مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو – يونيو | 2024

في عروق بني معارض
سحر الرمال.. هبة إلهية وإبداع بشري


أحمد إبراهيم البوق

قبل 45 عامًا، وتحديدًا في عام 1978م، شُوهدت آخر مجموعة من المها العربي في الطرف الشمالي الغربي للربع الخالي، في موقع يُسمَّى: عروق بني معارض، حيث تعانق عروق الرمال جبال العارض أو طويق. هذا العناق الجيولوجي بين النعومة والصلابة، بين الرمال والصخور الرسوبية، أفرز بيئات متنوعة جعلت من هذا الموقع الأغنى في التنوع الأحيائي في الربع الخالي. وكان ذلك من أهم الأسباب لإعلان المملكة هذا الموقع محمية طبيعية في عام 1996م، على مساحة 12,700 كيلومتر مربع، وهي لا تشكل سوى %1 إلى %2 من مساحة صحراء الربع الخالي المهيبة التي تزيد على مساحة فرنسا وتقدر بـ650 ألف كيلومتر مربع.

حينئذٍ بدأت كتابة الأسطر الأولى لقصة نجاح عالمية لاستعادة لؤلؤة الرمال، وأيقونة الصحراء العربية، المها العربي، الذي سُجل انقراضه من البرية في تلك المشاهدة الأخيرة، والذي نجح المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، عبر جهود وطنية امتدت إلى أكثر من ثلاثة عقود، في استعادته وتخفيض مستوى التهديد لهذا النوع المتوطن في شبه الجزيرة العربية بأربعة مستويات على مقياس الاتحاد العالمي للمحافظة (IUCN).

الجهود لاستعادة الأنواع المنقرضة في البرية مثل المها العربي، أو المهددة بالانقراض كظباء الريم والظبي العربي وطيور الحبارى، وتوفير ملاذ طبيعي لكائنات الصحراء لتنمو وتزدهر، أثمرت بعد 45 عامًا من اختفاء المها العربي عن استحقاق عالمي تتوج بتسجيل محمية عروق بني معارض في 2023م، في قائمة التراث العالمي الطبيعي ضمن قوائم منظمة اليونسكو وفي مصاف معالم طبيعية استثنائية في العالم، مثل: محمية سيرنجيتي في تنزانيا، ومحمية أرخبيل غالاباغوس في الإكوادور، ومتنزه الأخدود العظيم في جراند كانيون في الولايات المتحدة الأمريكية، والحيد المرجاني العظيم في شرق أستراليا.

وقد تحقق في الموقع معياران من أربعة معايير لتقييم التراث العالمي الطبيعي في العالم، وهما: المعياران السابع والتاسع اللذان يؤكدان أن الموقع يحتوي على قيم طبيعية وجمالية استثنائية على مستوى العالم، وعلى تنوع أحيائي عالٍ لمنطقة صحراوية قاحلة. فالموقع جزء من أكبر صحراء رملية متصلة في العالم، والصحراء الاستوائية الوحيدة في آسيا، وفيها أكبر تجمع من الكثبان الرملية الطولية، التي يمتد بعضها إلى مئات الكيلومترات. وملف التسجيل، الذي استغرق إعداده من فريق باحثي وخبراء المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية حوالي ثلاث سنوات، احتوى على 930 نوعًا من الكائنات الحية تبث الحياة في هذه الصحراء، منها 112 نوعًا من النباتات فيها خمسة أنواع متوطنة لا توجد في أي مكان آخر في العالم، وأربعة أنواع من الحشرات جديدة على العلم، إضافة إلى حيوانات عُدّت رمزًا للصحراء، مثل: المها العربي وظباء الرمال والظبي العربي وثعلب الرمال والقط الرملي والأرانب الصحراوية وأنواع عديدة من السحالي كالضب والورل وسحلية سمكة الرمال.

جاءت هذه السمفونية الطبيعية والجيولوجية نتيجة عصور مطيرة مرت على هذه الرمال، التي كانت مروجًا خضراء تعج بالحيوانات والأشجار. فآخر عصرين مطيرين كانا عصر البلايستوسين الذي امتد من 35 إلى 17 ألف سنة قبل الميلاد، وعصر الهولوسين الذي امتد من 10 إلى 5 آلاف سنة قبل الميلاد. وكان في المنطقة حيوانات تشبه حيوانات السافانا الإفريقية ومناطق البحيرات والأنهار، منها بحيرة المندفن. وقد جفت بحيرات الربع الخالي مع تغير دورة المناخ وتحوله إلى مناخ صحراوي شديد الحرارة، واختفت معظم الحيوانات الفطرية، ولكن بعضها تكيف مع مناخ الصحراء الجاف والحار ليصبح لاحقًا أيقونات تميزها وتبث الحياة فيها، ومنها المها والظباء والنعام، التي جار عليها الإنسان بالصيد فاختفت، وأعادتها جهود الحماية والإكثار وإعادة التوطين، حتى إن تلك الجهود لفتت أنظار العالم إلى سحر الصحراء العربية وتنوعها، وإلى الإدارة القوية لأهلها ولحكومة المملكة للحفاظ عليها وتنميتها كإرث طبيعي وجمال أخّاذ. ويُعد تسجيل محمية عروق بني معارض في قائمة التراث العالمي الطبيعي في اليونسكو، هو الأول على مستوى المملكة، والسادس على مستوى الوطن العربي. ومنذ سبع سنوات، لم يُعلن في الشرق الأوسط موقع تراث عالمي طبيعي في قوائم اليونسكو قبل محمية عروق بني معارض.

ومن المهم الإشارة إلى أن مواقع التراث العالمي الطبيعي لا تغطي سوى أقل من %1 من سطح الأرض، وحوالي %10 من مساحة المناطق المحمية في العالم، وتعترف بها أكثر من 190 دولة منضمّة إلى الاتفاقية، وهو ما يؤكد أن الصحراء ليست هبة إلهية فحسب، ولكنها إبداع بشري في حفظ هذه الهبات وحمايتها وتنميتها وازدهارها، لتتحول رمزًا للسلام والتواصل بين الشعوب.


مقالات ذات صلة

الدراسات التي تتناول الإنسان القديم، وما طرأ عليه عبر التاريخ من تغيّرات جسدية وسلوكية ونفسية، كانت تتعثر نظرًا لصعوبة توثيق السمات المتعلقة بأفراد الحضارات السابقة وشعوبها وأنشطتها المختلفة بالطرق التقليدية. ولكن وسائل الذكاء الاصطناعي المتعددة أسهمت في إعادة النظر في كثير من الأبحاث التاريخية المعنية بدراسة الحضارات السابقة؛ بغية التعرُّف على عادات شعوبها، ووسائل معيشتهم، وطرق تفكيرهم، ومناهج إدارتهم لأمورهم المعاشية، إضافة إلى الكشف عن الاتجاهات النفسية التي سادت في تلك الحقب الماضية. وقد حُدَّ من سيل التكهنات والتخمين والتصور الخاطئ، الذي كان يرافق فيما مضى تدوين التاريخ القديم.

لم يكن العالم صاخبًا كما هو الآن. كانت الأصوات الاصطناعية، التي يحدثها البشر عبر التاريخ مقصورة على بعض الآلات الموسيقية والطبول والأبواق وغير ذلك من الأدوات، التي كانت تُستخدم في مناسبات محددة. لكن عالمنا يشهد اليوم مجموعة كبيرة من أصوات الآلات والمركبات، والأجهزة التي تنقل الأصوات عبر الأثير من كل زاوية في الكرة الأرضية، حتى إنها طغت على الطبيعة نفسها وحاصرت البشر من كل صوب. وإن كان كل هذا قد بدأ مع الثورة الصناعية وتطور التكنولوجيا، فإننا نعوّل اليوم على هذه التكنولوجيا نفسها لحماية البشر والطبيعة من أضرار التلوث الضوضائي.

لأن الممارسات الزراعية الحديثة بعد الثورة الصناعية قد أثرت سلبًا في البيئة، وتسببت في تآكل التربة ومشكلات بيئية عديدة، ظهرت الزراعة العضوية في النصف الأول من القرن العشرين بديلًا للزراعة الرائجة، بهدف إيجاد بدائل مستدامة لاستخدام المبيدات الكيميائية والأسمدة الصناعية والحرث العميق. بمعنى آخر، الزراعة العضوية هي نموذج متطور للنشاط الزراعي يُسهم في الحفاظ على التوازن البيئي. ومن أهم الأهداف التي تسعى إليها الزراعة العضوية، الحفاظ على سلامة التربة وحيويتها.


0 تعليقات على “سحر الرمال.. في عروق بني معارض”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *