مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر - ديسمبر 2023

غارثيا لوركا رسامًا

رسومه استعارات ورؤى عن الأساطير والحب والموت


د. عبدالهادي سعدون

ليس من النادر أن ينشغل العباقرة في عالم الآداب والفنون بأكثر من حقل محدد. وكثيرًا ما اجتمعت عند المبدع الواحد أكثر من موهبة. ولكن غالبًا ما يطغى الإبداع في مجال محدد على غيره، فيصنع شهرة هذا الفنان أو ذاك الأديب ليبقى إنتاجه في أي مجال آخر أشبه بدعوة إلى استكشاف المجهول وتسليط الضوء على كنز ثقافي في الظل. وهذا هو الحال مع الشاعر الإسباني غارثيا لوركا الذي طغت عبقريته الشعرية على إبداعاته في مجالات أخرى، ومن أهمها فن الرسم.

الشاعر الإسباني الأشهر غارثيا لوركا معروف على نطاق واسع في العالم العربي من خلال دواوينه وأعماله المسرحية. فكل أعماله الأدبية المعروفة مترجمة إلى اللغة العربية. حتى إن اللقاءات والمقالات والمحاضرات المتفرقة والسيناريوهات السينمائية التي كتبها ولم تُنفَّذ، ربما وجدت مكانًا لها في مجلة أو كتاب أو مختارات شعرية.

ومن المؤكد أن مقتله قد زاده شهرة، وفتح العيون على آدابه إلى درجة أصبح فيها رمزًا للمأساة الإسبانية في ظل الدكتاتورية العسكرية، ورمزًا عالميًا للدفاع عن الشعر والجمال في مواجهة الطغيان وبشاعة الحروب.

ولكن هناك جوانب أخرى في حياة الشاعر، ففضلًا عن كتابته للسينما، وعشقه للموسيقى عازفًا على البيانو وبعض مؤلفاته الموسيقية، كان لديه شغف بالرسم، كما كانت لديه علاقات بأغلب رسامي جيله وفي مقدمتهم سلفادور دالي. فهذا الشاعر ينتمي إلى “جيل الـ27” الأدبي الشهير، بل لعلَّه كان مع رفائيل ألبرتي أشهر اثنين في قائمة طويلة تنتمي إلى هذه الحلقة الأدبية. والمدهش أنهما إضافة إلى كتابة الشعر والتميز به، مارسا الرسم بكثرة، حتى ليمكن القول إن رفائيل ألبرتي الذي عاش جلَّ حياته في المنفى المكسيكي، كان يعتاش هو وعائلته من رسومه أكثر من نتاجه الشعري.

ولعلَّ صداقة لوركا مع دالي هي التي نبَّهت إلى انشغاله بفن الرسم. فقد رسم وأبدع، رغم أنه لم يكرس كل وقته لهذا الفن. ومن خلال رسوماته المجموعة في أكثر من كتاب، يمكننا الاقتراب من شخصيته ذات المواهب والأوجه المتعددة.

ماذا رسم الشاعر؟

يشمل عمل لوركا التصويري في الرسم والتخطيطات العديد من الموضوعات والأشكال التي يعبر من خلالها عن الواقعي والسريالي في أكثر الأشكال حميمية بالنسبة للشاعر، التي نعرفها في قصائده العديدة، وبشكل خاص في ديوانه “شاعر في نيويورك”. وإذا كانت “الكتابة هي رسم، واتصالٌ بصري تلقائي عبر الكلمة” كما يحدد نقاد ودراسون، فالكتابة الواعية هي نفسها رسم صورة الذات من دون وعي؛ لذلك عند الكتابة والرسم فإننا نظهر شخصيتنا من دون وعي.

حضرت رسومات لوركا في حياته كلها، وظهرت مجسَّدة في مجموعات أعماله المسرحية، وفي الرسائل والبطاقات البريدية التي كتبها للعائلة والأصدقاء، وفي إهداءات كتبه. وهناك أيضًا الرسوم المرافقة لأعماله الشعرية، ولعلَّ أبرزها لوحة غلاف “الديوان الغجري” (1924م). وحضرت أهم أعمال لوركا الفنية في المعارض التي أقامها بشكل فردي، وأولها في صالة “دالماو”، لمناسبة عرض مسرحيته “ماريانا بينيدا” في يونيو 1927م، التي حضرها مثقفون وأعضاء من الطليعة الكاتالونية. كما حضرت أعماله في وقت لاحق في عام 1932م، بشكل جماعي مع مجموعة من الرسامين في المعرض الذي أقيم في مدينة ولبة الإسبانية.

فضلاً عن كتابته للسينما وعشقه للموسيقى، كان لدى لوركا شغف بالرسم، كما كان على علاقة بأغلب رسامي جيله وفي مقدمتهم سلفادور دالي.

مرحلتان في مسيرته الفنية

عند الحديث عن الرسام لوركا، لا بدَّ لنا من عبور مرحلتين في نتاجه التشكيلي: المرحلة الأولى، وقد بدأت حوالي عام 1923م بسلسلة من الرسوم الكاريكاتورية، أو الشبيهة بالوجوه “البورتريهات” المشوهة والفكاهية مقصودة الهدف. وبعد ذلك ظهرت رسوماته المرافقة للعمل الشعري “الأغاني الغجرية”، وعرض فيها التفسير الغنائي للإلهام التقليدي والجرأة المجازية. ووصل فيها رسمًا وشعرًا إلى الأعماق الغامضة والمأساوية والغنائية للعالم الأندلسي. وشملت أعمال لوركا في تلك المرحلة مجموعة كبيرة ومتنوعة من الموضوعات، من بينها رسومات لمهرجين ورسومات لوجوه مكررة في أحوال ووضعيات مختلفة بطابع التأمل والحزن والتنبيه.

أما المرحلة الثانية، فتضم كل تلك الرسوم المتعلقة بالجمهور، أو لها علاقة مباشرة بعروضه المسرحية، وكأنها تخطيطات أولية تشرح مشاهد وشخصيات مسرحياته، سواء أكان ذلك له شخصيًا أم للمخرجين أنفسهم، مثل الرسومات الملونة لمسرحيات مثل: “مرت خمس سنوات”، أو “يرما العاقر”، أو “بيت برناردا آلبا” وغيرها. وتدخل في هذه المرحلة أيضًا تخطيطاته ورسوماته المعبرة دراميًا، والممثِّلة تحديدًا لعوالم ورموز قصائده في ديوان “شاعر في نيويورك”. وهنا يعتمد لوركا على النموذج السريالي المهيمن في فترته، للتعبير عن ازدرائه للحضارة الحديثة، إذ جاءت رسوماته بمثابة صرخة احتجاج عالية.

رافقت رسومات لوركا حياته كلها وظهرت في معارض فردية وجماعية، وفي أعماله المسرحية، وفي الرسائل والبطاقات البريدية، وفي إهداءات كتبه.

استعارات ورؤى درامية

كما هو الحال في شعرية لوركا، تبرز في رسومه الاستعارات ورؤيته الدرامية والأساطير وخرافات المجتمع والحب والجسد والموت والقدر. إن استخدام الرموز بكثرة، خاصة تلك المتعلقة بالموت مثل: القمر والمياه الراكدة والدم المُراق وغيرها، يكون مختلفًا تبعًا للمعنى المضمر.

فلبعض الرموز معانٍ مختلفة تبعًا لسياق النص أو خطوط رسوماته: فمثلًا يمكن للقمر، بالإضافة إلى كونه رمزًا للموت، أن يرمز إلى الخصوبة أو العقم أو الجمال. والجواد والفارس يمثلان الإثارة الذكورية إضافة إلى الموت، والماء الذي يتدفق يمكن أن يمثل الحياة أو أن يمثل الدم كذلك. ويستخدم لوركا الرسومات وسيلة للتعبير عن أكثر مشاعره قمعًا في اللاوعي، وفي أقصى حالاته المزاجية، فضلًا عن حاجته للتواصل مع الآخر المفتقد. وعبرها، يكشف عن العاطفة والمزاج، ومحاولة الإمساك بوسيلة للفهم والتواصل مع الخارج من خلال نقطة أو مظهر حميمي يتعلق بدواخله السرية.

تمتع لوركا بعلاقات اجتماعية واسعة ورؤية شخصية خاصة، وهذا ما يمكن استنتاجه من هدف الرسومات نفسها. وكقاعدة عامة، تتميز مساراته بشكل لافت للنظر، لأنها مرسومة بخطوط منحنية ما يؤكد الانفعال الجمالي للشاعر وحساسيته. بل حتى تلك الخطوط الخفيفة والضعيفة المشتتة ضمن حيز الرسمة نفسها، فهي مرسومة بحذر، وهذا ما يكشف عن سرعة البديهة والأصالة والحدس، وفرط الحساسية والإبداع.

ما تكشفه القراءة المتأنية لرسوماته

في تحليل أولي لرسوماته، يجب أن نأخذ في الاعتبار ما نلمحه فيها: الأبعاد والموقع والطفرات الذهنية والضغوطات والوقت، والتسلسل والحركة والتظليل، ورمزية اللون والمواد المستخدمة.

الرسومات الأولى التي رسمها لوركا مرافقة لديوانيه “الأغاني الغجرية” و”الغناء العميق” لها خصائص مشتركة. إذ يبدو فيها لوركا منغلقًا على ذاته، مظهرًا فيها المزيد من الصلابة والتوتر العاطفي. وعن لوركا، يقول رافاييل ألبرتي، الشاعر الصديق وابن جيله: “عندما يمسك أقلام الرصاص الملونة أو القلم نفسه الذي كتب به قصائده، يستمر حضوره بنضارة وتدفق: هيئة النافورة وحركة الشارع وابتسامة الباحة وحركة ديك الرياح… من كل ما رآه أو سمعه، كان يخطه ويسطره بعين طفولته التي لم يغادرها أبدًا، في مدينته غرناطة. مزهريات محملة بالأسماك والزهور، فتيات على النوافذ والأسطح، المهرج واللصوص والبحارة في حالة سكر وفي حالة حب قصوى. كلها من ضمن مواضيع وشخصيات شعره الغنائي والدرامي”.

الشخصيات في رسوم لوركا عمومًا جامدة، غير مكتملة الملامح. والجسم موجه نحو الأمام رغم أن الرأس مائل إلى جهة معينة، وهذا من شأنه أن يوحي بأن الشاعر يحمي نفسه من العالم، خصوصًا أنه كان يشعر أحيانًا بالتهديد من المجتمع. كما يرمز الرأس إلى موقع الذات، مركز كل المحفزات، وفي كثير من هذه الرسومات يكون صغر الرأس موحيًا، ما يلمِّح إلى حالة وهن أو هزيمة أو انعزال. الوجه هو الصلة الاجتماعية، حيث تظهر العيون والشفاه والحواجب بشكل ملحوظ. ومن الشائع في كل من رسوم الرجال والنساء إصراره على رسم الشفاه، بينما ليس لها آذان واضحة. أما الرقبة، أي الجزء الذي يتناسق فيه الجسم مع الرأس، أي الفكر والشعور، فهي عريضة، تدلُّ على جمودٍ ما. والسمة التي تشمل جميع الرسومات هي أن الذراعين قريبتان من الجسم، ما قد يشير إلى صعوبة معينة في الاتصال، والخوف من إظهار الإصرار والتحكم في الانفعالات. ويمكن أن تمثل الشخوص غير المكتملة في أغلب رسومه الضغوط والقيود والمثل العليا.

 هناك سلسلة من التفاصيل الرمزية التي تُظهر خيالًا ثريًا في كل رسوماته المعروفة، وأيضًا شروحات ونظرات متعددة تتلاقى أو تتنافر، تمامًا كما هو عليه الحال عند قراءاتنا لقصائده ومسرحياته وآرائه.

إن أيَّ قراءة جديدة عن الشاعر الإسباني المعروف غارثيا لوركا، سواء عن شعريته أم مسرحياته، لا بدَّ من أن تتوقف عند أثر العين الفنية الأخرى، أي الرسم وعلاقته بكل النماذج الأدبية الأخرى وعوالمها الساحرة. وإذا كان أغلب ما نعرفه هو نتاجه الأدبي، فأي تقرب آخر من عوالمه الأخرى كالموسيقى والرسم والنقد الأدبي، إنما هو معرفة جديدة مضافة لما نعتقد أننا نعرفه عن لوركا وعوالمه، وأهوائه، وإنجازاته الكبرى والصغرى.


مقالات ذات صلة

يتخذ المعتزل هيئة البعيد عن الجماعة، رافضًا متبرئًا من خطاياها ونواقصها، يهندس عزلته ويأسه بعيدًا عن ثقافتها. وقد يبدأ من أصغر حلقات المجتمع، فيسفّه الانخراط فيها، وينأى عن مواصلة الوجود عبر سلالتها، برفض الزواج أو الخروج على الأسرة.

قبل عدة عقود من تاريخنا الوطني، وقع حدثان مختلفان في الشكل، متكاملان في الدلالة. يتحقق بُعده الفلسفي بشروط ثلاثة أساسية كلها، فلا بُدَّ من أن يكون غير متوقع، وأن يكون أثره عميقًا وشموليًا.

بداية، إن غياب القصة القصيرة عن الواجهة الإعلامية في المملكة لا يعني غيابها عن الواقع الأدبي، فهي حاضرة بقوة ومستمرة بغزارة. وفي مقابل الأسماء التي توقفت عن كتابة القصة القصيرة أو تحولت إلى الرواية، ظهرت أسماء جديدة تفوق في عددها أولئك، واستمر عدد من الكتاب السابقين في مواصلة إنتاجهم، فزاد حجم المنتج من المجموعات القصصية بصورة موازية ومقاربة لحجم المنتج الروائي.


0 تعليقات على “غارثيا لوركا رسامًا”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *