مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر - ديسمبر 2023

كلمة القافلة

قبسٌ من الإنسانية كي لا يبرد العالم


ميثم ضياء الموسوي

كيف السبيل إلى استقرار النفس في عالم لا صوت فيه يعلو على ضجيج الأرقام؟ وما هي المعادلة الصحيحة للموازنة بين كفّتَين إنسانية وروبوتية؟ أين موقع الثوابت في خضمّ التغيّر اليومي المتسارع الذي يعصف بنا؟ وكيف نستطيع فهم الآخر ومعاملته إذا ظنَّ نفسه فوق مُستوى البشر؟ وأنّى أضحت قيمة الإنسان هدرًا مُضاعًا حتى صارت أرواح الأطفال الأبرياء تُتلف في مهبّ رياح المصلحة؟ أين هي الحدود الفاصلة بين هُوية الفرد وهُوية المجتمع والهُوية الإنسانية المشتركة؟ وكيف نقدّر قيمة التضحية لصالح الأسرة في ثقافة لا تعتدّ إلا بالإنجازات الفردية؟ ما هي الوسيلة لإنعاش البيئة وهي ترتجف في برد اللامبالاة ولعبة الموازنات؟ وما هو السبيل للتعامل مع التعصّب الرياضي، مثلًا، بعد أن أظهر التقدّم المادي عجزه عن كبح جماحه؟
هذه الأسئلة الوجودية التي تمسّنا في حياتنا اليومية، أفرادًا وشعوبًا، لا نتوقع أن نعثر لها على إجابات في أبحاث علم الفضاء ولا الفيزياء النسبية، ولن تنفعنا معها حتمًا “دردشة روبوتية” مُجتزأة لا تشفي غليل الروح. وليس تطوير “تلسكوب” يُضاهي تقنية “جيمس ويب” بأكبر أهمية وأسبق أولوية من تطوير “تلسكوبات” بحث تساعدنا على إيجاد إجابات ناجعة لتلك الأسئلة وغيرها.

إن إنسان اليوم، وإن أخذته العزة بتقدّمه وطار به سلطان العلوم المادية إلى أقطار السماء، ليس أقربَ بمسافة “حقيقية” من إنسان الأمس إلى فهم نفسه التي بين جنبيه؛ فهذا اللغز الذي “ينطوي فيه العالم الأكبر”، عبّر عنه ذات يوم الشاعر الألماني هاينرش هاينه قائلًا:
“إيهِ..
هلّا تكشفُ لي أُحجيَّة الحياة البشرية!
تلك الأحجيَّة القديمة المُكتظّة بالأسى
أخبرني:
ما هو الكائن البشري؟
من أين أتى؟
وإلى أين يسير؟”.

ورغم أن الواقع المُعاش فيه ما يكفي وزيادة لإيقاظ بعض البصائر من سُباتها الطويل، فلعلَّ في هذا القدر الوجيز من التأمل تذكيرًا يُعيننا جميعًا على فهم بعض مكامن القلق الذي يُساور كثيرًا من الباحثين حول العالم إزاء تراجع قيمة العلوم الإنسانية والاهتمام بها في المؤسسات الأكاديمية وعالم الأعمال. لهذا القلق ما يبرّره على أرض الواقع، ومن ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، إقدام جامعة “وست فيرجينيا” الأمريكية مؤخرًا على إغلاق 28 برنامجًا أكاديميًا في حقول اللغات والفنون وغيرها، وتبعًا لذلك إقالة 76 موظفًا بينهم أعضاء هيئة تدريس دائمين. وقد تبعتها جامعات أخرى في إقرار خطط مشابهة أو دراستها. مع الإشارة إلى أن هذه الموجة سبقها ما يُشبهها في فترات ماضية، كتلك التي شهدتها الجامعات اليابانية في 2015م.
غالبًا ما يكون السبب الذي يُساق لتبرير هذا الإهمال للعلوم الإنسانية منطلقًا من تقدير حاجة سوق العمل، أو تلبية “الاحتياج الفعلي” للمجتمع. والنتيجة المعلنة تارة والمستترة أخرى أن جوهر تلك القرارات يكمن في حسابات اقتصادية ومادية بحتة ترتبط بالعائد على الاستثمار. ولهذا، نُسلِّط مزيدًا من الأضواء على “الأزمة الوجودية” التي تواجهها العلوم الإنسانية وعواقبها في قضية هذا العدد، الذي يصدر لحُسن الحظ عقب انقضاء أيام وجيزة من انعقاد مؤتمر الرياض الدولي للفلسفة 2023، حيث كان الإنسان والقيم والأخلاق محور النقاش “في ظل العالم التواصلي بشروطه الجديدة”.

لا شكّ أن العودة إلى “اكتِنَاه” الجوهر الإنساني بمجهر البحث، التي يحرِّض عليها المؤتمر ويهتف بها مناصرو العلوم الإنسانية في أصقاع الأرض، هي ضرورة قُصوى لضبط البوصلة وتحديد المسار الذي نسير به نحو المستقبل، وما ذلك إلا روحٌ من المعنى ينبغي أن تُنفَخ في الجسم المادي-الروبوتي للحضارة الجديدة. وإذا كان النجم، الذي يتناوله ملفّ هذا العدد، هو النبراس الذي اهتدى به آباؤنا العرب الأوائل، فقد تكون “الإنسانيات” نُجومًا يُهتدى بها ونحن نقطع فيافي أرهبَ من صحرائهم ونخوض عُتَمًا أخوفَ من عُتمتهم. وما التفريط بـ”الأخلاق” وبيعها بثمن بخس مع التحديات الراهنة بأشد جنونًا من فكرة “بيع نجوم السماء”، كما جاء في سياق الملف.

إذا عُدنا إلى الإنسان، ربما نعرف كيف نتعامل عمليًا مع واقع الدين العالمي المرتفع، بين كومة مشكلات باتت تَقرَع سمع العالم وتُوبِّخ أفئدة البشر، إذ يتطرّق لذلك باب “طاقة وبناء” في هذا العدد. ولعل استكشاف الداخل البشري يُعيننا على معرفة جواب السؤال: “ما الذي حلّ بحُسن الذوق في العالم؟”، الذي يتناوله باب “آفاق” من هذا العدد. وربما نهتدي أيضًا إلى حلول جذرية إزاء موجات الزيف في “حقبة ما بعد الحقيقة”، بما في ذلك أخبار الاكتشافات العلمية المزعومة.

وربما، إذا عُدنا إلى الإنسان، فبوسعنا أن نعرف حقًا لماذا يتحتَّم علينا إغاثة أخٍ منكوب حتى وإن كدَّر ذلك بعض صفو اللذة الزائلة، أو جرَّ على النفس بعض الضرر المُحتمَل. وربما بهذه العودة نستطيع أن ننظر إلى استضافة الرياض عاصمة المملكة لـ”إكسبو” 2030م، الخبر الذي عمّت البُشرى به الأرجاء قريبًا، بعين أخرى تمنحها معنى عميقًا متساميًا؛ معنًى مُختلفًا عن حسابات الربح والخسارة المادية المُجرّدة، وغير مقيّد بأغلال الحدود على خرائط الجغرافيا. ربّما تمنحنا تلك العين البشرية، بقُدرتها الفعلية المحدودة وما وراءها من خيال واسع محلِّق، فرحة وجدانية عارمة تُشبه فرحة العرب الحاتميّين حين يجرُّ ضوء النار ضيفًا إلى جوارهم!


مقالات ذات صلة

الكون حولنا مليءٌ بالبدايات الجديدة. ولعلَّنا نحن البشر قد اكتسبنا تعلُّقنا بـ “بداية جديدة” من تأملنا في هذا الكون الفسيح حتى صارت جزءًا منَّا..

كثيرًا ما يتوقف الإنسان منبهرًا أمام مجموعة من السلوكيّات التي تؤديها الحيوانات، ومن الطبيعي أن يقوده انبهاره إلى مجموعة من الأسئلة: هل الحيوانات كائنات ذكيّة؟ وما الدلائل التي تشير إلى هذا النوع من الذكاء؟

للنص الفلسفي سلطة وسحر على القارئ حتى لو لم يكن مفهومًا، بل قد يكون عدم الفهم هو سبب هذه العلاقة الأزلية مع الفلسفة.


0 تعليقات على “قبسٌ من الإنسانية كي لا يبرد العالم”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *