مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر – ديسمبر | 2019

فكرٌ عربيُّ جديد وذكاءٌ تكنولوجي


رئيس التحرير

مؤخراً، كتب براين كانتويل، المتخصص في الذكاء الاصطناعي والبشري في جامعة تورنتو مقالاً في مجلة “ساينتفك أمريكان” بعنوان: ما الذي يفتقر إليه الذكاء الاصطناعي حتى الآن؟ وأجاب عن السؤال من خلال وصف المرحلتين اللتين مرّ بهما هذا الذكاء، كان الذكاء في بدايته يستند إلى مقولة الفيلسوف توماس هوبز: “العقلُ … للحساب فقط”، ومرتبطاً بآليات القياس المنطقي الكلاسيكي في عبارة: “كل البشر ميتون، سقراط إنسان، إذن سقراط سيموت”. أما في المرحلة الثانية، فقد أصبحت آلياته أكثر تعقيداً، تستخدم الاستدلال، وتستند إلى كميات هائلة من البيانات، وتحتفظ بعددٍ كبير من التفاصيل.
ولكن، بقي الذكاء الاصطناعي في مرحلتيه شكلاً من أشكال الحساب. إذ إنه لم يصل حتى الآن إلى مستوى قدرات الإنسان العقلية، أو حتى اقترب من التفوق عليها. لماذا؟ يجيب الكاتب: “لأنَّ للإنسان مَلَكة الحكم والتمييز”، تلك التي تكوّن قراراته وآراءه من خلال التمييز والمقاربة.
الذكاء الاصطناعي الذي يمثّلُ جزءاً من الثورة الصناعية الرابعة التي تجري الآن، لا يزال مندفعاً بقوة في كافة مجالات الحياة، ومثيراً لنقاشٍ مستمر عن مستقبله وعلاقته بالذكاء البشري، وجاذباً للدول والأفراد إلى مواجهته والإفادة من إمكاناته الهائلة في تحسين الأداء، وتوفير الوقت، وتقليل الجهد، ومن ثم الوصول إلى حياةٍ أفضل.
أسفر تداخل هذه الإمكانات التكنولوجية مع القدرات البشرية عن رؤى مُبتكرة وخلّاقة في مجالات إنسانية متنوِّعة. ففي اللغة، استطاع المتخصصون في هذا المجال أن يفكُّوا بعضاً من رموز اللغة المعقَّدة، وأن يستفيدوا من إمكاناتها في مجالات عديدة. وبالطبع، لم تكن اللغة العربية بعيدة عن هذا السياق. فقد حقَّقت هذه التكنولوجيا حتى الآن تقدماً جيداً في التفاعل معها، كشفت بعض ملامحه جلسة النقاش التي نظَّمتها القافلة مؤخراً “مستقبل اللغة بين الذكاء البشري والاصطناعي”، وانعكس هذا التقدُّم على شعار اليونيسكو لليوم العالمي للغة العربية المقبل “اللغة العربية والذكاء الاصطناعي”.
ماذا عن الفكر؟ لعل ما استنتجه براين هو الجواب. فالعقلُ بما فيه من مَلَكات فريدة سيبقى متفرِّداً في تقديم الفكر والرؤى الإنسانية، وسيظل آلة مؤثرة في التكنولوجيا ومنتجاً للثقافة مهما اختلفت، “فالإنسان متعدِّد في الثقافة ولكنه واحد في العقل” كما يقول جورج طرابيشي. ولكن عن أيّ عقلٍ مُنتج نتحدَّث؟ هل هو العقلُ الذي وصفه المفكِّر محمد عابد الجابري “من دون عقلٍ جديدٍ لا يمكن أن يقوم اجتهادٌ جديد”؟
هو كذلك، فالاجتهادات الجديدة تأتي من جهودٍ فكرية عصرية، تتطلَّع إلى المستقبل، وتتجدَّد بتجدّد التكنولوجيا، وأبرز مثالٍ عنها هي جهود مؤسسة الفكر العربي، المؤسسة التي انطلقت قبل عقدين بمبادرة من رئيسها الأمير خالد الفيصل، وأصبحت اليوم نموذجاً ثقافياً عربياً مُنتجاً وفاعلاً، يتبنى قيم الفكـر والحـوار والانفتـاح، ويعزِّز الوعي بالهوية واللغة والانتماء.
وهي اليوم، بقيادة الأمير خالد، تدعو إلى استشراف المستقبل برؤى مبتكرة وخلّاقة، وإرساء أسس فكرٍ تنويريٍّ قادرٍ على التأثير الإيجابيّ، يواجه الثورة العلمية والتكنولوجية العالمية الراهنة، ويستفيد منها ويؤثِّر فيها، وتقدّم في مؤتمرها السابع عشر المقام في مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء)، دعوة متجدّدة وطموحة لكل أبناء الوطن العربي وهي “نحو فكرٍ عربيٍّ جديد”.


مقالات ذات صلة

نشرت قناة العربية مؤخراً تقريراً تلفزيونياً تحدَّث عن تطوّرات تحضير لقاح ضد فيروس الكورونا المستجد، طرح فيه مقدِّم التقرير سؤالاً للفت الانتباه، وقال: ماذا عن الإبرة؟ ليجيب إن اللقاح بحاجة إلى إبر، وصناعتها بحاجة إلى استثمار، والعالم يحتاج سبعة مليارات إبرة.قد تكون هذه هي المرَّة الأولى التي يُذكر فيها هذا الرقم الـذي يمثِّل عدد سكان […]

من أبرز ردود الفعل على ما تضمَّنه العدد السابق من القافلة، كانت النظرة الإيجابية والمتفائلة إلى مستقبل المسرح السعودي، التي أبداها الأستاذ فؤاد الذرمان المدير السابق لمركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) على موقع المجلة تعقيباً على المقال “نعم لدينا مسرح.. نعم لدينا جمهور”، فكتب يقول: “المسرح السعودي واعد جداً ويحتاج أن يتحوَّل إلى صناعة […]

جامعة إم آي تي تختبر تصميم دافينشي كانت القافلة قد تناولت في عددها لشهري نوفمبر وديسمبر 2016م، مشروع الجسر الذي صمَّمه ليوناردو دافينشي لمدينة إسطنبول، ليربط به بين الشطر الآسيوي من المدينة وإحدى الجزر الواقعة في الشطر الأوروبي منها. وهو المشروع الذي رفضه السلطان بايزيد الثاني؛ “لأنه لا يمكن بناء جسر من قوس واحد بهذا […]


0 تعليقات على “فكر عربي جديد وذكاء تكنولوجي”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *