مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
يوليو – أغسطس | 2020

شراع ليسَ لهُ أن يعود..
علي محمود خضيّر


بينما تشترك في الحواضر الكبيرة مجموعات بشريّة لا عدّ لها، فإن مكاناً صغيراً ما سيخص نفراً بعينهم، عائلةً، أو شخصاً واحداً. حيثُ لا أسرار، الكلّ يعرف الكلّ، وحيث صنوان لا ينفدان: الأرض والوقت. ولو كانت المدن الكبيرة تمنح لكتّابها أن تتكئ نصوصهم على تاريخ ممتد وأحداث متشعبة فإن لبقعة صغيرة من الأرض سحر الاكتفاء بذاتها نافرة من أخبار المؤرخين وتكالب الطامعين.
هذه قصائد في مديح المدن الصغرى، تلك الشامات المنسيّة على أجساد البلدان، العلامات التي نمر منها خاطفين على الطرق السريعة ولا نلتفت سوى لصورها المتلاشية سريعاً في العيون، غير منتبهين للغنى والتنوُّع والخصوصية التي تمثلها بيئة تلك البلدات وسحر اكتفائها المحض بطبيعتها الخام.
عشت طفولتي في بلدة على ضفاف دجلة صغيرة، مساحة وسكاناً، حتى يكاد أهلها أن يكونوا عائلة واحدة، اسمها “علي الغربي” واسمها القديم “باذبين” وتعني تل البيادر، حيث كان والدي يعمل في مستشفاها معاوناً وقائياً ضمن برامج التدرج الطبي قادماً من البصرة. وبعد عقد ونصف العقد من عمري، غادرت الأسرة إلى العاصمة بغداد ثم عدنا لموئل الأجداد في الفيحاء، غير أن أطياف الطفولة الخاصة ظلَّت تلح عليّ بين فينة وأخرى تطالب فتى الضفاف بأن يروي حكاية البلدة الساحرة، تلك التي تغفلها الأضواء وتنام عن سيرتها مدونات الكاتبين.
يسمح الحيز الصّغير الذي لا يتسع لشخصيات كثيرة وتاريخ معقَّد لصوت الشاعر المفرد أن يظهر صافياً وجوهرياً، على النقيض من المدن الكبيرة، حيث تشتبك الألسن وتطيش الرغبات وتتعقد النوازع. فيبهت الصّوت بين غابات أصواتها المتداخلة وتنكفئ القصّة في اضطراب تاريخها الملتبس وتداخل المؤثرات التي تفرضها طبيعة السعة.
في محاولات “الحيز الصغير” الأدبيّة تكادُ تكتفي التجربة بطبيعتها الخام، المستمدة من روح المكان، وجوهره المتفرد، لا يُنازعها عليه مكان آخر في العالم. وأي نص أدبي يبرز من مكان محدود سيكون مكتفياً بخصائصه البنائيّة والتكوينيّة، وهذا شأن هذه النصوص التي حاولت فيها الاقتراب من هذا الجوهر.


أريكة
على هذي الأريكةِ
سأَقضي ساعةَ نهاري الأخيرة
عائداً لحُجرة داخليّة
ذُقتُ فيها الطُّمأنينة، مرّةً وإلى الأبد
لسُلَّم حَجَري يُؤانسُ ضِلعَ النّهر
ودراجة زرقاء تُكاتفُ الرّيح.

أُريدُ عَتَبَةً يَصعدها النَّمْلُ بشغفٍ في الظّهيرات،
الأُمّاية،
غناءَ الرُّعيان بساطاً للغيوم،
وعُلبَ قِصديرٍ ثلاثاً
يُراميها صبي الايشان،
آه.. كمْ أتعبَ الرّيحَ خلْفَه؟
للمَدْرَسَةِ واطئةِ السّياجِ أُريدُ العودةَ،
للسِّتِّ “قبيلة”،
نحيلةً كغُصنِ رُمان،
لكُرةِ القدم، نصنعها من جوارب ميتة.
للتّمرِ، رُطباً وخَلالاً يسّاقط
فيأكلُ الدّورِيُّ والصّبي، معاً، كأخوين.
..
لشراعٍ ليسَ لهُ أن يعود. للحظةٍ تلاشتْ مثلَ قطاةٍ في أُجَم، لنعمى غفوة السُّطُوح. لشجرة تولدُ وأخرى تحترق.
للأيّام أريدُ أن أقولَ:
ما ضَرّكِ لو تركتِ الصّاحبَ والقِنديل؟

دحضُ الوقت
في الصّباح،
ومثل جَناحِ نسرٍ باسلٍ
تفردُ خالتي ذراعاً،
غسيلُها يُظللُ الفسائِلَ والدّجاج.

الضُّحى:
قشر الرّمان يغلي على المدفأة
يد معروقة تُسرّح مرجَ الحنّاء
بمشطٍ من صنوبر.

الظّهيرةُ مختلفُ ملائكة
وأمّهاتُ البُيُوت كتاب التّعب.
أصابعُ الوسن تفرُكُ مسبحةَ الوقت.
..
مساءً،
يُوقَدُ فانوسٌ الفاختات
فيما جَدّتي مُنهمكةٌ
بإيقاظِ النجوم.
.
ما من فجرٍ في “باذبين”
 الفجرُ هو النّاس.

عبدُ الشّط
طويلٌ، بأصابعَ ناحلة
بابتسامةٍ نصفِ ميّتةٍ وشَعْرٍ أشقر،
عارٍ، أو يكاد
يسحبُ الأطفالَ العُصاةَ إلى النّهرِ، ويغيبُ.
هكذا تصوّرُ أُمّهاتُ باذبين “عبدَ الشّط” لأولادهنّ.

وكان أن انتظرَهُ على المـُسنّاة،
على الجُرف،
على صخرةٍ غُطّيت بالأشن
صيفاً بعدَ صيف..
لم يأت..

عرّى الزّمانُ أوراقَ السِّدْر
عرّتِ الأمطارُ السّطوح
عبرَ أطفالٌ الشّطَّ مرّاتٍ
عَبَرت السّنون
وعلى الصّخرة، للآنَ، ينتظرُ
لا الشّطُّ راح.
ولا “عبد” جاء.

١ لعبة مطاردة شعبيّة تنتشر بين الصبية.
٢  بلدة على ضفاف دجلة، قضى الشاعر فيها طفولته.
٣.خرافة شعبيّة، كائن اسطوري في التراث العراقي، متحول يتلبس في شكل انسان كانت الأهالي تخوف صغارها به لمنعهم من التقرب لضفاف الأنهار خوف الغرق.


علي محمود خضيّر
• مواليد بغداد 1983م
• بكالوريوس هندسة التربة والمياه، جامعة بغداد
• يعمل في مجال الصحافة والتحرير الأدبي
• حائز على جائزة اليونيسكو في الشعر بمناسبة اليوم العالمي لتعدد الثقافات 2013م
• حائز على جائزة الشعر الأولى، مهرجان الشعراء الشباب (بغداد) 2014م

– أعماله:
• “الحالم يستيقظ” 2010م
• “الحياة بالنيابة” 2013م
• “سليل الغيمة” 2015 م
• “كتاب باذبين” 2020م
• ترجمت أشعاره إلى بعض اللغات الأجنبية


مقالات ذات صلة

شقَّت المعلّقات العربية طريقها إلى المكتبة الألمانية منذ عام 1802م، على يد أنطون تيودور هارتمان الذي لم يكتف بترجمتها إلى اللغة الألمانية، بل وضع لها شرحاً وتعليقاً تفصيليين. ومنذ ذلك التاريخ، تركت المعلّقات بصماتها واضحة على الثقافة الألمانية، وتحديداً على أعمال بعض أهم الأدباء الألمان مثل يوهان فولفجانج فون جوته وهاينريش هاينه. المعلّقات كانت مألوفة […]

خلال الربع الأول من القرن العشرين، كان الأديب البريطاني هول كين يتمتع بشهرة شعبية عالمية، جعلت منه سلطة أدبية في بريطانيا، وأيضاً في مصر التي زارها ثلاث مرات، حيث ترك بصمته على الحراك الأدبي فيها بشهادة معاصريه. وتجلَّت هذه البصمة بالتهافت على ترجمة أعماله ونشرها في الدوريات العديدة، واختلاف مواقف أدباء مصر منه، بدءاً بتأثر […]

لدورِ النشر الفرنسية المعروفة (مثل “لاروس” و”لو روبير”) زينتها الخاصة في بعض المناسبات مثل رأس السنة، فتحتفي بعرض منشوراتها الجديدة مع صور مكبرة لبعض المؤلفين. ومن هذه المنشورات الجديدة، التي تزدهي بها بعض الواجهات، هناك الطبعات الجديدة لبعض القواميس.هذا ما قد يصعب على القارئ العربي تصوره، أي صدور طبعة جديدة للقاموس في كل سنة. وهذا […]


0 تعليقات على “علي محمود خضيّر”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *