مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو – يونيو | 2024

في التعليم الرقمي

الطريق قبل الصديق!


د. غسّان مراد

يرتكز التوازن الرقميّ على أمرَين أساسين متلازمَين، وفقًا لمعادلة “التعليم أساس التنمية”: التعليم بمعناه الإبستمولوجي كقوّة فاعلة للتغيير؛ أي كل ما يتعلق باكتساب المعرفة وفهمها (أي التغيير في النظرة إلى طبيعة المعرفة العلمية ومسلماتها وحدودها وأهدافها)، والتنمية التي يُفترض بها أن تستثمر المعرفة المكتسبة في المجالات كافة. فالتعليم يحسّن الصحة وسُبل العيش، ويُسهم في الاستقرار الاجتماعي، ويحفّز النموّ الاقتصادي على المدى الطويل، ويهدف إلى التنمية المستدامة التي اعتمدتها منظمة اليونسكو.

مرّت الرقمنة بمراحل عديدة: من الويب 1 (التشبيك السلبي) حيث التلقي باتّجاه واحد؛ إلى الويب 2 (التشبيك التفاعلي)، أي من الكلّ إلى الكلّ؛ وصولًا إلى الويب 3 (التشبيك الذكي)، الذي لا يقتصر على تفاعل الأشخاص فقط، بل على تفاعل البيانات. هذا التشبيك الذي يعتمد خوارزميات الذكاء الاصطناعي، أدّى إلى تغيير جذريّ في إستراتيجيات التعليم، التي باتت المحرّك الأساس للمنظومة التنمويّة الثقافيّة، بوصفها طريقة شاملة في الحياة.

فما هي فوائد ومخاطر دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم؟ ما زالت الآراء والتجارب غير ثابتة فيما يتعلّق بأهمية التقنيات في التعليم. ولكنّها موجودة، وعلينا التعامل معها على هذا الأساس. وإدخالها دون منهجيّة تتناسب معها غير ممكن، وحظرها غير ممكن أيضًا. كما نعلم أن العلوم التي تتعلّق بالفكر وبسلوكيّة الأفراد، كالعلوم التربويّة، تختلف عن العلوم البحتة؛ لأنها من الصعب أن تتّبع نظامًا حسابيًا ومعادلات وقوانين ثابتة تُطبّق على الجميع بشكلٍ موازٍ.

وما يُمكن أن تُتيحه تطبيقات الذكاء الاصطناعي من مهارات، ما زال بحاجة إلى ملاحظة، لكي يُبنى على الشيء مقتضاه، ومن ثَمَّ يكون بمقدورنا تحديد بعض المفاهيم، التي على أساسها ستُبنى الأُسس النظريّة. وهذا يتعلّق بتخصيص تجارب التعليم، وملاحظة ما يوفّر الفرصة للاستجابة خصوصًا لاحتياجات الطلاب فرديًا وجماعيًا، ثم تحديد احتياجات المعلّمين، وبالتالي تحديد احتياجات المنظومة الإدارية.

وما يُمكن أن تُتيحه تطبيقات الذكاء الاصطناعي من مهارات، ما زال بحاجة إلى ملاحظة، لكي يُبنى على الشيء مقتضاه، ومن ثَمَّ يكون بمقدورنا تحديد بعض المفاهيم، التي على أساسها ستُبنى الأُسس النظريّة. وهذا يتعلّق بتخصيص تجارب التعليم، وملاحظة ما يوفّر الفرصة للاستجابة خصوصًا لاحتياجات الطلاب فرديًا وجماعيًا، ثم تحديد احتياجات المعلّمين، وبالتالي تحديد احتياجات المنظومة الإدارية.

يوجد الكثير من التطبيقات التي تفيد في التعليم، شرط الالتزام بمنهجية تتبع معايير تتناسب مع ثورة الذكاء الاصطناعي. حاليًا نحن في مرحلة تتسابق فيها المؤسّسات كافّة؛ لإنتاج تطبيقات تستخدم برمجيّات الذكاء الاصطناعي في التعليم، نذكر منها: المناهج التعليميّة، وطرق التدريس، وأتمتة تصحيح الامتحانات، وإدارة الصفّ، والمساعدة في تحرير الرسائل الإلكترونيّة بحسب المُرسل إليه (Magieschool.ai)، وبناء خطط مرتبطة باحتياجات كلّ طالب في الصفّ، وتوليد أمثلة لنصوص ليعمل عليها الطلاب “مثلًا”: (Copilot)، وتوليد مخطط المقرّر بحسب الهدف التعليمي “مثلًا” (Sydologie ou eduaide.ai)، وضبط مستوى صعوبة التمارين تلقائيًا بناءً على أداء الطالب، وتوليد نصوص للطلّاب تتناسب مع عدّة مستويات، وتوليد أمثلة وأسئلة تتعلّق بالنصّ المولد (Diffit)، والمساعدة في تحرير الدرس وتوليد الصور (Canva ou Tome)، وإنشاء نصوص تشبه الكلمات المتقاطعة (Nolej)، وتصحيح النصوص، وتقييم أعمال الطلاب بعضهم لبعض (Grodscope)، وأيضًا تحسين الأسلوب والقواعد النحويّة والتلخيص الآلي للنصوص (Bing أو Chatgpt).

وفيما يتعلّق بالمِنصّات التعليميّة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، نذكر على سبيل المثال:

• التعلّم الذاتيّ (Altitude Learning): يركّز على المُتعلّم مع مساعدة المُعلم.

• Cognii: منصة ملائمة للتقييم، تكمن أهميّتها في التعلّم والإجابة عن أسئلة مفتوحة وتطبيقيّة تعتمد على حوسبة اللغة.

• Centry: تجمع بين علوم الأعصاب وتحليل البيانات؛ لإنشاء برنامج تدريسي محدّد لكل طالب، بحسب مستواه، ويسمح للمعلّم بمتابعة الطلاب.

ويُضاف إلى هذه التطبيقات برامج الترجمة الآليّة والتنقيب عن المعلومات والتلخيص الآلي وإنتاج الصور. في المحصلة، يجب أن نروِّض هذه التطبيقات بدلًا من أن تروّضنا. ولكن كيف نستفيد فعليًا من هذه التطبيقات؟

نموذج فكري يتناسب مع التغيير

إذًا، نحن بحاجة إلى “بارادايم” جديد في التعليم يتناسب مع التغيير الناجم عن إدخال التقنيّات الرقميّة إلى حياتنا. يُعدُّ هذا النموذج الفكري التربوي المُستحدث ثورة في التعليم، من المُفترض يشكّل تطويعًا للمفاهيم بما يتوافق مع التقنيّات، ويكون ركيزة للتعلّم في المستقبل. وينقلنا من التلقين إلى المشاركة، ومن العمل الفردي إلى العمل الجماعي، ومن التقييم المُغلق إلى التقييم المفتوح. وبناءً عليه، يجب التخلّي عن التلقين باتجاه واحد؛ لأنه يؤدي إلى استهلاك المعلومات وحفظها دون إعادة استخدامها، والتركيز على المعرفة وليس على المعلومات. وهكذا، نحاول الانتقال من التعليم العمودي إلى التعليم الأفقي؛ أي أن يشارك المتعلّم في بناء المادة التعليميّة. أيضًا يمكن بناء نظام امتحانات مفتوح، مع مصادر مفتوحة لأسئلة مفتوحة، على أن يجري التقييم على أساس معرفة كيفيّة اكتساب المتعلّم للمعرفة وتوظيفها وقدرته على إعادة إنتاج المعلومة.

كل ذلك، يتطلّب إعطاء الكفاءة اللازمة للمعلّم. كأن يمارس إدارة المعرفة داخل قاعة التدريس، ويُوجّه العمل الجماعي، وأن يكون مُلمًا بالتقنيّات. وأن يختار المتعلّم مساقاته التعليميّة بما يتوافق مع رؤيته، مع التوجيه التربوي؛ أي أن يكون منفتحًا. ولتأمين التوازن الرقمي، على الإدارة أيضًا التخلي عن البيروقراطية الورقيّة.

مخاطر الذكاء الاصطناعي في التعليم

في جانب المخاطر، هناك قلق من دور الذكاء الاصطناعي في تجريد تجربة التعلّم من إنسانيتها، فهذه البرامج هي التي تدير المحتوى وتحدّد مسار التعليم؛ لذلك لا يمكن أن تشعر وتستشعر الفروقات كما يحسّ المعلّم عند وجود شائبة معينة عند الطلاب.

وهناك خشية من تدني المعايير الأكاديميّة، فبعض السلوكيات المستجدّة، قد تطرح خوفًا من أن تصبح المهارات والكفاءات عند الطلّاب منخفضة ومحدودة ضمن معايير وقياسات كميّة، وهو ما قد يؤدي إلى إهمال التعدديّة واختلافات المواهب، والأسلوب والاهتمامات الفرديّة وضياع الإبداع والابتكار الناجم عن التربية. كما أن هذه البرمجيّات قد تؤدي إلى البحث الدائم عن الأجوبة الصحيحة، بدل الفهم العميق للمفاهيم. بالإضافة إلى مشكلات السرقة العلميّة القائمة على النسخ واللّصق؛ أي ضعف في عمليّة البحث والتفكير والتنقيب عن أجوبة فرديّة غير معياريّة. فلا يمكن أن يتطوّر الدماغ البشري من دون “هضم” المعرفة.

وبينما يسهّل الذكاء الاصطناعي عمليّة البحث وكتابة الأعمال الأكاديميّة، فإنه يمكن أن يحدّ من طرح الأسئلة والتحليل والنقد وتطوير الأفكار الذاتيّة. ولن يتمكّن البعض من الوصول إلى التقنيّات، وهو ما قد يؤدي إلى فجوة رقمية ومعرفية.

وتهدد البرمجيّات بانتهاك خصوصية البيانات وأمنها، فهي تطلب معلومات شخصية تُستخدم من قِبَل من يريد ذلك. كما أن الفيديوهات والصور تُعطي معلومات عن بيئة المتعلّم وعاداته.

التعلّم البشري هو آلية معقّدة تنطوي على جوانب معرفية وذهنية واجتماعية وأحاسيس. لا يمكن أن يحلّ الذكاء الاصطناعي مكان التفاعل البشري في التعليم، فالأول يهتمّ بالمعرفة فقط، أمَّا كلّ ما يتعلّق بالحالة السلوكيّة والمشاعر والعلاقات الاجتماعية والتجارب العلميّة بين الطلّاب وتبادل الآراء والعمل في فِرق، فهو غير متاح من قبل الذكاء الاصطناعي، وهذا يحدّ من الإبداع والابتكار.

والسؤال الآن: هل هناك حدّ للتوازن الرقمي أو حدّ للإفراط في الاستخدام في مجال التعليم؟ حتى الآن، الأمر لا يزال غير واضح. وهناك حالة من التخبط المفاهيمي؛ لأن تطور التطبيقات سبق بناء المفاهيم. والتكنولوجيا موجودة، ونحن مجبرون على التعامل معها.

ويبقى أن التقنيّات تبنينا ونبنيها. المهمّ أن نعرف ماذا نفعل بها، وماذا تفعل بنا.


مقالات ذات صلة

في غضون جيل واحد فقط، استطاعت التقنية الرقمية تغيير نظرتنا إلى العالم. فالتطورات الرقمية والتحسُّن السريع في وسائل الاتصال، يتيح لنا فرصًا جديدة، ولكنه يخلق أيضًا تحديات في جميع جوانب حياتنا.

برنامج الاتزان الرقمي العالمي “سينك”، والذي يهدف إلى تعزيز الاتزان الرقمي وتشجيع الحفاظ على علاقة صحية ومتوازنة بين التقنية الرقمية وصحتنا النفسية والبدنية.

وفقًا لبيانات من مركز “بيو للأبحاث” الأمريكي، يمتلك ما يقرب من 1 من كل 5 أطفال دون سن 12 عامًا في الولايات المتحدة الأمريكية، هاتفًا ذكيًّا خاصًّا به، وقد حصل أكثر من نصف هؤلاء على هواتفهم بين الأعمار 9 و11 سنة.


0 تعليقات على “في التعليم الرقمي”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *