مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين

طيور العالم القديم.. تحلِّق في سماء العلا


إبراهيم الشوامين

تكشف النقوش والرسوم الأثرية عن وجود علاقة موغلة في القِدم بين البشر وبعض الطيور مثل الحمام والبومة والنعام والنسور وغيرها. ويضم محيط مدينة العلا كثيراً من النقوش والرسوم في الجبال والأودية، بعضها ما هو مُكتشف ومدروس، وبعضها لا يزال ينتظر المكتشفين. وبجانب هذه النقوش والرسوم الصخرية، أو فوقها تحلّق طيور مقيمة وأخرى مهاجرة، ولكنها كلها متكيفة مع البيئات الصحراوية والزراعية في العلا، وتُعدُّ مؤشراً مهماً على مدى التنوُّع الحيوي والطبيعي الفريد في هذه المنطقة.

تكتسي صحاري العلا في بداية فصل الربيع حلةً باهرة، إذ تغطي زهور الأقحوان الأبيض رمالها الذهبية على مدِّ البصر. ووسط هذه الزهور الربيعية، تعزف طيور القُبّرة بأنواعها موسيقى الصحراء الجميلة، وهي من طيور العالم القديم الموجودة في العلا منذ الأزل. ولكل نوع من طيور القُبّرة تغريدة مختلفة وفريدة تطرب الأذن لها. حينما تستمع لتلك التغاريد. وتتنقل حمرة القرناء الصحراوية، وهي أيضاً من الطيور المقيمة في الجزيرة العربية منذ زمن غابر، وتتميَّز بلون رملي فاتح وقناع أسود حول العينين، ويمكن التفريق بين الذكر والأنثى بوجود قرنين صغيرين من الريش على رأس الذكر، ويمكن مشاهدة هذا النوع من القُبّرة في شمال العلا، حيث تبني أعشاشها على الأرض بجانب الصخور أو بين النباتات الشوكية، أسوة بكثير من الطيور الصحراوية.
وتنافس الحمرة القرناء في الغناء القبّرة المتوَّجة، وهي متوسطة الحجم، يعلو رأسها تاج، وذات صوت جميل، تعيش في شبه الصحراء وعند أطراف المناطق الزراعية والأودية. ويعلو تغريدها بشكل ملحوظ قبيل غروب الشمس.

بوصلة الجوارح إلى الشمال
في سماء جبل عكمة المشرف على إحدى طرق التجارة القديمة، ومرتين في كل عام، تحلّق الجوارح مثل النسور والعقبان المهاجرة، وهي في رحلتها الطويلة من أوروبا إلى إفريقيا بحثاً عن الدفء والغذاء. وبعض تلك الجوارح يستريح في العلا لفترات قصيرة قبل مواصلة الهجرة الموسمية. وتكون الهجرة الأولى في فصل الخريف بسبب ظروف الطقس الباردة في شمال الكرة الأرضية، لأن طبيعة الطيور تميل إلى العيش في الظروف الدافئة، والهجرة الثانية تكون في فصل الربيع نظراً لاعتدال الطقس في النصف الشمالي. ومن أشهر الجوارح المهاجرة في سماء العلا نذكر عقاب البادية، والمرزة، وعقاب الحيات أو عقاب الثعابين ذا الحجم المتوسط وهو من فصيلة البازية وسمي بهذا الاسم لمهارته في صيد الأفاعي بأنواعها، حيث تسمى بعض الطيور بأسماء مستقاة من طبيعة غذائها.
ومن ضمن هذه الجوارح المهاجرة حوام العسل الأوروبي. ويمكن التمييز بين الذكر والأنثى في هذا النوع من خلال لون رأس الذكر المائل إلى الأزرق الرمادي، واللون البني في رأس الأنثى. ويتحمل هذا الحوام لسعات الدبابير والنحل.

رقص الوروار العربي
يستيقظ المزارعون في منطقة العلا على أصوات البلابل في بساتين النخيل والحمضيات والفواكه الواقعة في وادٍ خصب بين جبلين كبيرين. ويحرص السياح الذين يزورون المنطقة على زيارة مسار البرتقال والوادي بالقرب من البلدة القديمة، للاطلاع على ما يعرضه المزارعون المحليون من أنواع الفواكه الطازجة والزيوت الطبيعية المُنتجة محلياً. وبالقرب من هذه الأودية الساحرة يستوطن طائر الوروار العربي المميز بألوانه الزاهية وحركة طيرانه السريع الذي يشبه الرقص في سماء الوادي. وتحت أغصان الأشجار، يتواجد أبو حناء الأحرش الأسود، ويمكن التعرف عليه من ذيله الطويل، وهو من طيور العالم القديم المقيمة ويتكاثر في المزارع.
الجدير بالذكر أن التنوُّع الموجود في النباتات والأشجار في واحة العلا يوفر بيئة جاذبة للطيور بفعل غناها بالغذاء، وإتاحتها لبناء الأعشاش. ومن الطيور التي تفضِّل العيش في الأودية وبالقرب من أشجار الطلح “الثرثارة العربية”، وهي من الطيور المميَّزة بأصواتها المرتفعة. فهي تعيش كمجموعات متعاونة على العناية بالفراخ وإطعامها، ولها منطقة نفوذ. وتتكوَّن المجموعة من عدَّة أجيال، وإذا ضل أحد أفرادها طريقه يتعرَّف على طريق العودة من خلال سماع أصوات المجموعة.

هجرة الطيور بمحاذاة طريق البخور
يحلِّق الحوام طويل الساقين اليوم في سماء العلا، كما كان يفعل عندما كانت هذه المدينة واحدة من أهم المحطات على طريق البخور. وعلاقة طريق البخور بالهجرات الموسمية للطيور علاقة لافتة. فقد تختلف تقنية التحليق من طير إلى آخر، إذ يعتمد بعضها على رفرفة الجناحين، كما هو حال الدخل والأبلق، الأمر الذي يتيح لها الإسراع في رحلتها، ولكنها تُضطر أكثر من غيرها إلى الاستراحة من وقت إلى آخر. وأفضل الأماكن لذلك هو حيث يتوفر الماء والغذاء (في محيط الطريق التاريخي). وبعض الطيور الأخرى تعتمد على تيارات الهواء الساخن التي ترفعها إلى الأعلى حين تفرد الجناحين من دون تحريكهما، كما تُحلّق النسور على سبيل المثال. وهذه الطيور، تتجنب الطيران فوق المياه حيث لا تتوفر تيارات هواء ساخن، فتستخدم مسارات بمحاذاة البحر الأحمر موازية لطريق البخور القديم.

صدى الصخور
ومن أبرز المعالم الطبيعية في المنطقة “جبل الفيل”، وهو تكوين صخري يتوسط الرمال الصحراوية المتدرِّجة، يمثّل أعجوبة طبيعية. تشكَّل هذا الجبل من خلال العوامل الجيولوجية وعوامل التعرية على مر الزمن. وهو واحد من عدَّة تكوينات صخرية منحوتة بأشكال فريدة لم يتدخل البشر في نحتها، بل تكفلت بذلك العوامل الطبيعية، مثل جبال الركب وهي سلسلة صخرية ذات أشكال ساحرة تتخللها الرمال كمرايا صغيرة تعكس أشعة على ما حولها. وعندما تغيب الشمس، تتلألأ السماء بالنجوم التي استدل الإنسان القديم بها للتنقل في الصحراء.
على الرغم من قلة الغطاء النباتي في هذه البيئة، فإن أنواعاً محدَّدة من الطيور تتكيف مع هذه التضاريس مثل الضوعة وهو من عائلة الزرازير، ذو لون أسود لمّاع، وبرتقالي عند أطراف الجناحين، يعيش في الأودية الصخرية، وله صوت قوي يُسمع صداه بين الصخور.
ومن أشهر الجوارح المقيمة في البيئة نفسها العويسق وهو من الجوارح الصغيرة، ويمتلك جناحين طويلين يساعدانه في التحليق والرفرفة، ويتميَّز طيرانه عندما يسعى في صيد الثديات الصغيرة برفرفة الجناحين بسرعة كبيرة، الأمر الذي يساعده على أن يبقى في مكانه في الهواء من أجل كشف المنطقة والانقضاض على فرائسه.
من جهة أخرى، وثَّقت النقوش على صخور العلا النعامة العربية. كما تغنَّى الشعراء بالظَّلِيم وهو ذكر النَّعَام. وفي زمن مضى، كانت أسراب النعام العربي تجوب هذه الصحارى، ولكنها اختفت، ولم يتبقَّ منها سوى بعض النقوش وكسور البيض. ولكن في السنوات القليلة الماضية، أُعيد إكثار توطين النعامة حمراء الرقبة في المحميات، وهي النوع الأقرب إلى النعامة العربية المنقرضة. ونجحت الجهود الحثيثة في إكثار هذا النعام، غير أنه لا يزال أسير عدد من المحميات الطبيعية.

طيور البساتين
وخلافاً للبيئة الصحراوية والصخرية الجافة، وعلى مسافة غير بعيدة عنها، يقع مذاق العلا، حيث البساتين الخضراء الغنية بعدد لا يُحصى من الأشجار المثمرة تباعاً على مدى الفصول الأربعة. ففي فصل الشتاء، تقطف فواكه مثل البرتقال بأنواعه أبو سرة والسكري وأبو دمو الأحمر، والليمون بأنواعه بن زهير والشعيري والحلو، وفي فصل الربيع التوت البري والتين، وفي فصل الصيف الرمان والتفاح والمانجو والجوافة، وفي ذروة فصل الصيف تنتج المزارع أنواعاً عديدة من التمور، أشهرها البرني المبروم.
سنوياً، يجتمع أهالي العلا في طنطورة، وهو موقع أثري من الطين والحجر استخدم كساعة شمسية لمعرفة دخول فصل الشتاء من خلال علامة الظل على الأرض. واستخدم هرم طنطورة لتوزيع مياه الري من عين تدعل الأثرية بالتساوي على البساتين من خلال قياس سقوط الظل على الأحجار أمام طنطورة. وخلال التجول في هذه البساتين للتعرف على أنواع الزراعة التقليدية، لا تغيب عن العين طيور الشمس المعروفة باسم تمير وهي تتغذى على رحيق الزهور. وتشبه هذه الطيور في طيرانها الطيور الطنانة المشهورة في قارتي أمريكا الجنوبية والشمالية. وبين أغصان أشجار التوت، توجد أنواع من هوازج العالم القديم، مثل طائر أبو قلنسوة، وهو طائر مهاجر ذو لون رمادي، وللذكر بقعة سوداء على رأسه، أما الأنثى فبقعة رأسها بنية اللون. ويشاهد هذا الطائر في الأشجار الكثيفة وبين الأغصان، وصوت تغريده جميل. إضافة إلى أن المزارعين يكنون له مودة خاصة، إذ إنه عندما يتوقف في بساتينهم خلال هجرته من أوروبا والعودة إليها، فإنه يلتهم كثيراً من الحشرات الضارة، ويسهم في الحفاظ على سلامة غلالهم.

كتابة وتصوير: إبراهيم بن سليمان الشوامين


مقالات ذات صلة

“هندسة السلامة” هو مجال هندسي يتعامل مع منع الحوادث وتقليل المخاطر المرتبطة بالأخطاء البشرية، واستخلاص مزايا السلامة من الأنظمة والتصاميم الهندسية. ترتبط هندسة السلامة بالهندسة الصناعية وهندسة النظم، ويتم تطبيقها على التصنيع والأشغال العامة وتصميم المنتجات، لجعل السلامة جزءاً لا يتجزأ من العمليات الصناعية. وغالباً ما يستخدم مهندسو السلامة نماذج الكمبيوتر والنماذج الأولية، ويقومون بإعادة […]

لا أحد يستغرب ما عبَّر عنه شاعر المعلَّقات زهير بن أبي سلمى عندما قال:سَئِمتُ تَكاليفَ الحَياةِ وَمَن يَعِشثَمانينَ حَولاً لا أَبا لَكَ يَسأَمِلا سيما أنه كتب هذا البيت الشعري الشهير في زمن الجاهلية، حيث كان الناس يصارعون من أجل البقاء وتأمين أساسيات الحياة، وحيث كان الموت العشوائي يتربص بهم ولا يفرق بين شيخ وشاب، وفي […]

إنها بقايا مدن اندثرت وقلاع شيِّدت وهياكل نُصبت وأضرحة بُنيت ولكنها ظلت قائمة لتتحدَّى مرور السنين وقوة الطبيعة وعبث البشر، هي المعالم الأثرية التي تبقى شاهدة على ما ضاع ومضى وعلى حضارات وشعوب وأشخاص عاشوا داخل جدرانها المتصدِّعة لتخبرنا عن الصعاب التي اختبروها والانتصارات التي حققوها والثقافات التي خلَّفوها. كل معلم من المعالم الأثرية يفتح […]


3 تعليقات على “طيور العالم القديم.. تحلِّق في سماء العلا”

  • ماشاء الله مقال جميل وعمل تشكر عليه .،،، استاذ ابراهيم غني عن التعريف اتمناء لك التوفيق ومن افضل الى افضل اخوك ابوالهنوف ❤

  • مقال جميل يعكس صورة جميله للمنطقة الشمالية ومجهود تشكر عليه اخي الغالي على هاذا الطرح الجميل
    وفالك التوفيق ❤️

  • موضوع ممتاز عن الطيور الموجودة في منطقة العلا الغنية بالماء مما جعلها منطقة مأهولة منذ القدم ولقد بذل الأستاذ الإعلامي إبراهيم الشامان في عرض الموضوع بشكل متميز وجذاب بذل جهدا كبيرا وأرى انه وفق في تسليط الضوء على جانب مهم من الحياة الفطرية في العلا.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *