مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين

منها ما صمد ومنها ما اندثر
قلاع البحرين وحصونها


حسين المحروس

خلال تاريخها الطويل منذ ما قبل جلجامش، عرفت البحرين كثيراً من الطامعين بموقعها الاستراتيجي ولؤلؤها ونخيلها. وفي مواجهة هؤلاء، بنت سلسلة من القلاع والأبراج لكسر الخوف قبل كسر الأعداء. بعض هذه القلاع لا يزال قائماً، وبعضها اندثر أو يكاد، ولكنها كانت من الكثرة بحيث يصح استخدام الوصف الذي أطلقه بعض علماء الآثار على البلاد، مثل “البحرين جزيرة حصينة” للباحثة الفرنسية مونيك كيرفران، ومثله “المدينة المحصّنة”، الذي جاء في كتاب لمتحف موسغارد بالدانمارك “غلوب وجنّة الفردوس”.

كنا نظن أن عدد القلاع في مملكة البحرين لا يتجاوز الخمس عشرة قلعة، بما في ذلك الحصون والأبراج، حتى وجدنا إشارة وضعها الملازم البحري البريطاني بروكس، الذي وضع خرائط المسارات البحرية عند زيارته للبحرين في العام 1825م، تقول: “يوجد في البحرين حوالي 50 قلعة مع عدّة أبراج موزعة على نواحٍ مختلفة من الجزيرة”! وهذا وحده يؤكد عمق وصف كيرفران للبحرين بـ “الجزيرة الحصينة”.

لنرسلْ بعثةً إلى البحرين
رغم كثرة القلاع والإشارات إليها، لم يكشف عن القديم منها إلا القليل، بدءاً بجهود البعثة الدانماركية الأولى في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي. فذات يوم، وفي مكتبة بيت عالم الآثار بيتر غلوب، جلست فيبك زوجة عالِم الآثار جيفري بيبي تصف زيارتها للبحرين في العام 1953م بالسحر. وروت أن المناطق البرية مغطاة بملايين كسر الفخار. وأنها وزوجها كانا يتنزهان بجوار النخيل عند الغروب، والتقطا قطع أساور زجاجية وكسراً من الخزف، وربما نقوداً نحاسية. وقبل أن تُكمل فيبك حديثها، ضرب بيتر غلوب الطاولة بحماسة، قائلاً: “فلنرسلْ بعثةً إلى البحرين”.
عندما وصلت البعثة الدانماركية للتنقيب عن الآثار إلى البحرين في عام 1954م، ظهرت مهنة جديدة للناس في القرى المجاورة لمواقع التنقيب: كرانة، باربار، كرباباد، جنوسان، أبوصيبع، الحجر، سار، القدم، جد الحاج، المقشع، حلة العبدالصالح، وبني جمرة، غير مهنتي الصيد البحري والزراعة الرائجتين في هذه القرى. وعليه، ظهرت مصطلحات جديدة ووصف جديد لمهنة جديدة، وتقنيات عمل وأداء، وحفر الأرض من أجل الكشف لا من أجل الزراعة، ونظام للوقت، وعلاقات مع الأجنبي وصور له تعتمد أكثرها على الوصف.

الاسم للمنتصر
استقرّ عمل البعثة أولاً فوق تلّة من الحجارة والرمل تحيطها البساتين إلا من جهة البحر. ساحل ضحل جداً تكاد أمواجه تصل إلى رمال تلك التلّة. ورويداً رويداً، كشفت البعثة عن جدران أقدم قلعة في البحرين، أُطلقت عليها أسماء كثيرة، في إشارة واضحة لتعاقب الذين سيطروا عليها، فالمنتصر يضع الأسماء.
“قلعة البرتغال”، وهو الاسم الذي كان رائجاً في الكتب المدرسية المحلية القديمة. بناها البرتغاليون جنوب قلعة تايلوس خلال سيطرتهم على البحرين بين القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين. أما التصميم فهو للمهندس أنوفري دي كارفهلو، المهندس الخاص لملك البرتغال. ومن أسمائها الأخرى “قلعة بدر الدين” نسبة للقائد الذي تصدّى لهجوم البرتغاليين في عام 1529م. وقلعة “البحرين” وهو الاسم المعتمد حالياً. فثمّة نص على حجر وجد في جزيرة “جدا” يرجع إلى عام 1561م، ويقول: “نُقل من هذه الجزيرة مئة ألف حجر لتجديد بروج قلعة البحرين على يد العبد فيروز في زمن وزارة جلال الدين مراد محمود شاه..”. و “قلعة عجاج” هو الاسم المعتمد في كتاب “دليل الخليج” لجي جي لوريمر، وقد تلفظ “عياي”. أما تسميتها قلعة “الإفرانجي”، فيقول لوريمر إنها تسمية سكان المنامة! وأخيراً هناك اسم “قلعة الجبيلية” الذي ذكره الملازم وتش في عام 1861م.
يتخيل الزائر مشهد العالِم الدانماركي بيتر غلوب يمشي في جوار القلعة، أو جالساً يكتب شيئاً عن حلم البحث عن حضارة دلمون، أو يصف سفينة حربية تقترب باتجاه القلعة التي لا تبعد عن البحر سوى مئة ياردة فقط. لحظات، ويسمع صوت مدافع القلعة تنطلق باتجاه هذه السفينة، وقد لا تكفي القذائف التي وجدها جعفر محمد البايع تحت مطبخ البعثة. أو ربما كان غلوب يرسم خريطة لمدينة كاملة ظن الدانماركيون أنها تنام تحت الرمال بجوار القلعة وقد بدا جدارها الشمالي. فمن على هذا المرتفع، كل ما هو حول القلعة في مدار عدسة العين. فالذين اختاروا هذا الموقع للتنقيب كانوا يعرفون جيداً أهميته.

“يوجد في البحرين حوالي 50 قلعة مع عدّة أبراج موزَّعة على نواحٍ مختلفة من الجزيرة”! وهذا وحده يؤكد عمق وصف كيرفران للبحرين بـ “الجزيرة الحصينة”.

الجزيرة ليست مقبرة
قبل مجيء الدانماركيين وقبل أن يشرعوا في البحث انطلاقاً من قلعة البحرين، كان السائد أن البحرين مجرد مقبرة. وعزَّز ذلك كثرة تلال القبور. فعالم الآثار إرنست ماكاي الذي تفحص “مقابر عالي” في العشرينيات، كتب يقول: إن البحرين قبل الإسلام أرض لدفن الناس فقط. أرض للموت. الجزيرة المقبرة”. وقد سبقه إلى هذا الظن العقيد البريطاني بريدو الذي نقب في مقابر عالي عام 1906م، ورأى أنّها مقابر فينيقية. وقبلهما، كان هناك الكابتن دوراند الذي وصف المدافن في تقرير صغير يعود إلى عام 1879م، بأنها “ليست معدّة للأموات”!، غير أن التنقيبات أثبتت أن “الجزيرة كانت عامرة بالسكان عبر آلاف السنين. واكتشف غلوب وبيبي قرب أساسات أنقاض القلعة البرتغالية بقايا مدينة يعود تاريخها إلى أربعة آلاف سنة، وأنها كانت عاصمة مملكة دلمون، وموتى هذه المملكة هم المدفونون في هذه المئة ألف”.

المصوِّر العليم
الصور الفوتوغرافية التي التقطها أكثر من 24 مصوِّراً من مصوِّري البعثات الدانماركية للقلعة في البحرين أو أماكن مختلفة في الخليج أخذت بعين المصوِّر العليم، العارف بأنّه يلتقط حكايات كثيرة ومعرفة متراكمة لآثاريي البعثة ومنقبيها وعلمائها وكتّابها. وقد نشر متحف موسغارد الدانماركي بعض هذه الصور في كتاب “غلوب وجنّة الفردوس” في عام 1999م، ووضع جوار هذه الصور توضيحات لا يمكن فصلها عن الصورة. لأنّ الذي صوّرها يعرف جيداً الحدث. ولّعل من أهمّ هذه الصور تلك التي التقطها بيتر غلوب بنفسه لجدار يمكّن من رؤية طبقات مختلفة لحيوات متعاقبة وكثيرة في هذا المكان. ويقول التوضيح بجوار الصورة: “تمّ بناء المدينة القديمة الواقعة في أساس القلعة حوالي 2200 ق.م. وهنا كانت السفن التجارية القادمة تلقي مراسيها وتتزوَّد بالطعام ومياه الشرب. وكان التجار الدلمونيون يبادلون بضائعهم ببضائع من البلدان البعيدة. لقد تحوّلت دلمون إلى مركز للحركة التجارية بين بلاد الرافدين وجنوب الجزيرة العربية والهند. وكانت الثروات الخيالية والمتمثلة بالعاج واللؤلؤ والأحجار الكريمة، وحجر اللازورد، وأشجار الزينة، وليس بدرجة أقل النحاس، تُتبادل في الأسواق. وقبيل عام 2000 قبل الميلاد، استطاع أحد الملوك انتزاع السلطة لنفسه وبناء سور حول المدينة والقصر”.
خلال السنة الأولى من عمل البعثة، أحضر الدانماركيون عمالاً من المنامة للعمل في الموقع. ولكنهم سرعان ما اكتشفوا أنّه لا يمكن الاعتماد عليهم، فاستبدلوهم بآخرين صلبين من القرى المجاورة للقلعة ومعبد باربار. وتوطدت هذه العلاقة بهم، وصاورا يزورونهم في مجالسهم. وشكَّل ذلك فرصة غير عادية للأنثروبولوجية الدانماركية هني هانسن التي ذهبت لدراسة حياة النساء في قرية سار، ولدراسة بول أولسن للموسيقى الشعبية، وكارول بوفين للفن التشكيلي.

كما برزت أسماء بعض الحفّارين المحليين، كان لمعاولهم وهمتهم الفضل في العثور على كثير من المكتشفات التي أخذت طريقها للدارسة والبحث. ومن هؤلاء، نذكر إبراهيم عيّاد من قرية الحجر الذي يقول: “في القلعة، قويت العلاقة بيني وبين جيفير بيبي وزوجته أكثر بعد حادثة ولدهما الصغير. فقد صعد الطفل الذي كان في التاسعة من عمره إلى ما فوق البرج الشمالي للقلعة، وكان في خطر شديد. ولم يصعد أحد لإنزاله غيري”. ويضيف: “كنت أقود فريق العمل الخاص بالباحثة ملينا وأكثر من يحفر في فريقها، خصوصاً خلال الحفر الأولي المتعب. لذا كان نجاح الفريق يعتمد على العمَّال المحليين وحصافتهم وهمتهم. وكان العاملون في فرق أخرى يستعينون بي عندما يجدون صخرة كبيرة تحتاج إلى ضربات قويات متتالية بالمطرقة الكبيرة واسمها “الفرزة”. فأنهي مهمتي وأعود إلى فريقي”.

على قائمة التراث العالمي
شمالي القلعة، قريباً من الساحـل، اكتشف الحصن الإسلامي في عام 1955م. وكما أن القلعة أنشئت فوق قلعة أخرى أقدم منها، فإن مونيك كيرفران ترى أن هذا الحصن أقيم فوق قواعد تعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد. كما دار نقاش حول فترته التاريخية، وصار له اسمان أيضاً: “الحصن الإسلامي” و “القلعة الساحلية أو الشاطئية”. وبين قلعة البحرين والحصن الإسلامي هذا يقع ميناء دلمون.
في عام 2007م، أُدرجت قلعة البحرين ومرفأها البحري ضمن قائمة اليونيسكو للتراث العالمي بفضل جهود الوكيل المساعد لقطاع الثقافة والتراث الوطني آنذاك، الشيخة مي بنت محمد آل خليفة وفريقها المختص. وفي العام التالي، افتتح متحف القلعة، الذي يهدف إلى “حماية الملامح التّاريخية للموقع الأثري، إضافة إلى توثيق الحقب التاريخية عبر الحفاظ على القطع الأثريّة المكتشفة في موقع قلعة البحرين”.

ثمّة قلاع في البحرين لا أثر لها الآن في غير الوثائق أو الروايات الشفويّة، أو ما تبقى منها من آثار لم يعد في مكانه.

قلاع المحرّق
في خريطة برتغالية ملوّنة لجزر البحرين، رُسمت في عام 1635م، نالت القلاع حظَّها الأكبر في هذا الرسم. وظهرت في شكل شديد الوضوح والتفصيل. قلعة عراد وقلعة أبو ماهر في البحر ومسجد الخميس، في إشارة واضحة لأهميتها وتناظرها، المعابر المائية بينها، ودورها العسكري أيضاً.
وهناك خريطة تاريخية أخرى لملّاح بريطاني رسمها في عام 1817م، وأظهر فيها تلك القلاع إضافة إلى “قلعة الديوان” التي تشغل وزارة الداخلية موقعها حالياً.
فجزيرة المحرّق كانت محروسة بثلاث قلاع وبرجين، بهدف حمايتها من العدو. أقدمها وأكبرها في الشكل “قلعة عراد” التي بناها البرتغاليون بعد احتلالهم للبحرين في عام 1521م، تهدّمت أجزاءً كثيرة منها فبنى العمانيون على أساساتها قلعة أخرى بعد غزوهم للبحرين في عام 1801م. تبدو التفاصيل فيها أقل بكثير من تلك التي في قلعة البحرين. فهي ذات أربعة أبراج حصينة، ترى كيرفران أنها بُنيت على عَجَلْ؛ لأنّ “عامل الدفاع أهم من الزخرفة”.
والقلعة الثانية هي “قلعة أبو ماهر”، التي بنيت في الفترة البرتغالية أيضاً. وأعادت وزارة الإعلام ترميمها في العام 1977م. سمَّاها الملازم وتش بـ “حصن المحرّق” وتُسمى “قلعة المحرق” أيضاً. تهدّمت، فأعاد الشيخ عبدالله بن أحمد بناءها في عام 1810م، وصار اسمها “قلعة المحرّق”. دكَّت البوارج البريطانية هذه القلعة في عام 1868م، ولم يبق منها غير برج واحد. ولم يتغيّر هذا الاسم -حسب الباحث الآثاري عبدالله السليطي- إلا في مطلع القرن العشرين، ويعود الاسم الجديد إلى وجود القلعة في محلة أبو ماهر.
وتقع القلعة الثالثة في أقصى شمال المحرق، هي “قلعة سماهيج”. لم يحدِّد موقعها بدقّة ولا شكلها كما يشير تقرير الملازم بروكس. وفي الروايات الشفويّة لأهل قريتي سماهيج والدير أنّ بعضهم، شاهد خلال الغوص أسطوانات حجرية ضخمة يظهر عليها كما ولو أنها غرفة برج مراقبة.

وقلاع باقية في الذاكرة فقط
ثمّة قلاع في البحرين لا أثر لها الآن في غير الوثائق أو الروايات الشفويّة، أو ما تبقى منها من آثار لم يعد في مكانه. ومن هذه القلاع التي اندثرت، “قلعة البقشي” عند الساحل الغربي للبحرين، وكانت بمثابة ميناء تخرج منه السفن إلى العقير في السعودية. ويروي بحارون أنهم استخدموا مدافعها مراسي للسفن أو مرابط ثقيلة لحظور السمك!
ولم يبق شيء يستحق الذكر من “قلعة الزلاق” غير بابها الخشبي المحفوظ عند أسرة الغتم كما يشير الباحث السليطي. ولا من “قلعة سترة” التي تقع عند الساحل الشرقي من جزيرة سترة، وفيها حدثت وقعة المقطع العام 1815م واحتلها العمانيون ثلاثة أيام. أما “قلعة جو”، فيقال إن بعض آثارها موجود حتى الآن. بناها أحمد بن رزق في عام 1797م، وسكنها الشيخ سلمان بن أحمد قبل أن ينتقل للرفاع، حيث بنى في عام 1812م قلعة على أنقاض قلعة بناها فرير بن رحال وزير الشيخ جبارة النصوري الجبري في مكان مرتفع وآمن قرب عين ماء الحينينة العذب، واسمها اليوم قلعة الرفاع، ورسميّاً “قلعة الشيخ سلمان بن أحمد الفاتح”. مغلقة حالياً أمام الزوار.


مقالات ذات صلة

نرى المدينة ونسمع أصواتها، ولكننا قبل كل شيء نشم رائحتها. فللمدن روائح كما يخبرنا محمود درويش عندما يقول “المدن رائحة.. وكل مدينة لا تُعرفُ من رائحتها لا يُعوَّل على ذكراها”. فروائح المدن تضفي عليها شخصيتها المميزة وتحمل معها قصصاً عن شوارعها وأزقتها ومبانيها وبيوتها لتحدثنا عن ثقافتها وتاريخها وجوانب مختلفة من حركتها التجارية. حتى إن الفيلسوف الألماني جيرنو بوهمي يرى أن “المدينة من دون رائحة هي كالإنسان بدون شخصية”.

من حيث تعريفها، تتعلق التكنولوجيا البيئية ببساطة بتطبيق التكنولوجيا في إدارة النظم البيئية بكفاءة من خلال فهم الأعمال الأساسية للأنظمة البيئية الطبيعية وضمان تأمين الاحتياجات البشرية مع الحد الأدنى من الأضرار البيئية. وتُستخدم التكنولوجيا البيئية على نطاق واسع في البيئات المختلفة، ومن مجالاتها: نظم إدارة النفايات والتخلص منها، محطات معالجة الصرف الصحي المتقدِّمة، المباني الموفرة للطاقة (السكنية والصناعية)، حلول تحويل النفايات إلى طاقة، والمزارع العمودية. 

كأنَّ البشر استفاقوا فجأة واكتشفوا أن لهم أجساماً تستحق كل العناية والاهتمام، وأن يحافظوا على شبابها وقوتها، ويحموها من الترهل وهم شباب علها تبقى هكذا إلى الأبد. لا شك في أن الحفاظ على الجسم شاباً ومحاولة تخليده حُلم قديم، رافق البشر منذ فجر الحضارات. فكان جلجامش، بطل الأسطورة السومرية، أول من بحث عن أكسير الحياة. كما حنّط الفراعنة أجسامهم ليحفظوا وعاء الروح وأدواتها إلى أن يعود إلى الحياة ذات يوم. أما الحضارة الهندية فكانت تعتقد بالتقمص، أي إن الأرواح تغيِّر أوعيتها إلى ما لا نهاية.


0 تعليقات على “قلاع البحرين وحصونها”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *