفين البحرينية” (بوفين البحرين، يورغنسن، 1999م).

مدرسة بوفين والروَّاد
أخذ كارل من الطبيعة في البحرين بطريقته، وأدار اللوحات بقدرة الفنان المتمكن من استخدام تلك الإشارة “المنبعثة من حسّ المعايشة والاحتكاك بحيث تصبح حقيقة حيَّة للآخرين”، وأخذ عنه فنانان من الروَّاد في البحرين طريقته في رسم الطبيعة. يقول كريم العريض “رأيته لا يخطط لوحته كما نفعل نحن، لكنّه يهجم على لوح الرسم أو الأوراق بالفرشاة واللون مباشرة بعزلة خاصة، وندرة في الكلام.. هل تأثرنا به؟ نعم كثيراً. أنا وحسين السنّي. التقينا به مرّات في القلعة ومحيطها. شخصياً لا أعرف شيئاً عن المنظور حينها. كانت حصيلتي من تلك السنوات الخبرة التي اكتسبتها من نقل الصور ومزج الألوان، غير أن شيئاً لم أكن أعرفه هو النسبة والمنظور. وفي يوم كنت أشاهد أحد الأجانب وهو يرسم – أقصد الفنان كارل بوفين -، أحد أفراد البعثة الدانماركية للتنقيب عن الآثار، وقد أخذ يقسِّم المنظور بقلم الرصاص، كان ذلك بالنسبة لي الدرس الأول على الطريق الأكاديمي في الفن. دعوته لمشاهدة أعمالي الفنية ورسوماتي في بيتنا في حيّ سوق الحطب في المنامة، وكان يصحبني حسين السني، وعندما شاهد أعمالي الفنية أرشدني إلى كثير من الأمور الفنية السليمة التي اقترح عليّ اتباعها؛ ليتسنّى لي رسم الموضوعات الفنية، والتي تبدأ بالخطّ، والشكل والفراغ والضوء والظلّ، ومن أهم الأمور التي أوصاني بها أيضاً أن أكثر من التمرينات الميدانية من رسم الأشخاص (الموديل)، فقررنا أنا وحسين السني أن نقوم بجولات في الشوارع والمقاهي لرسم الموضوعات البيئية، واستأثر البحر على جل اهتمامنا، فقد جعلناه موضوعاً لكثير من رسومنا. نذهب كل مساء إلى مقهى بالقرب من الساحل، هو ملتقى لأصحاب السيارات الكبيرة، وفي هذا المقهى تكثر (الموديلات) من الرجال الذين يدخنون (الكدو)، والذين يلعبون الطاولة؛ فكان ذلك المقهى، نبتة خصبة لنا لاختيار ورسم الأشخاص (الموديل) التي أوصى بها كارل بوفين”.

خارج إطار اللوحة
رسم بوفين عشرات اللوحات للبساتين والقرى وسواحلها، خصوصاً قرية كرباباد، القلعة، وكرانة. عاشق للرسم الانطباعي، ولا يهمّه ما يقال عنه، تقليلاً لأهمية الرسم الانطباعي أو وصفه بالتقليدية. “إن مسألة إضافة طبقة جديدة للتقليدية ما زالت أمراً مقبولاً” يقول بوفين. لكن ذلك لم يمنع من اتصاله بالتجريديين والنظر في تجاربهم. تبعية الفنان لديه لحاسة النظر، للرؤية التي تأتي بعدها “وإلى الشعور بالمسؤولية إزاء التجربة المعاشة الحسية، وأن يجد المعنى الحقيقي للحياة في الحقيقة التي عبَّر عنها لاحقاً في “قص جسم مربع من الطبيعة”، لكنه أضاف قائلاً: “من أجل ألا يجعل الفنان من لوحته شيئاً، يتوجب عليه أن يصب اهتمامه على كل ما هو موجود خارج إطار اللوحة، ألا وهو الواقع”.درس الفلسفة العربية، مجادل، يناقش أكثر من شخص في وقت واحد. اهتم بديانات ما قبل عصور الكتابة، وتاريخ الأديان المقارن، واهتم حتى بالأقاليم الصغيرة ودياناتها. مرح، يتحوَّل لشخص آخر حين يأتي له قروي بأغنية محلّية.

تأثير المكان
في مقابلة صوتية أخيرة لبوفين في الدانمارك، العام 1971م، تحدث عن تجربته في البحرين “بدأت بالرسم في أول يوم لوصولي إلى البحرين، ووقعت الواحات موقعاً ممتازاً بشكل غريب في قلبي حالاً. لقد جئت إلى البحرين بعد أن قضيت ثلاث سنوات في سكيغن، وعليه فقد جئت وضوء سكيغن في عينيّ، ونقلته إلى لوحات البحرين، وأظن بأن وجود ضوء البحر على جانبي كل من البحرين وسكيغن قد ساعدني كثيراً. وأستخدم لون الفيرونيسه الأخضر الفاتح لرسم الخليج، نظراً لخضرة مياهه التي تعطيها الشُعب المرجانية، والتي لا تبعد مقالعها كثيراً عن مكان إقامتنا في القلعة البرتغالية”.في البحرين وجد بوفين أن الشكل هو الضوء؛ لذا لم ير مبرراً لوجود الخطوط والبناء أمام قوة اللون وحضوره مضاءً في الطبيعة من حوله. هنا عشق الواقع حتى درسه ثمّ رسمه؛ فحضر بقوة فيه وفي لوحاته التي جعلت الفنانين الروَّاد يلتفتون لذلك فيأخذونه عنه. إلا أنّ الدرس الصعب، الذي أظنّ أنّ أثره من بوفين نادر جداً على فناني البحرين التشكيليين، العمق الثقافي الذي لديه، حضور الموسيقى، اهتمامه الواسع باللغات والأديان وعلم الآثار، التزامه بالفنان الأكاديمي وخروجه عليه أيضاً، حبه للشعر ومكانته الكبيرة في نفسه، وأن الفنّ لا يخص العين وحدها. ذلك ما وصفه به زميله الفنان كيالد هيلد “كان بوفين كحلول الكارثة الطبيعية.. حمل ثنائية من الحكمة ومن التردد، لأنه اتّبع طريق جَمال الحب”. هذا هو الدرس الصعب لـ (كالا).


مقالات ذات صلة

يمثِّل المكان بُعداً دائم الحضور في صفحات الأدب بوجه عام، وبين سطور الشعر العربي بصفة خاصة. ويكفيك أن تُلقي نظرة خاطفة على بعض عيون القصائد العربية عبر العصور المختلفة، لتجد المكان يلوِّح لك بين الحروف، مُثقلاً بالرمز والحكاية والخيال تارة، ومتخفِّفاً منها تارة أخرى. وإن كان حضـور الأماكن والمدن العربية في الشعر قد أُشبِع دراسة […]

تصدّرت الحروب والأوبئة والأمراض واجهات التاريخ البشري منذ القدم. وشكَّلت محطات مظلمة في تاريخ الإنسانية، ما زالت آثارها راسخة في الذاكرة العالمية إلى يومنا هذا. وليس وباء كورونا الذي اجتاح وأرعب العالم اليوم إلا مثالاً حياً لتلك الأوبئة التي غزت التاريخ، وخلَّفت مآسيَ وهزاتٍ عنيفة في العالم، كانت سبباً في القضاء على أعداد هائلة من […]

ظهرت الأسماء منذ الأزل، وظهرت ساكنة لا تتحرَّك، ولم تلقَ من يصف أشكالها ويُحرّك أحداثها، فجاءت الصفات لتُخبرنا عن أشكالها الساكنة، وجاءت الأفعال لتخبرنا عن حركتها الحيويّة، فصرنا نُنبئ عن كيفيات التشكل الوصفي والاتجاه الحركي، وعن أساليب وحيثيات وأسباب هذا التشكل وذاك الاتجاه. تشكيل الصفات للأسماء وتحريك الأفعال لها جاء ناقصاً، فمُلئ بالحروف المعدودة التي […]


0 تعليقات على “كارل بوفين..”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *