مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
سبتمبر – أكتوبر | 2019

“سيدات القمر”
تختزل التحوّلات العُمانية وتعبر بها إلى العالمية


نايف كريري

بفوز الترجمة الإنجليزية لرواية “سيدات القمر” بجائزة “مان بوكر” الدولية للعام الجاري 2019م، تكون كاتبتها الروائية العُمانية جوخة الحارثي أول عربية تحصد هذا اللقب العالمي. وقالت رئيسة لجنة التحكيم أثناء الإعلان عن نتائج المسابقة: “عبر تداخل مصائر شخصيات الرواية والحب والحرمان نتعرَّف على المجتمع العماني بمختلف طبقاته وفئاته .. من أفقر أفراده إلى الأثرياء الذين ظهروا حديثاً في عمان ومسقط”.

الروائية العمانية جوخة الحارثي

بهذا الإنجاز للرواية بنسختها الإنجليزية، تضع الحارثي الأدب العُماني على خارطة الأدب العالمي. وهو ما يعني اهتماماً مستقبلياً بهذا الأدب في جميع فنونه ومختلف أجناسه، ولا شك في أنّ الرواية تأتي في مقدِّمتها، كما أنه سيجعل البوصلة القرائية والنقدية تتجه نحو هذا الأدب ليجد العناية التي يستحقها، نظراً لما ينطوي عليه من إبداع لم يلقَ سابقاً الاهتمام الذي يستحقه.
“سيدات القمر”، من الروايات التي تجسّد شكلاً أدبياً وتعبيرياً يُعلي من مكانة الرواية العربية في الوقت الراهن. وتقول الحارثي عنها إن بلدها عُمان ألهمها الكتابة، “لكن القرّاء حول العالم سيجدون فيها ما يثير اهتمامهم”.

تأريخ التحوُّلات الاجتماعية
تدور أحداث هذه الرواية في قرية “العوافي”، وهي ترسم صورة تحوُّلات شهدتها الأسرة العمانية، وخاصة ما يتعلق منها بحياة المرأة، من خلال شقيقات ثلاث اللواتي عشن مرحلة التغير والتحوُّل في المجتمع العماني ذي الطابع التقليدي المحافظ خلال الحقبة التي تلت مرحلة الاستعمار.
ترصد الحارثي ما طرأ من تحوُّلات على المجتمع العُماني من الماضي القريب إلى الحاضر، وتطور المفاهيم ومدى تقبل المجتمع التقليدي لمظاهر الحداثة. إنها مرحلة مهمة خاضتها المجتمعات الخليجية والعربية وحتى الغربية، وكانت لكل بيئة مخاضاتها المختلفة.
ومن يقرأ الرواية سيكتشف خفايا كثيرة عاشها هذا المجتمع في طريقه نحو التحديث، ولم تكن معروفة لدى الكثيرين، وهذا جزء من مهمة العمل الروائي الاجتماعي الذي يوثق التحوّلات بأسلوب أدبي وروائي بعيداً عن المباشرة والإغراق في التاريخية البحتة للأحداث.

إتقان اللعبة السردية الحديثة
تقنيات الرواية الجديدة معقدة ومفاجئة، لأنها في الأساس متداخلة، وفيها نوع من عدم ترتيب الأحداث زمنياً. إذ ينتقل السرد إلى الماضي ومنه إلى المستقبل، مروراً بالحاضر، كما تتداخل الشخصيات والأمكنة والأحداث. وهذه التقنيات التي استخدمتها الكاتبة في عملها الروائي، هو ما جعل الزمان وكانه في حراك دائم، وهو ما باتت تمتاز به الروايـة الحداثيــة بشكل عام في بعدها عن سكونية النص التقليـدي، والبحـث عن التجديد من خـلال الاستفـادة من التجارب العالميــة في الفن الروائي.
تتقن الحارثي اللعبة السردية، من خلال تعدُّد الأصوات في الرواية، بين صوت المرأة الطاغي، وصوت الرجل الأقل ظهوراً، وتشظي السرد بين السارد الموجود داخل العمل الروائي، والسارد الضمني. وهو ما أتاح تنوعاً في تناول وجهات نظر مختلفة، كما أتاح التحرر من السرد النمطي وأحادية الصوت في الرواية، وكسر البنية التقليدية في خطابها الروائي.
وعن اللغة والسرد، تقول رئيسة اللجنة المانحة للجائزة: “اللغة الشعرية ماكرة .. كأنها دراما محلية تدور في عالم ساحر. ولكن مع الشحنات الفلسفية والنفسية والشعرية التي تحملها الرواية، ينجذب القارئ إلى السرد من خلال العلاقات التي تربط الشخصيات. لقد شجعتنا الرواية على القراءة بطريقة مختلفة قليلاً”.

واقعية ذات حبكة تتطلَّب التركيز
“سيدات القمر”، من الروايات التي يمكن تصنيفها في خانة الواقعية الاجتماعية التسجيلية أو التاريخية. فهي توثق أحداثاً تاريخية بلغة روائية سهلة التركيب وصعبة التفكيك في الآن نفسه. وهذا ما يتطلب من القارئ وقتاً لتفكيك حبكتها الروائية وتتبع أحداثها التي تتنقل بسلاسة وسهولة جذابة تجعل القارئ دائم التركيز فيها، يتابع مراحلها من واحدة إلى أخرى ومن زمن إلى آخر، ويتنقل بين عوالمها المرتبطة بعضها بعضاً. فقد استطاعت الحارثي أن تتناول للقارئ أزمنة مختلفة في أماكن متفرقة، وذات مستويات طبقية اجتماعية مختلفة، وسط تحولات داخلية وخارجية سياسية واجتماعية. كما نجحت في توظيـف المفـردات والتعابيـر المحلية والشعبية في ثنايا حوارات الرواية، من دون أن يؤثر ذلك على تماسك السرد الروائي أو يخل بمعمارها الفني.

تجاوز الظواهر السطحية
بالتدقيق في الحركة المجتمعية

يقول لوكاش في نظريته لمفهوم الواقعية الروائية، إن الجنس الروائي من حيث هو شكل تعبيريّ واقعي، ينبغي له أن ينتصر للتاريخ في تقدّمه، وللقوى الاجتماعية التي تسهم في هذا التقدُّم. ويضيف أن على الروائي أن يتجاوز الظواهر الطافية على السطح، ولن يتأتى له ذلك إلاّ إذا دقّق البحث في الحركة المجتمعية العميقة عن طريق “الإمساك بعملية الصّراع الطبقي واستشراف الآفاق التي يذهب إليها”. وهذا ما جسدته رواية “سيدات القمر” في تناولها لتحوّلات الماضي والحاضر، وخاصة مرحلة الانتقال إلى الحداثة. فالمؤلفة تجمع كل ذلك بلغة رشيقة، ووصف مركز لمآسي بشر لا ينقصهم شيء، ومآسي آخرين ينقصهم كلُّ شيء، ومن ذلك الطبقية الاجتماعية بين السادة والعبيد، والأغنياء والفقراء، والمتعلمون والجهلة، والسياسيون والعامة، وتحولات بين الماضي والحاضر، والتقليدية والحداثة، وقيم إنسانية عامة تستند عليها الرواية كالحب والحرية، وغير من ثنائيات جمعتها الرواية، وتناولتها من خلال أحداث بعضها كان صغيراً والآخر منها كان كبيراً وله تبعاته وآثاره.
إنّ الثنائيات التي عمدت الكاتبة إلى توظيفها في عملها الروائي تتناسق ومضمون الرواية العام. فلا عبد بلا سيد في واقع لا يزال يتاجر بالرقيق ويجيء بهـم من دول مختلفـة وبعيـدة، وحال الأغنياء وسط مجتمـع يلفــه الفقـر وطبقـة متوسطـة أو دون المتوسطة.
استلهمت الحارثي أحداث رواياتها من الموروث الشعبي، وحاكت تفاصيلها عبر الربط بين المكان وأبطاله وعوالمهم الداخلية، فتغوص في وصف التقاليد والطقوس وحتى الأساطير في حالات معينة؛ كالزواج والزفاف والجنازات والتشاؤم من تسمية الأطفال بأحد الأحياء وولادة المرأة وعوالم الجن وحكاياتهم.
إن القدرة الكتابية التي تتمتع بها الحارثي هي التي مكّنتها من الجمع بين عوالم مُتداخلة ومختلفة، ومن مراحل زمنية مختلفة، في رواية ترافق التحوُّل من بيوت الطين إلى بيوت الإسمنت، ودخول التلفزيــون إلى كـل بيــت.. وغيـر ذلك مــن الأحداث والتحـولات التي تركت بصماتهـا على الحياة الجتماعية.
ختاماً، لا بد من الإشارة إلى أمر مثير للتساؤل، وهو أن الطبعة العربية الأولى من هذه الرواية كانت قد صدرت في عام 2010م، الأمر الذي يرسم علامات استفهام حول عدم ترشيحها على قوائم النسخة العربية من الجائزة نفسها خلال السنوات الماضية. فهل من جواب؟

مؤلفات الحارثي
تحمل جوخة الحارثي شهادة الدكتوراة في الأدب العربي من جامعة أدنبرة في أسكتلندا، وتدرّس حالياً الأدب العربي في جامعة السلطان قابوس.
كتبت ثلاث روايات، هي:
• “منامات”، رواية، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004م
• “سيدات القمر”، رواية، عن دار الآداب، 2010م
• “نارنجة”، رواية، عن دار الآداب، 2016م
• “صبي على السطح”، مجموعة قصصية، 2007م
• “مقاطع من سيرة لبنى إذ آن الرحيل”، مجموعة قصصية، 2001م
• “عش للعصافير”، قصة للأطفال، 2010م
• “السحابة تتمنى”، قصة للأطفال، 2015م
تُرجمت بعض قصصها القصيرة إلى لغات أجنبية عديدة.


مقالات ذات صلة

اليوم الدراسي الأوّل هو يوم مُبجَّل في ذاكرة الطلاب. ففي ذلك اليوم، كل طالب يذهب وهو مثقل بالخيالات التي تشكَّلت في داخله عن المدرسة وعوالمها، يذهب وهو معبأ بوصايا الوالدين ومحفوفاً بدعواتِهم. إنه يوم تاريخي تستعاد ذكرياته عندما يتقدَّم بنا العمر، وعندما تكسو ذلك اليوم ظلال الأشياء وأعباء الحياة. إنه اليوم الذي يتخلَّى فيه الطفل […]

أنْ تُولد بملَكةٍ لُغويّة [جبّارة] مقارنةً بأقرانك فقد وُهِبتَ آلةً بالغة التفوّق تُمَكِّنك من العيش ببراعة، وما عليك إلا الثقة بها والحِفاظ عليها. حسناً! لنتّفق -بدايةً- على تعريفٍ جامعٍ لماهية الذكي لُغويّاً، إضافةً إلى مخزونه اللغويّ الواسع وقدرته على التصرّف بالكلمات -كوحدة لُغويّة-، ونَفَسه الجدليّ العالي، وقابليّته الذهنية لتعلّم اللغات، فهو مَن يُعطي اعتباراً للمتلقي، […]

في الأول من يونيو من العام الجاري، افتتح متحف “الإرميتاج” في روسيا معرضاً عالمياً تحت عنوان “الذكاء الاصطناعي والحوار بين الثقافات”، شارك فيه أربعة عشر فناناً من ثماني دول إضافة إلى الدولة المضيفة. وتمثل الفن السعودي المعاصر في هذا المعرض الذي استمر لمدة شهر، بأعمال بارزة للفنانة لولوة الحمود، إضافة إلى رفيقتها دانية الصالح، جاورت […]


0 تعليقات على “سيدات القمر”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *