مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر – ديسمبر | 2018

غُربة الأنا..
العلامة المسجَّلة للمتنبّي


ماهر شرف الدين

يشكِّك كُثُرٌ من دارسي المتنبّي وقرَّائه في نسبة قصيدة “ما أنصف القوم ضُبَّهْ” إليه. والدليل الذي يُقدّمونه على ذلك هو دائماً ضعف هذه القصيدة.
لكنّي أستطيع أن أضيف سبباً أقوى لهذا الرفض لدى محبّي “الشاعر” بـ (أل التعريف) كما كان يُسمِّيه المعرِّي، و”مالئ الدنيا وشاغل الناس” كما سمَّاه ابن رشيق القيرواني، ألا وهو أنَّهم يرفضون أنْ يُقتَل شاعر الجزالة بقصيدة ركيكة. فالقصيدة المذكورة التي هجا فيها المتنبّي ضُبَّة بن يزيد العتبي وأُمَّه، هي التي جعلت خالَ ضُبَّة (فاتك الأسديّ) يترصَّد المتنبِّي ويقتله.
حال المتنبّي هنا، لدى محبّيه الرافضين فكرة أنّ قصيدةً ركيكةً أودتْ بشاعرٍ فحلٍ، أشبه بحال طيَّارٍ فذٍّ مات مُتعثِّراً بحجرٍ في الطريق!
لذا فالجمهور العربي غالباً ما يقرن موت المتنبّي بقصيدة مناقضة، هي الميميَّة الشهيرة، وتحديداً بيتها الأشهر: “الخيل والليل والبيداء تعرفني/ والسيف والرمح والقرطاس والقلمُ”.
لكنَّني سأعتذر إلى كلِّ هؤلاء، وأنا لا أقلُّ حماسةً عنهم لتراث هذا الشاعر الفذِّ، لأقول بأنَّ لديَّ “الدليل” على أنَّ تلك القصيدة “الركيكة” هي فعلاً من شعر المتنبّي، وليست منحولةً عليه.
كيف؟
اقرأوا هذا البيت من القصيدة: “إنْ أوحشتكَ المعالي/ فإنَّها دارُ غُرْبة”.
فهذا البيت البديع يحتوي كلمة السرِّ للعصب السيكولوجيّ والوجوديّ لشعر المتنبّي كلِّه: غربة الأنا. الأنا التي عصفت في شعره ومنحته النكهة الفريدة. الأنا علامته المسجَّلة.
وهذه الغربة ليست هنا بالطبع غربة الناس في الأوطان، بل غربة الناس في الناس. ليست غربة التراب بل غربة العقل. ولطالما خصَّ المتنبِّي غربته هذه بأجمل شعره:
وهكذا كنتُ في أهلي وفي وطني/ إنَّ النَّفيسَ غريبٌ حيثما كانا”، “وما أنا منهمُ في العيش فيهمْ/ ولكنْ معدنُ الذهبِ الرغامُ”، “أنا من أُمَّةٍ تداركها اللـ/ ـهُ غريبٌ كصالح في ثمودِ”… إلخ.
وفي الحقيقة فإنَّ هذه الغربة الفلسفية العميقة لها سلالة شعرية كاملة في الشعر العربي. بل إنَّ شاعراً عربياً أصيلاً لم يكُفّ عنها يوماً. وإن كانت أحياناً تأخذ تعبيراتٍ “قاسيـةً” تتجلَّى في هجــاء الناس جميعاً، بما يمثِّلـه هذا الهجــاء من اختــلاف، وبالتالي: افتراق وغربة.
وليس أشهر من بيتَين قالهما دعبل الخزاعي، هما: “ما أكثر الناس لا بلْ ما أقلَّهمو/ الله يعلم أنِّي لم أقلْ فندا/ إنِّي لأفتح عيني حين أفتحها/ على كثيرٍ ولكن لا أرى أحدا”.
هذا الهجاء، الذي ارتبط عبر أشكال عديدة بالعمى والعماء، يُظهر وعي هذه السلالة من الشعراء بهذا النوع من الهجاء الفلسفيّ المرير الذي بلغ ذروته الكبرى مع بيت للمتنبِّي نفسه يصلح بأن يكون عنواناً لبحثٍ كاملٍ عن علاقة الشاعر بمحيطه ومكانته ودوره. ففي هجائيَّته لكافور المبدوءة بقوله: “ألا كلّ ماشية الخيزلى…”، يُبرِّر المتنبّي مدائحه السابقة لكافور بالقول: “وما كان شعريَ مدحاً له/ ولكنه كان هجوَ الوَرَى”.
هذا البيت ينضحُ بمرارةٍ لم ينضح بها بيتٌ آخر. بيت يُظهر الشاعر في حالة هَوانه وضعفه حين يُضطرُّ إلى التكسُّب بشعره.
لذلك غالباً ما قامت مدائح المتنبّي على ثلاثة “مبادئ”: مدح الممدوح، ومدح الذات، وهجاء الناس.
والعنصران اللذان يُشكِّل التقاؤهما العنصرَ الثالث، هما مدح الممدوح وهجاء الناس. أو بالأحرى: مدح الممدوح بهجاء الناس.
والبيت الآتي، الذي وصفه الثعالبي في “يتيمة الدهر” بأنَّه “أخزى الخزايا”، خير مثال على هذا الاقتران غير المُرتجَل أبداً: “لو استطعتُ ركبتُ الناسَ كلَّهمو/ إلى سعيد بن عبد الله بعرانا”!
نحن هاهنا في قَلب فلسفةٍ خطرةٍ لم يجد المتنبّي بدَّاً منها، ليستطيع الاستمرار في سلسلة خيباته المؤلَّفة من مدائح لأناسٍ كان يحتقرهم، وفي لحظات غضبه كان يدعو إلى “تضريب أعناقهم”.
المتنبِّي يمدح شخصاً بهجاء ملايين. يمدح مفرداً بهجاء جمعه. ولذا “تفنَّن” أبو الطيِّب في الخلط بين فنَّي المديح والهجاء ليجعل منهما مادةً واحدةً يسخر فيها من كلِّ شيء حوله. فجميعنا قرأ ذلك البيت الأُلعبان الذي يقف على يدَيه: “وما طربي لـمَّا رأيتُكَ بدعةً/ لقد كنتُ أرجو أن أراك فأطربُ”.
فهذا البيت الذي يحمل وجهَي المدح والهجاء معاً، والذي أقرَّ شُرَّاح المتنبِّي (كابن جنِّي والواحدي) باستبطانه السخرية بشكلٍ مقصودٍ، يأخذنا إلى ما هو أبعد من مسألة اللعبة اللغوية؛ إلى لعبة فلسفية لعبها المتنبِّي، مُحاكماً عبرها مصيره كشاعرٍ مهزومٍ غريبٍ بين الدهماء.
وأعتقد جازماً بأنَّ قراءةً صحيحةً لديوان المتنبِي – بل ولكلّ تراثنا العربي العميق – عليها الانطلاق من هذه النقطة. عليها إعادة تحليل مفاهيم الأغراض الشعريـة في وصفهـا انعكاســاً فلسفيــاً قبل أي شيء آخر.


مقالات ذات صلة

ما من روائي قرَّر أن يكتب رواية إلا وفكّر كثيراً في صياغة العبارة الأولى لروايته وكيف يكون استهلاله لها. وغالباً ما يقوده هذا التفكير إلى عديد من الخيارات والطرق في كتابة تلك الجملة الأولى التي يعتقد أنها افتتاحية مُثلى، قادرة على جعل القارئ يتعاطى مع النص الروائي بوضوح وتناغم. إن الجملة الأولى في الروايات تُكتب […]

حتى وقت قريب، كان القاموس الصديق اللصيق للطالب والكاتب والمثقَّف، ومن المستلزمات التي لا غنى عنها في أية مكتبة شخصية مهما كانت صغيرة. أما اليوم، فثمَّة ظن عند البعض أن الترجمة الإلكترونية قضت أو ستقضي على القاموس الورقي التقليدي. والأمر غير صحيح. إذ إن للقاموس ميزات خاصة به وتختلف تماماً عن مواصفات أية مطبوعة قابلة […]

لأكثر من خمسة وأربعين عاماً، وعبدالرحمن السليمان يحفر في عالم الفن. فالتلميذ الصغير الذي كان شغوفاً بفن الرسم في المدرسة الابتدائية، لم يحد يوماً عن انشغاله بعالم الفن التشكيلي إنتاجاً وتنظيماً للمعارض وخدمة الناشئين من الفنانين الشباب. ونضج فنه الذي راح يحصد الجوائز المحلية والعربية، ولمع اسمه في لجان التحكيم، وباتت لوحاته تباع في المزادات […]


0 تعليقات على “غُربة الأنا..”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *