مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر – ديسمبر | 2019

في مستقبل الفكر العربيّ


عبدالإله بلقزيز
أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي جامعة الحسن الثاني في المغرب

مطْلبان رئيسان يؤسس تحقيقُهُما الأرضيّةَ الصلبة والمداميكَ الأساسية التي يكون عليها مبْنَى مستقبل الفكر العربيّ، هما؛ الاستيعاب النقديّ للمعارف الموروثة والمعاصرة، والنجاعة في جَبْه معضلات الاجتماع العربيّ ومشكلاته الداخليّة وعلاقاته بمحيطيْه الإقليميّ والدوليّ. والمطْلبان ذيْناك إنّما يعنيان أنّ مستقبل الفكر العربيّ رهنٌ بمدى قدرته على الفعاليّة والتدخّل الناجع في حياة الجماعة العربيّة والجواب عن إعضالاتها، وأنّ القدرة هذه وقفٌ على نجاح الفكر في إعادة إعمار كيانه معرفياً من طريق استيعاب تراثات الفكر الإنسانيّ والتفاعُل معها تفاعُلاً نقدياً.
في قائمة المعارف والتراثات التي تفرض نفسَها على الفكر العربي، وتستدعي الحاجة إلى استيعاب نقديّ لمعطياتها، التراث العربي الإسلامي والتراث الفكريّ الغرْبيّ، وهاذان معاً يشكّلان، اليوم، إطارين مرجعيَّيْن للفكر العربيّ المعاصر.

لماذا الاستيعاب النقدي؟
أوّلاً، لأنه استيعاب، بمعنى إقبال على تلقّي المعطى الفكريّ، القديم والحديث، ومعرفته معرفةً حقّة وليس جهلَه والإعراضَ عنه. لكنّ الاستيعاب وحدهُ لا يكفي إن لم يُؤَخَذ المستوعَبُ بعقلٍ نقدي، وإلاّ فالنتيجة أنّ الاستيعاب ينتهي إلى التسليم بأنّ المستوعَب يقينيٌّ حكماً. هذا ما يقودنا – في حال الاستيعاب غير النقديّ – إمّا إلى أن نصطدم بعقل تراثويّ ماضويّ مغلَق، أو بعقل غربويّ اتّباعي أعمى، وكلاهما يُنْكر الآخر ويطَّرحه.
وثانياً، لأنّ نقديَّة الفكر هي ما يسمح بأن يُسْتَوْعَب المُعطى التراثي والغربيّ في نطاق شروطهما التاريخيّة الخاصّة، فلا نُسْقِط فكر الأقدمين أو فكر المعاصرين (الغربيين) على أوضاعنا التي قد لا تكون مشابهة لأوضاعهم. إذا كان للاستيعاب النقدي للتراث والغرب من فضيلة، فهي أنّه يجنّبنا السقوط في مطبّ نزعتيْن ممجوجتيْن ومَرَضيَّتَيْن: النزعة التبجيليّة والنزعة القدحيّة. تبجيل التراث والغرب وتقديسُهما هو رديفُ القدح فيهما وتحقيرهما في النتائج؛ إنّه يقود إلى عدم الفهم وبالتالي إما إلى رفضهما كلّيةً أو استنساخهما؛ والرفض العدميّ والاستنساخ كلاهما قرينة على وعي لا تاريخيّ. وعليه، من شأن العمل بقاعدة الاستيعاب النقديّ للمعارف أن تُمكّن الفكر العربيّ المعاصر من فرص إعادة إعمار كيانه معرفيّاً؛ بالقيم النقديّة والنسبيّة في التفكير وبالوعي التاريخيّ.
كما أنّ الفكر العربيّ لن ينجح في ارتياد المستقبل وفي الصيرورة فكراً حيّاً فاعلاً إن هو لم يتقدّم على طريق الانهمام بقضايا المجتمعات العربيّة ومشكلاتها ومصائرها؛ في داخلها كما في صلاتها بالإقليم والعالم، ويسهم في اجتراحِ أجوبة ناجعة عن المشكلات تلك تساعد في توفير حلول ومعالجات فعّالة لها. إنّ اعتكافة الفكر العربيّ على مشكلات الفكر، حصراً، والإعراض عن مشكلات الاجتماع والسياسة والاقتصاد والتنمية ظاهرة لا تُؤْذن بمستقبل له على مثال مستقبل أيّ فكرٍ ينشد الفاعليّة. إنّ المحيط العام يمور بالتناقضات والمشكلات التي تفترض ردَّ العقل العربيّ عليها، ووضْعَ منتوجه الفكري رهن الاستخدام من قِبل السياسات العامّة لاجتراح الحلول. وليس قليلاً ما تعنيه اليوم مشكلات مثل الفقر، والأميّة، والتهميش، والتفاوت في الفُرص، وعدم التكافؤ بين الجنسيْن، والإرهاب، والمخاطر التي تتهدّد الأمن القوميّ من مصادر التهديد الخارجيّة، الإقليميّة والدوليّة، ومشكلات التعليم، وبطالة الخرّيجين، وحقوق المواطنة … بالنسبة إلى المجتمعات والدول العربيّة. كما أنّه ليس قليلاً ما تعنيه أزمات العلاقات بين الوطـن العربيّ ودول الجوار الإقليميّ والقوى الكبرى في العالم، بالنسبة إلى المصير العربيّ برمّتــه. لذلك لا مندوحـة للمفكرين العرب عن المساهمة في التصدّي الفعّال لمشكلات أوطانهم، وتوفير المادّة المعرفيّة المناسبة عنها بما يضع بين يدي السياسات العامّة موارد حيّة للجواب السياسيّ عنها. إنّ هذا التحدّي وحدهُ يَزِن الفكر العربيّ في ميزان المفعوليّة ويقيس درجة منفعته وإنتاجيّته.
بقي أن نشير إلى أنّ ذينك المطلبين (الاستيعاب النقديّ والنجاعة) يفرضان نفسيهمـا على الفكر العربيّ، مغرباً ومشرقاً، وأن التقدّم نحو تحقيقهما بقدر ما يفترض حواراً عميقاً بين مفكّري المشرق والمغرب، تُتَبادل فيه الخبْرات ويكمِّل الواحد منهما الآخر (نظراً إلى اختلاف المرجعيّات الفكريّةِ الغربيّة: الفرنكفونيّة والأنجلوفونيّة)، يفضي – في الوقت عينه – إلى جَسْر الفجوة بينهما؛ الفجوة التي لا يَسُدُّها إلاّ الاجتماع على قضيّة مشتركة جامعة: مصير الوطن العربيّ ومستقبله.


مقالات ذات صلة

يَصعبُ على مؤرِّخي الفكر تحديد الانطلاقة الأولى للفكر العربي الحديث، غير أن المرجّح أن بداياته تزامنت مع سقوط الدولة العثمانية بسبب مواقفها الرافضة للتجدّد والتحديث، إذ كانت السمة الطاغية على تلك الحضارة رفض آلة الطباعة وغياب الحركة الفكرية عن المشهد الثقافي عامة. فكيف انطلق الفكر العربي الحديث؟ وما هي التحوُّلات التي شهدها ما بين أواسط […]

ما إن أعلنت منظمة اليونيسكو أن محور احتفالية اليوم العالمي للغة العربية لهذا العام 2019 هو “اللغة العربية والذكاء الاصطناعي”حتى أصبح القوم العرب في حيص بيص! إذ لم نحسم مشكلاتنا التقليدية في مجال التنافسية اللغوية حتى الآن، فكيف بنا ونحن ذاهبون بأعبائنا المؤجلة إلى مستقبل الذكاء الاصطناعي؟! لغتنا العربية تمر منذ عقود بصدمات متوالية، لا […]

بقدر ما يشعر المرء أمام أعمال الفنانة التشكيلية سيما آل عبدالحي بالمعاصرة والحداثة، يشعر في الوقت نفسه بدفق التاريخ الجمالي الشرقي وعراقته، المدعَّم بالألوان والنقوش “الكهوفية” العتيقة. فهي تبني عالمها التشكيلي بحيث يبقى على اتصال بالموروث الثقافي والفني، ولكن بلغة شكلية معاصرة تستند إلى المفاهيمية حيناً، وتركن إلى التجريدية التعبيرية والتجريدية الرمزية أحياناً أخرى. وفي […]


0 تعليقات على “في مستقبل الفكر العربي”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *