مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر - ديسمبر 2023

فكرة

قرية للمسنين.. حيث يعيش السكان حياة طبيعية


مهى قمر الدين

عندما تلقت إيفون فان أميرونغن مكالمة من والدتها تخبرها فيها عن موت والدها المفاجئ، كانت أول فكرة خطرت في بالها ارتياحها من أن والدها لم يحتج الدخول إلى أي دار من دور رعاية المسنين التي كانت هي نفسها تعمل في إحداها في بلدها هولندا. ولما استغربت من ردة فعلها التلقائية هذه، أدركت أن السبب يعود إلى شعورها بالشفقة على المسنين، الذين كانوا يقضون وقتهم في تلك الدار التي تشبه المستشفى التقليدي بكل هندستها الصارمة وأرضياتها اللماعة وأجوائها التي توحي بالمرض، حيث يحمل كل شيء “رائحة عيادة طبيب الأسنان”، كما قالت.

دفعها ذلك الشعور إلى تخيل منشأة مختلفة تمامًا بحيث يمكن للمسنين أن يعيشوا في ظروف أشبه ببيئتهم الطبيعية ويستطيعون ممارسة مهماتهم اليومية، ويتفاعلون بينهم بأجواء مريحة. وعلى مدار الأعوام العشرين التالية، عملت فان أميرونغن على تأمين التمويل الذي تحتاجه لتحويل فكرتها الطموحة هذه إلى حقيقة.

فكانت النتيجة قرية هوغواي التي تقع على مشارف مدينة أمستردام، والتي باتت تُعرف بـ “قرية الزهايمر” لأنها مخصصة فقط للمسنين المصابين بمرض الخرف.

وقرية هوغواي منشأة متطورة لرعاية المسنين، يبلغ حجمها 10 ملاعب كرة قدم تقريبًا. وهي، مثلها مثل القرى النموذجية، تحتوي على حدائق ومحال تجارية وصالون للحلاقة ومستشفى وصالة للألعاب الرياضية وأماكن للترفيه، بالإضافة إلى العديد من المقاهي والمطاعم ومسرح لتقديم العروض المسرحية والحفلات الموسيقية. ومع ذلك، فهي على عكس القرى النموذجية، تتضمن كاميرات لمراقبة السكان طوال اليوم، ومقدمي رعاية بملابس عادية، وبابًا واحدًا فقط للدخول والخروج من القرية؛ وكل ذلك جزء من نظام أمني مصمم للحفاظ على أمان المجتمع الموجود في داخلها.

أمَّا عدد سكّان القرية، فيبلغ حوالي 160 مريضًا يختار كل منهم العيش في أحد منازلها البالغ عددها 23 منزلًا، بُنيت وزُيّنت بأشكال وأنماط مختلفة، ويضم كل واحد منها ستة إلى سبعة مرضى ومقدم رعاية يقوم بالطهو ويصطحب المرضى إلى المناسبات الاجتماعية، ويساعدهم على الذهاب لشراء البقالة في سوق القرية، ويراقبهم للتأكد من سلامتهم. وعلى الرغم من أنه لا يُسمح للمسنين بمغادرة القرية أبدًا، فإنه يسمح لهم باستقبال أقاربهم وأصدقائهم في أي وقت.

بشكل عام، يقوم الأشخاص الذين يعيشون في قرية هوغواي بشيء غير معتاد بالنسبة إلى المصابين بالزهايمر، فهم يقومون بما يقوم به الناس عادة في أي مكان، فيتشاركون وجبات الطعام، ويكوّنون صداقات، ويمتلكون حيوانات أليفة، ويطورون هوايات! فالهوايات في قرية هوغواي عديدة، إذ توجد بالقرب من الساحة الرئيسة لوحة إعلانية تعدد الأنشطة الجماعية لكل أسبوع، مثل: نوادي الموسيقى والبستنة والرسم والخياطة وركوب الدراجات وتنسيق الأزهار.

بعد سنوات من افتتاح هوغواي، الذي جرى في 2009م، كانت النتيجة أن المقيمين فيها احتاجوا إلى عدد أقل من الأدوية، وتغذوا بشكل أفضل، وعاشوا فترة أطول، وشعروا بسعادة أكبر من أولئك الموجودين في مراكز رعاية المسنين التقليدية. ولمَّا كان الخبراء يتوقعون أن يتضاعف عدد الأشخاص المصابين بمرض الزهايمر بحلول عام 2050م، يتطلع الكثير من المسؤولين عن رعاية مرضى الزهايمر في العالم إلى أماكن مثل قرية هوغواي كنموذج ناجح لكيفية القيام بالأشياء بشكل مختلف، وللتعامل مع البيئة الاجتماعية للمرضى كجزء لا يقل أهمية عن رعايتهم الصحية.


مقالات ذات صلة

“من الخصائص المميزة للبشر أنهم يبحثون أولًا عن أسباب الأحداث التي يرونها، بعضهم يفعل ذلك بشدة، وبعضهم بشدة أقل، ولكنهم جميعهم يفعلون ذلك؛ كي يظهروا فضولهم بحثًا عن أسباب حظهم السعيد أو السيئ”.

رغم دخول مفهوم “مدرب الحياة” إلى المشهد العالمي في ثمانينيات القرن الماضي، ليصبح شكلًا معتمدًا من أشكال العلاج بالكلام، ومن ثَمَّ انتشاره في عالمنا العربي بشكل واسع منذ زمن ليس ببعيد؛ تبقى هذه المهنة غير واضحة المعالم وغير مفهومة بالنسبة إلى شريحة واسعة من الناس.

عند الحديث عن الروابط الاجتماعية في الأوساط العلمية، ينحصر التركيز على أهمية العائلة والأقارب والأصدقاء، باعتبارهم مصدر الرفاه والسعادة والاستقرار العاطفي، ولكن نادرًا ما يظهر اهتمام بشبكة المعارف الأوسع المكونة من الأشخاص الذين يقعون في مساحة ما بين المقربين والغرباء، والذين يكون التفاعل معهم أقل تواترًا وبدرجة أدنى من الترابط العاطفي.


0 تعليقات على “قرية للمسنين”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *