مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر – ديسمبر | 2019

فِلْم “عودة”..
الطريق مصدر الخوف وفضاء للبوح


مصلح جميل

عبر تاريخ السينما تشكَّلت أجناس فنية مختلفة للأفلام، مثلها مثل الأدب والرسم وغيرها من الفنون. وتُعدُّ أفلام الطريق من أهم الأجناس السينمائية، حيث تدور أحداث القصة في العادة على الطريق، أياً كانت وجهته ومدَّة الرحلة والهدف منها. وخلال الرحلة، سواء أكانت مغادرة أو عودة، تتغيَّر الشخصيات وتختبر أفكارها وقناعاتها، وتتكشف لها عوالم جديدة.

يمكن تصنيف فِلْم “عودة”، للمخرج أنس الحميد، والحائز النخلة الذهبية لفئة أفلام الطلبة في مسابقة أفلام السعودية في نسخته السادسة، بفلم طريق تدور أحداثه في يوم واحد. إذ يُفتتح الفِلْم بمشهد لفتاة تخرج من مقر عملها لتركب سيارتها وتغادر مواقف المبنى (الممثلة رزان طارق). 
ثم في لقطة داخل السيارة، حيث ستدور أحداث الفلم، تأخذنا الكاميرا في لقطة مقرَّبة إلى بيت شعر من قصيدة محمود درويش “فكِّر بغيرك”، منقوش على قطعة خشبية صغيرة ومعلَّق بمرآة السيارة: “وأنت تعود إلى البيت بيتك فكِّر بغيرك، لا تنس شعب الخيام”. ثم في لقطة جوية تالية، نرى البطلة “رزان” تقود سيارتها على طريقٍ ريفي، ثم تتوقف بجانب سيارة البطل “عودة” المعطلة على جانب الطريق (الممثل وائل غبيش). وفي حوار مقتضب، يرفض البطل أن يركب، لتتركه ولكن في اللقطة التالية نرى البطل وقد اضطر للركوب معها لحاجته إلى إصلاح مولد الكهرباء في المدينة، لاعتماده التام عليه في بيته في قريته “الهامل” التي تبعد 150 كيلومتراً عن جدة. وما جدة هنا إلا رمزاً لكل المدن، والهامل رمز لحياة مختلفة وبسيطة. 

قصة سعودية معاصرة
الفِلْم الذي كتب نصه ماجد الأهدل وعبدالرحمن القرني لم يصرِّح بفترة زمنية محدَّدة، ولكن يتضح لنا أن القصة تحدث في السنتين الأخيرتين، وذلك بناءً على طراز السيارة الحديث للبطلة، ولأننا نرى فتاة سعودية تقود سيارتها بشكل نظامي، مما يعني أن القصة تحدث في فترة ما بعد قرار السماح بقيادة المرأة للسيارة. ولأن هذه القضية ليست محور الفِلْم، كان التنويه عنها لمحةً ذكيةً من المخرج، حيث أشار للجدل حول قضية قيادة المرأة للسيارة التي بقيت قضية محلية شائكة لعدة عقود، إذ تسأل البطلة رزان الشاب عودة: “هل رفضت ركوب السيارة معي في البداية لأنني بنت تسوق السيارة؟”. فيجيب بالنفي، ويذكر أن والدته تقود السيارة منذ وَعي على الحياة ولكنَّ هناك سبباً آخر للرفض!

الطريق مصدر الخوف
الطريق الذي يربط بين القرية والمدينة هو مصدر خوف عودة الذي يصفه: “الطريق اللي يودِّي ولا يجيب”. طريق سلكه كثير من أقربائه ولم يعودوا إلى عالمهم، قرية الهامل. 
ولكن عودة، الذي سمَّاه والده على اسم عمه الذي أخذه الطريق ذات يوم، يشعر أن هذا الاسم تعويذة تحميه من الموت وتجعل الطريق مديناً له بالعودة للهامل في كل مرَّة يغادر فيها. ولكن خوف عدم العودة موجود دائماً. 
أما بالنسبة لرزان فإنها تصالحت مع هذا الطريق نفسه. تسلكه كل يوم من المدينة إلى مقر عملها، وهو طريقٌ واحدٌ من بين مئة طرق أخرى تخافها، إنه مجاز ورمز لكل طرق الحياة كما تقول لعودة: “الطريق اللي تخاف منه موجود عندنا. اللي توظَّف واللي اختفى واللي غاص. على الأقل أنت تخاف من طريق واحد، وأنا أخاف من مية طريق وطريق وكل طريق مخيف أكثر من الثاني، ولا أدرى فين ممكن تكون خطوتي الجاية. كلنا نخاف أن نضيع”.

الرحلة فرصة للبوح 
تشكِّل رحلة الذهاب والعودة للبطلين فرصة للبوح بالمخاوف الشخصية واكتشاف شخصية أخرى مختلفة، أكثر منها رحلة تغيير. حيث تدور حوارات الفلم داخل السيارة بشكل أريحي، حين وجد كل شخص في الآخر الغريب فرصة للبوح: “قلت كلام كثير في نفسي من سنين. وصدفة مثل هذي، واحد مثلي ممكن يعيش عمره ويخلص ولا يحصل فرصة يتكلم” كما يقول عودة، الذي اكتشف أن رزان تختلف عن أهل المدينة الذين يصفهم بأنهم “متشابهون وملامحهم رمادية وعيونهم باردة زي الحصى”. بينما عرفت رزان أن حياة القرية “حياة حلوة” وأسلوب حياة مختلف، لأهلها أفكارهم وقيمهم. وتؤمن أن ما حدث من لقاء بينهما وتقديم المساعدة لعودة ليس صدفة: “ما فيه شيء اسمه صدفة، يعني كل شيء يصير لحكمة ما أو لسبب ما”. 
في المشهد الختامي للفِلْم، يصل البطلان إلى منزل عودة ليلاً. يضعان نهاية لرحلة قصيرة بتبادل كلمات الشكر عن تجربة فريدة مرَّ كل واحدٍ منهما بها. وفي الخلفية منزل عودة بلا كهرباء، ليضيء مصباح من داخله بعد أن أشعل مولد الكهرباء وأغلق بابه. تُشاهدُه البطلة في مرآة السيارة الجانبية وهي تبتعد عن البيت القروي في الهامل. وبهذا المشهد الختامي، وهذه النهاية، لا يمكننا إلا أن نتذكَّر خاتمة قصيدة محمود درويش وكأنها تصف ما قامت به رزان بطريقة مختلفة “وأنت تفكر بالآخرين البعيدين، فكر بنفسك، قل ليتني شمعة في الظلام”.

المخرج أنس الحميد
• أنس الحميد، مخرج سعودي تخرج في كلية الشريعة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.
• له عدة أفلام سينمائية، بدأ مسيرته الفنية منذ العام 2014م، أخرج خلالها عدداً من الأفلام الوثائقية والدرامية، وكان آخرها فِلْم “عودة”، الذي قُبل للعرض في مهرجان “كان” السينمائي في فئة الأفلام القصيرة وعدد من المهرجانات العربية الأخرى.


مقالات ذات صلة

يقول الممثل روبرت دي نيرو، إن فن التمثيل هو “ذلك العالم الذي يتيح لك أن تحيا حياة الآخرين، من دون أن تكون مضطراً لأن تدفع الثمن”. وبفعل عيش حياة الآخرين ودراسة شخصياتهم في العمق، تتكوَّن لدى بعض السينمائيين وجهات نظر وأفكار على مستوى من دقَّة الملاحظة والحِكْمة يرى البعض أنها ترتقي إلى مشارف الفلسفة.

رغم انتشار ترجمات معلّقات الشعر الجاهلي وشهرتها في الثقافات الغربية، واعتبارها مصدراً للشعر العربي والغربي، إلا أن هناك عدداً قليلاً من الترجمات الكاملة والمتسقة لهذه المعلَّقات، بل لا تخلو هذه الترجمات من بعض الملاحظات السلبية، كعدم تمكُّن المترجم من الوصول إلى معنى النص أو بقائه في حيز أكاديمي بحت.

يقع متعلِّمو اللغة الإنجليزية أو اللغة العربية على كلمات يألفونها ويودّون لو يستخدمونها في أحاديثهم وكتاباتهم ولكنها لا تجري على ألسنتهم أبداً! مثلاً، يُصادف متعلِّم اللغة العربية (وهذا ينطبق على الإنجليزية) كلمات من قبيل (يعدل عن قراره) أو (يرتاد المقاهي)، ولكنه لا يستطيع أن يوظّف كلمتي (يعدل عن) أو (يرتاد) في لغته الخاصة رغم معرفته لمعانيها؟ فما المشكلة المتسببة في ذلك؟ وما الطرائق لحلها؟


0 تعليقات على “فِلْم “عودة”..”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *