مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
يوليو - أغسطس | 2019

سلاسل الإمداد
لا غنى عنها في إدارة الأعمال الناجحة


أحمد الجيزاني

منذ بداية القرن العشرين، حين تأسست أولى الكليات لتدريس إدارة الأعمال كعلم مستقل، شهد مفهوم الإدارة تطوّرات وتغيرات عديدة، فانقسم هذا العلم إلى عدة فروع واختصاصات مختلفة، منها التقليدية كالمحاسبة، والتمويل، والتسويق، وإدارة الموارد البشرية، ومنها الحديثة كالتسوق على الإنترنت، وإعادة هندسة العمليات التجارية، والإدارة الاستراتيجية، والتصنيع الرشيق،  والخدمــات اللوجستيـــة، وإدارة سلاسل الإمداد.

إدارة سلاسل الإمداد واحدة من أساليب الإدارة الجديدة والمتقدِّمة التي ظهرت وتطوَّرت بسرعة في مختلف الصناعات في جميع أنحاء العالم. وأصبحت تمثل عاملاً مهماً وضرورياً في نجاح الشركات ومدى قدرتها على تقديم خدمات مميزة لعملائها، مع خفض التكاليف في الوقت نفسه لتستطيع المنافسة وتحقيق نجاحات مميزة.

بين إدارة سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية
غالباً ما يتم الخلط بين مصطلحي إدارة سلسلة الإمداد والخدمات اللوجستية أو استخدامهما بشكل مترادف. ومع ذلك، فإن الخدمات اللوجستية تُعدُّ أحد مكوّنات إدارة سلسلة الإمداد. فالخدمات اللوجستية تركِّز على نقل منتج أو مادة ما بالطريقة الأكثر فعالية، بحيث يصل إلى المكان المناسب في الوقت المناسب، وهذا يتضمَّن أنشطة أخرى مثل التغليف والتخزين والتسليم. أما مفهوم إدارة سلسلة الإمداد فهو أشمل، ويتضمَّن التخطيط والتصميم والشراء والإنتاج ومراقبة المخزون والتوزيع والخدمات اللوجستية والجودة.
وهكذا تُعدُّ إدارة سلسلة الإمداد على مستوى العالـم واحـدة من استراتيجيـات العمليـات المشتركة للمؤسسات التي لديها ميزة تنافسية. وقد نمت مؤخراً لتصبح النهج المفاهيمي الرئيس في إدارة الأعمال.

ما هي إدارة سلاسل الإمداد؟
ظهر مصطلح إدارة سلاسل الإمداد لأول مرَّة عام 1982م على يد كايث أوليفر، وهو مستشار بريطاني متخصص في العلوم اللوجستية، وذلك في مقابلة مع صحيفة الفايننشال تايمز. ورغم حداثة الفكرة، إلا أنها استحوذت على كثير من الاهتمام من قِبَل الأكاديميين ورجال الأعمال بعد ذلك.
يمكن تعريف إدارة سلاسل الإمداد بأنها العملية التي تدمج وتنسق حركة السلع والمواد والمعلومات وتتحكم بها من المورد إلى المصنع إلى المستهلك النهائي. وتعتمد على تكامل العمليات التسويقية من حيث جمع المعلومات في كل مرحلة وصولاً إلى المستخدم النهائي، ثم تغذيتها إرجاعياً عودة إلى الموردين الأصليين. وبهذه الطريقة توفر سلاسل الإمداد المتطورة والديناميكية تكاملاً عضوياً بين الإنتاج والتسويق والخدمات والمعلومات للشركة والمستهلكين على السواء.

وتؤمن إدارة سلاسل الإمداد الموازنة بين العرض والطلب، وتجنب الخسائر الناتجة عن التفاوت بينهما من خلال اتباع طرق علمية مبنية على دراسة البيانات السابقة وتقييم الوضع الحالي للسوق. وتشمل العمليات التالية:

أما الهدف النهائي لإدارة سلاسل الإمداد المتطوِّرة فهو تأمين عنصرين حيويين لأي شركة أو مؤسسة ناجحة: الاستقلال النسبي للفروع من خلال إعطائها هامشاً واسعاً لتنفيذ مهامها بفعالية ونشاط، وفي الوقت نفسه تأمين تكامل في الأداء الاستراتيجي للشركة ككل. وذلك باتباع أساليب ومناهج عملية مبتكرة ومتجدِّدة باستمرار لتكتسب قدرة تنافسية في عالم تزداد فيه التنافسية بشكل كبير.

إن الخدمات اللوجستية تُعدُّ أحد مكونات إدارة سلسلة الإمداد. تركز الخدمات اللوجستية على نقل منتج أو مادة ما بالطريقة الأكثر فعالية، بحيث يصل إلى المكان المناسب في الوقت المناسب، وهذا يتضمَّن أنشطة أخرى مثل التغليف والتخزين والتسليم.

وهكذا فإن إدارة سلاسل الإمداد تعالج العلاقات العديدة بين أطراف متعدِّدة ومختلفة بحيث تتغلب على معوقات نمو الإنتاجية. وهذا يعني جعل التخطيط بدلاً من التصنيع هو مركز عملية الإدارة. أي إنه من الضروري أن تكون العمليات في مختلف مراحل سلسلة الإمداد متكاملة ومتكيفة مع ظروف العمل المتغيرة بشكل يضمن تنفيذها بسلاسة.
تسهم إدارة سلاسل الإمداد في زيادة كفاءة المؤسسات التي تؤدي بدورها إلى رفع الأرباح وخفض التكاليف. كما تعزِّز التعاون بين الأطراف بشكل أفضل لتحقيق الأهداف المشتركة وتنظيم عمليات الشراء والنقل واستخدام كميات مناسبة من المخزون والحفاظ على التكاليف عند الحد الأدنى. وتسهم بشكل فاعل في تلبية طلبات العملاء، من خلال الاستراتيجيات والعمليات المناسبة للمساعدة في تفادي التعقيدات غير الضرورية. ومن المهم أنها تنظم إدارة الاضطرابات والتغيرات التي تواجهها المؤسسة داخلياً وخارجياً بتقديم حلول سريعة ومناسبة للتكيف مع المتغيرات وتقليل أثر المخاطر على سير العمل. مما يساعد الشركات والمؤسسات في تحقيق فوائد إيجابية وتحويل التحديات إلى فرص تطويرية.
وإضافة إلى ما تقدَّم، يغطي نشاط سلسلة الإمداد القضايا البيئية والاجتماعية والقانونية. من هنا يرتبط مفهوم الاستدامة في إدارة سلاسل الإمداد ارتباطاً وثيقاً بالمسؤولية الاجتماعية للشركات التي أصبحت من صلب مجالات الاهتمام الرئيسة للمؤسسات في الوقت الحالي.

تحوُّلات إدارة سلاسل الإمداد
شهد مفهوم إدارة سلاسل الإمداد تحوُّلات متعدِّدة في العقود الثلاثة الماضية للتكيف مع المتغيرات المتسارعة في عالم الأعمال؛ ذلك بسبب العولمة وثورة تقنية المعلومات. بينما ركَّزت سلاسل الإمداد سابقاً على توفُّر الأصول المادية وحركتها وتكلفتها، فإن سلاسل الإمداد الحالية تدور حول إدارة البيانات والخدمات واقتراح الطرق الإبداعية في تقديم الحلول. الأمر الذي يعني أن إدارة سلسلة الإمداد الحديثة هي أكثر بكثير من مجرد معرفة أين ومتى تتم عمليات الشراء والنقل والتخزين، بل يمتد تأثيرها إلى جودة المنتج والخدمة، والتسليم، والتكاليف، وتجربة العملاء، وفي النهاية إلى ربحية الفروع وبقائها في السوق بواسطة توفير قدرات تنافسية قوية.
ونظراً لأهمية هذا التأثير، انتقلت حالياً ساحة المنافسة من كونها، شركة ضد شركة، لتصبح سلسلة إمداد مقابل سلسلة إمداد أخرى. فمن المهم أن تصبح العلاقة بين الفروع داخل سلسلة الإمداد أكثر ترابطاً لأن الشركة تغرق أو تنجو مع سلسلة الإمداد. ولهذا السبب تظهر الحاجة إلى التميز في إدارة سلاسل الإمداد.

تسهم إدارة سلاسل الإمداد في زيادة كفاءة المؤسسات التي بدورها تؤدِّي إلى رفع الأرباح وخفض التكاليف. كما تعزِّز التعاون بين الأطراف بشكل أفضل لتحقيق الأهداف المشتركة وتنظيم عمليات الشراء والنقل واستخدام كميات مناسبة من المخزون والحفاظ على التكاليف عند الحد الأدنى.

يعتمد التميز في إدارة سلاسل الإمداد على أمرين رئيسين: أولاً تطوير العمليات والكفاءات داخل كل فرع من خلال منهجيات تلائم الشركة وطبيعة العمل داخلها، وثانياً التعاون بين أطراف السلسلة والعمل بشكل متكامل ضمن خطة موحدة تحقق الأهداف المشتركة وفق مبدأ المنفعة المتبادلة. ويعتمد التعاون بين الأطراف على مشاركة البيانات والمعلومات اللازمة لضمان إنجاز العمليات بشكل سريع وبأفضل جودة ممكنة.
ولكن في الوقت نفسه، يشكِّل تشارك المعلومات بين فروع متعدِّدة تحدياً كبيراً في إدارة سلسلة الإمداد؛ بسبب تحفظ بعض الأطراف على مشاركة المعلومات مع باقي الأطراف الأخرى لأسباب مختلفة. ويختلف حجم المعلومات التي يتم مشاركتها حسب عمق العلاقة وحجم التعامل بين الفروع المختلفة في سلسلة الإمداد، بدءاً من مشاركة بعض المعلومات البسيطة المتعلقة بكميات المشتريـات والمبيعات مع الموردين والعملاء الأقل أهمية، وصولاً إلى العمل ضمن قاعدة بيانات مشتركة مع الموردين والعملاء الاستراتيجيين.
لذلك يُعدُّ العمل الخلاق لتثبيت علاقات مبنية على الثقة بين الأطراف كافة، واستمرارها على المدى الطويل، تحدياً كبيراً أمام إدارة سلاسل الإمداد. وهذا هو المحك الذي على أساسه تزدهر الشركة وتزيد حجم تعاملاتها، أو تفشل ولا تستطيع المنافسة مع الشركات الأخرى وتخرج من السوق.

أهميتها في المستقبل
تتلاءم الطبيعة العالمية المتزايدة لسلاسل الإمداد مع العولمة وانفتاح الأسواق الدولية، وصعود التجارة الإلكترونية وازدياد عمليات التسليم الصغيرة الحجم والفورية إلى المستهلكين مباشرة. كما تزداد أهمية إدارة سلاسل الإمداد مع بداية عصر جديد من التوصيل المباشر للسلع والخدمات عبر الطائرات دون طيار مباشرة إلى المنازل في كافة أنحاء العالم.

انتقلت حالياً ساحة المنافسة من كونها، شركة ضد شركة، لتصبح سلسلة إمداد مقابل سلسلة إمداد أخرى.

وهكذا تحتم إدارة سلاسل الإمداد المتكاملة وذات الرؤية الشاملة والكونية الخروج من الصوامع الانعزالية وتفكيكها وتَبَنِّي عقلية مرنة من أجل تعزيز التعاون والاتصال مع باقي الأطراف. بهذه الطريقة تتمكن الشركة أو المؤسسة من الوصول إلى البيانات الدقيقة القابلة للتنفيذ في الوقت الفعلي عبر وظائف متعدِّدة، وتسريع عملية صنع القرار وزيادة الإنتاجية. ويُعدُّ التميز في إدارة هذه البيانات والاستفادة منها إلى الحد الأقصى عاملاً رئيساً في النجاح والتقدُّم.
تتميز إدارة سلاسل الإمداد الحديثة باستخدام التقنيات الناشئة في إدارة العمليات المختلفة، من خلال إنشاء شبكات مترابطة بوضع أجهزة استشعار في كل الأماكن التي تمر بها المواد خلال عملية الشراء والنقل والتخزين مروراً بمرحلة التصنيع والتوزيع. ثم استخلاص وتحليل البيانات بهدف تحسين الأداء ورفـع مستـوى الجودة والخدمة لجذب المستهلكين.

من المتوقع أن توفِّر سلاسل الإمداد المستقبلية فوائد واضحة للمجتمعات، وللمؤسسات الحكومية وللصناعة، وللشركات المتوسطة والصغيرة، وفي النهاية للمستهلكين  والعملاء.

وتقدّم إدارة سلاسل الإمداد الأحدث، والمعروفة بالرابعة تماهياً مع الثورة الصناعية الرابعة، طرق تفكير متقدِّمة باستخدام تقنيات جديدة ذات وظائف مختلفة من أجل تحليل البيانات وتحديد التوجهات الجديدة والمشكلات المحتملة والفرص الواعدة عبر عديد من الأنظمة في وقت واحد. يهدف هذا النهج التكاملي إلى سد الفجوات بين التطبيقات والتقنيات المختلفة من أجل الحصول على رؤية أوسع للبيانات الداخلية والخارجية، وتحويلها إلى معلومات تساعد في اتخاذ قرارات مناسبة على المستوى الاستراتيجي والتشغيلي. حيث تستفيد سلاسل الإمداد الحديثة من كميات هائلة من البيانات الناتجة عن عمليات السلسلة ويتم تنسيقها وتحليلها بواسطة خبراء تحليليين وعلماء متخصصين في استخلاص البيانات من مصادر مختلفة وتحقيق الاستفادة المثلى في وقت قياسي.

وفي ظل هذه التطورات، من المتوقع أن توفر سلاسل الإمداد المستقبلية فوائد واضحة للمجتمعات، وللمؤسسات الحكومية والصناعة والشركات المتوسطة والصغيرة، وفي النهاية للمستهلكين والعملاء.


مقالات ذات صلة

تتزايد أعداد البشر باستمرار، وتكبر معها حاجاتهم الغذائية وتتشعب. وعلى عكس كثير من الكائنات الحية الأخرى، يُفضل البشر أنواعاً عديدة من المأكولات لتأمين المغذيات المختلفة التي لا تتوفر في صنف واحد. ومن أكثر المغذيات شعبية بالنسبة للبشر المأكولات البحرية، التي يكون الحصول عليها صعب المنال في بعض الأحوال، إذ ثّمَّة عوامل كثيرة يجب توفرها، لذلك […]

ظهر أول لوح تزلج كهربائي ذكي ذي عجلة واحدة عام 2014م، من تصميم كايل دوركسن، الذي يحمل عدّة درجات علمية من جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة. وفي عام ظهوره، كانت مبيعاته محدودة، أما اليوم، وبعدما ظهرت عدّة منتجات تجارية مُحسنة منه، صار يظهر في أماكن عديدة أكثر من ذي قبل. وهو عبارة عن لوح تزلج […]

يُعرف عن الكاتب الكبير غابرييل غارسيا ماركيز أنه ما كان يستطيع الكتابة الإبداعية إلا إذا تنشق رائحة الورد الأصفر العطرة. وبالمقابل، لم يكن يأتي الإلهام إلى الملكة الإنجليزية إليزابيث الأولى إلا إذا وضعت على قلادتها رائحة التفاح المتعفن الكريهة. فكيف لنا، في عصر الذكاء الاصطناعي، أن نعلّم الآلة قياس الرائحة إذا كانت الروائح المتناقضة تثير […]


0 تعليقات على “سلاسل الإمداد”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *