مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
سبتمبر – أكتوبر | 2019

رقمنة العالم


د. أبوبكر سلطان

منذ منتصف القرن العشرين، بدأت الرقمنة تتغلغل ببطء في بعض القطاعات، ثم اندفعت بقوة مع ظهور شبكة الإنترنت في التسعينيات، وتعزَّزت بانطلاق البيانات الضخمة في الألفية الحالية (2013م)، فباتــت الآحـــاد والأصفــار تسيطــر على العالم. إذ إن هذا الترميز الثنائي (0 و1)، وهو لغة الحاسب، يبتلع يوماً بعد يوم كل شيء، من لعـب الأطفــال إلى المؤسســـات وحكومـات الـــدول التي “تتَرَقمَن”.
وأخذت الرقمنة بتغيير الطريقة التي يعيش فيها العالم من معظم جوانبها الاقتصادية والاجتماعية، حتى أصبح من النادر أن تجد شخصاً ليست له علاقة “بالرقمنة” من قريبٍ أو بعيد. وأصبح يطلق على الذين لا يلمون بكيفية التعامل مع تقنيات المعلومات الرقمية “الأميون الرقميون”.

ستُغيّر “رقمنة” العالم حياة البشر جذرياً بانتشار التقنيات الحديثة المُزَلْزِلَة (أي تقنيات مبتكرة تقضي على القديم وتخلق بيئة جديدة تماماً)، مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، والطباعة ثلاثية الأبعاد وشبكة الجيل الخامس المتنقلة (المزمع تنفيذها بحلول 2020م، التي ستنقل البيانات الضخمة وتعالجها بسرعة أكبر، وستربط عدداً هائلاً من الأشياء الذكيـة والأشخاص والحوسبة السحابيــة وتطبيقـات الذكاء الاصطناعي).

وستزيد “الرقمنة” ليس فقط من العائدات الاقتصادية، بل ستسهم أيضاً في تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة. ولن تتحقق فوائد هذه التقنيات المبتكرة من دون “رقمنة” كل شيء في العالم.

فقد ارتفع الضجيج حول “الرقمنة” مع الانتشار الواسع للمجتمع المعلوماتي الثالث (المجتمع الأول كان عصر الطباعة منذ أكثر من خمسمئة عام، ثم الثاني أثناء الحرب العالمية الثانية). وبات كل فرد من هذا المجتمع يمتلك هاتفاً جوالاً، و%70 من سكانه مشتركون في النطاق العريض المتنقل، ونصفهم يستخدمون إنترنت وحاسبات. وبحلول العام المقبل 2020م، يُتوقع أن يكون لدى %40 من المؤسسات اختصاصيو ذكاء اصطناعي، وسيجرب %70 منهم الذكاء الاصطناعي، وستستخدمه %25 من المؤسسـات في الإنتاج. وبعد ذلك بسنتيــن (2022م)، ستختبر %70 من الشركات تقنيــات غامرة، وستنتج “بلوكتشين” 3.1 تريليون دولار أمريكي بحلول 2030م.
وبفضل انتشار المجتمع المعلوماتي والبيانات الضخمة، أمكن استثمار البيانات والعمليات “المُرقمنـة” في تغذيــة أنظمـة الذكــاء الاصطناعي لتقوم بدورها الاقتصادي والتنموي في مجالات مثل:

الأشياء الآلية (مثل الزراعة الأوتوماتيكية، والروبوتـات، والمركبـات ذاتية القيــادة، والطيارات المُسيّرة).

التحليلات المُعزّزة (مثل استخدام التعلم الآلي ومعالجة اللغة الطبيعية لتعزيز ذكاء الأعمال).

التطوير الذاتي (مثل استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي في تطوير نفسها).

التوأم الرقمي (أي تمثيل رقمي يعكس الأشياء والعمليات والأنظمة المادية).

الحوسبة عند الحافة (أي انتقال المعالجة الرقمية للبيانات إلى مصدرها نفسه).

Digitalization يمكن ترجمته إلى “ترقيمية” على وزن “تفعيلية”. وخلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة، لوحظ انخفاض متوسط استعمال مصطلح “الترقيمية” بينما ازداد استعمال مصطلح “الرقمنة”، ثم تصاعد استعمال مصطلح “التحوُّل الرقمي” في الأعوام الأخيرة.

التطبيقات الغامرة (مثل الواقع المعزّز، وهو تقنية قائمة على إسقاط الأجسام الافتراضية والمعلومات في البيئة الحقيقية لتوفر معرفة إضافية، لكنه نقيض الافتراضي القائم على إسقاط الأجسام الحقيقية في بيئة افتراضية، والواقع المختلط مزيج من الاثنين).

الحوسبة الكمومية (تتيح الحوسبة الكمومية معالجة أسرع بكثير من الحاسبات العملاقة باستخدام وحدة بيانات “كيوبِتْ”، ليس 0 و1 فقط مثل الحوسبة الرقمية لكن مزيجاً منهما أيضاً).

“البلوكتشين” (تقنية رقمية تعمل بمبدأ دفتر الحسابات الموزع، فتوفر ثقة من دون وسيط للمعاملات المالية والحكومية والصحية).

الأماكن الرقمية الذكية (أي بيئات رقمية ومادية يتفاعل فيها البشر والأنظمة التقنية الذكية بانفتاح وتواصل وتناسق مثل المدن الذكية).

“الرقمنة”
تحديد المصطلح

“الرقمنة” مصطلح حديث تباينت المفاهيم والمقاييس حوله. وثار اختلاف حول تعريف المصطلحات الإنجليزية “Digitalization, Digitization, Digital Transformation”. ففي بعض المجالات، كان التمييز بينهم واضحاً، بينما ظهر التباس في مجالات أخرى. ولعله من الممكن ترجمة Digitization إلى “رقمنة” بوزن “فعللة”؛ أما Digitalization فيمكن ترجمته إلى “ترقيمية” على وزن “تفعيلية”. وخلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة، لوحظ انخفاض متوسط استعمال مصطلح “الترقيمية” بينما ازداد استعمال مصطلح “الرقمنة”، ثم تصاعد استعمال مصطلح “التحوُّل الرقمي” في الأعوام الأخيرة.
ويمكن تعريف “الرقمنة” بأنها تمثيل البيانات التناظرية (الموجودة في المستندات، والرسومات، والميكروفيلم، والصور الفوتوغرافية، والإشارات الإلكترونية والصوتية، والسجلات الصحية، والمواقع، وبطاقات الهوية، والبيانات الحكومية والبنكية) بسلسلة رقمية من “البِتّـات” و”البايتـات”، لمعالجتها بالخوارزميات الحاسوبية بسهولة وفاعلية.
و”الرقمنة” هي أيضاً استخدام التقنيات الرقمية لتغيير نماذج الأعمال والعمليات وتوفير فرص جديدة لتوليد الثروة وللتنمية المستدامة. ويمكن النظر إلى “الرقمنة” بأنها أيضاً تحويل العمليات إلى نسخ رقمية وإلغاء الحواجز بين البشر وتقنية المعلومات والاتصالات باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحقيق مردود اقتصادي واجتماعي بفاعلية وإنتاجية أعلى.
وتُعد “الرقمنة” عملية تطوير جذرية في طريقة عمل المؤسسة باستخدام التقنيات الرقمية الحديثة في توافق مع أهداف المؤسسة والعملاء.
والبيانات التناظرية هي إشارات فيزيائية مثل الحرارة أو الرطوبة، ويجري تحويلها إلى “فولط” أو “أمبير” باستخدام جهاز استشعار، مثل الازدواج الحراري. ودرجة الحرارة هي بيانات تناظرية؛ والفولط الذي يمثل درجة الحرارة هو أيضاً بيانات تناظرية. ولكي يمكن معالجة بيانات الفولط التناظرية بالحاسب فسنحتاج تحويلها إلى بيانات رقمية على هيئة سلسلة من “البِتّات”. و”البِتْ” هو نبضة كهربائية في المعالجات الرقمية، ويرمز له بأحد الرقمين الثنائيين: إما 0 أو 1. أما “البايت” فهو وحدة معلومات رقمية في الحاسب وفي الاتصالات تتكوَّن من 8 بتات. فعلى سبيل المثال، يستقبل تطبيق “سيري” (الوكيل الشخصي الذكي والمتصفح المعرفي في الهاتف الجوال) ذبذبات صوتك التناظرية، فيقوم “برقمنتها” إلى سلسلة من البِتّات، ويعالجها بخوارزميات ذكائه الاصطناعي، فيصدر أوامره الرقمية إلى الجوال، فينفذ أوامرك الصوتية.

ما الذكاء الاصطناعي؟
يمكن تعريف الذكاء الاصطناعي بأنه قدرة الحاسب -أو الروبوت الذي يتحكم فيه حاسب- على أداء المهام المقترنة عادةً بالذكاء البشري. فهو يختلف عن “الرقمنة”، ويجري المصطلح على تصميم وتنفيذ أنظمة تتمتع بعمليات فكرية قريبة جداً من العقول البشرية، مثل القدرة على التفكير أو اكتشاف المعاني أو التعميم أو التعلم من التجارب. وهو مجال يُركز على خوارزميات حاسوبية لإنشاء آلات تعمل وتتفاعل نظير السلوك البشري. إنه تصميم “وكلاء أذكياء” يؤدون الأعمال نيابة عن البشر، أي أنظمة تقنية تُدرك بيئتها وتُنفّذ إجراءات موضوعية تزيد من فرص نجاح أتممتها، وذلك من خلال شبكات عصبية اصطناعية (نظام حوسبة يتكوَّن من عدد من المعالجات البسيطة والمترابطة للغاية، التي تعالج المعلومات من خلال استجابة الحالة الديناميكية للمدخلات الخارجية على غرار الدماغ والجهاز العصبي البشري)؛ وشبكة نظير إلى نظير (وهي شبكة تقوم فيها حاسبات بمشاركة الملفات والوصول إلى أجهزة دون الحاجة إلى خادم أو برنامج منفصل).

“رقمنة” البيانات الضخمة
زادت أهمية “الرقمنة” مع نمو البيانات الضخمة في العالم من 33 “زيتّابايت” (33 ألف مليون تريليون بايت) عام 2018م إلى 175 “زيتّابايت” المتوقعة في عام 2025م. فمثلاً يمكن للمركبات ذاتية القيادة توليد حوالي 3 “تيرابايت” (3 تريليون بايت) من البيانات كل ساعة، غير بيانات تحديد المواقع. وستستمر زيادة حجم البيانات وسرعتها وتنوعها وضجيجها مع تحديث خوارزميات “التعرف على الأنماط” و”تعلّم الآلة” ودمجهما في المركبات ذاتية القيادة والمدن الذكية و”إنترنت الأشياء”(مصطلح يصف التواصل المباشر بين أشياء ذكية عبر الإنترنت مثل تواصل البشر). ولتصور هذه الضخامة، فسنحتاج إلى 1,8 بليون سنة لتنزيل 175 “زيتَّا بايت” من البيانات بمتوسط سرعة 25 ميجابت/ثانية.
وحالياً، يتعامل أكثر من 5 مليارات مستهلك مع البيانات يومياً. وبحلول عام 2025م سيصبحون 6 مليارات (%80 من سكان العالم). وستنمو البيانات في الوقت الحقيقي إلى %30 من إجمالي البيانات العالمية، وكل 18 ثانية سيتفاعل كل شخص مع البيانات. وقد ارتفع معدل التفاعلات لكل شخص من حوالي 300 تفاعل يومياً عام 2010م إلى 5000 تفاعل يومياً في الوقت الحاضر.

وهناك ثلاث طبقات من البيانات الضخمة تحتاج إلى رقمنة:

“الرقمنة” هي أيضاً استخدام التقنيات الرقمية لتغيير نماذج الأعمال والعمليات وتوفير فرص جديدة لتوليد ثروة وللتنمية المستدامة. ويمكن النظر إلى “الرقمنة” بأنها أيضاً تحويل العمليات إلى نسخ رقمية وإلغاء الحواجز بين البشر وتقنية المعلومات والاتصالات باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحقيق مردود اقتصادي واجتماعي بفاعلية وإنتاجية أعلى.

01
النواة:
مراكز بيانات المؤسسة والمخازن السحابية ومراكز البيانات التشغيلية (كشبكات الكهرباء والهواتف).

02
الحافة:
معدات المؤسسة وتطبيقاتها غير تلك الموجودة في مراكز البيانات (كخوادم مواقع العمل، وأبراج خلايا الهواتف ومراكز البيانات الصغيرة البعيدة).

03
النهاية:
المستخدمون والحاسبات والهواتف وأجهزة الاستشعار والمركبات ذاتية القيادة والمدن الذكية. ويجري تجميع البيانات الرقمية من النهاية إلى الحافة؛ وهي موقع مهم للذكاء الاصطناعي. فمثلاً، حتى الآن، يعمل نظام “سيري” من خلال حوسبة عند النواة، وغداً ستكون الحوسبة في جوّالك الشخصي أي عند مصدر البيانات (النهاية). وهناك دور متزايد الأهمية لطبقتي النهاية والحافة، حيث يتم تسليم جميع البيانات الرقمية الضخمة الخاصة بنا أو من أجلنا للمساعدة في اتخاذ القرارات الصحيحة في الوقت الحقيقي، مثل تسليم بيانات كاميرات المركبات ذاتية القيادة، وبيانات “إنترنت الأشياء”.

“الرقمنة” ومفاعيلها الاقتصادية
تؤدي “الرقمنة” إلى استخدام أكفأ للموارد ورأس المال والعمالة، وتُنشىء نماذج أعمال جديدة في التجارة الإلكترونية، وشبكات نظير إلى نظير. وهي تنقل المستهلكين من المنتجات المادية إلى الخدمات الرقمية. ما تؤدي إلى زوال الحدود بين المنتج والمستخدم، حيث تنمو الأصول التي يولدها المستهلكون (المستهلكون الذين ينتجون) مثل منصات “جوجل”، و”فيسبوك”، وهذه الأصول لا تظهر في إجمالي الناتج المحلي. فمثلاً تجمع “جوجل” إيرادات من المعلنين الذين يشترون مساحة إعلانية، ويسمح مستخدمو “جوجل” باستخدام بياناتهم وسلوك بحثهم لتوليد دخل إضافي لها.
وتُستثمر “الرقْمنة” في أتمتة الأعمال لترقى إلى ذكاء الإنسان. وتُعد “الرقمنة” غذاءً للذكاء الاصطناعي. فمثلاً، تستخدم المؤسسات تقنيات الذكاء الاصطناعي بدرجات متفاوتة بين نهجين: التبني والاستيعاب. ففي نهج التبني، تختار استراتيجية المؤسسة تقنيات الذكاء الاصطناعي وبدء تنفيذها. أما نهج الاستيعاب، فيتم فيه اكتساب المؤسسة الكامل للمعرفة التقنية حول الذكاء الاصطناعي وهضمها وتطويرها واستخدامها بنجاح.
وبحلول عام 2030م، ستعتمد %70 من الشركات نوعاً واحداً على الأقل من تقنيات الذكاء الاصطناعي، ولكن أقل من نصفهما قد يستوعب بالكامل الفئات الخمس الأولى المبينة في جدول تقنيات الذكاء الاصطناعي. كما سيصل آنذاك مستوى الاستيعاب الكلي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في الشركات إلى %50. وسيكون حوالي %35 من الشركات قد استوعبت الذكاء الاصطناعي بالكامل، مقارنة مع %3 من الشركات حالياً. وستكون هذه المعدلات في حينها أسرع من استيعاب التقنيات السابقة، مثل “الويب” والجوال وتخزين السحاب، التي استغرقت من 15 إلى 25 عاماً.
وبعدما كان متوسط مستوى استيعاب الجيل السابق من التقنيات الرقمية نحو %37 عام 2017م، يُتوقع أن يصل إلى %70 بحلول 2035م. وبالمقارنة، قد يصل الاستيعاب الكامل للذكاء الاصطناعي إلى مستوى استيعاب التقنيات الرقمية الحالي في غضون ثماني سنوات تقريباً بحلول عام 2027م. ويتضح من ذلك تفاوت نسبة استيعاب تقنيات الذكاء اصطناعي في الشركات، وإن كانت هناك تقنيات ذكاء اصطناعي أكثر استيعاباً من غيرها مثل أتمتة عمليات الروبوت. وحديثاً في أبريل 2019م، أصدرت دار النشر “سبرينجر” أول كتاب دوّنه الذكاء الاصطناعي من دون تدخل بشري.
ومن المتوقع أن تزداد المكاسب الاقتصادية التراكمية المضافة إلى الناتج الإجمالي العالمي من الذكاء الاصطناعي و”الرقمنة”. ففي المتوسط، بحلول 2030م، سيتحقق ناتج اقتصادي عالمي يبلغ نحو 13 تريليون دولار، أي %16 من إجمالي الناتج المحلي التراكمي في 2018م. ولكن وتيرة تبني تقنية الذكاء الاصطناعي ستتباطأ لارتفاع تكاليف “الرقمنة”، ثم سيتسارع النمو مدفوعاً بتحسّن القدرات وتخفيض التكاليف.
وللقطاعات المختلفة درجات متباينة من “الرقمنة”، فبعضها متقدِّم أكثر من غيره. وتُعد درجات “دليل الرقمنة” بوصلة لواضعي استراتيجية “الرقمنة” في القطاعات المختلفة. وقد لوحظ ارتباط وثيق بين “دليل الرقمنة” و”دليل الذكاء الاصطناعي” بغض النظر عن القطاع. وتُحسب الدرجة في “دليل الرقمنة” من خلال علاقة هذا الدليل بدليل الذكاء الاصطناعي، من خلال مقياس مُركّب من مؤشرات أربع فئات هي:

  • النفقات الرقمية
  • الأصول الرقمية
  • استخدام “الرقمنة”
  • مهارات العاملين الرقمية

أما “دليل الذكاء الاصطناعى” فيقوم بتقدير درجات استخدام الذكاء الاصطناعي من خلال قياس مُركّب لمؤشرات ثلاث فئات وهي:

  • أصول الذكاء الاصطناعي (كنفقات تقنيات الذكاء الاصطناعي)
  • استخدام الذكاء الاصطناعي (كنسبة مئوية للشركات المستخدمة للذكاء الاصطناعي في وظائف مختلفة)
  • العمالة المدعومة بالذكاء الاصطناعي (كمتوسط نفقات الذكاء الاصطناعي لكل موظف)

تحديات “الرقمنة”
حتى لو استوت استراتيجية “الرقمنة”، فإن التنفيذ أمر حيوي وتحدٍ أيضاً. وقد يتجاوز معدل فشل التوقعات الاقتصادية من “الرقمنة” %50، واحتمالات الفشل أعلى في “الرقمنة” المرتبطة بالعملاء لأسباب إدارية.
ومن أهم العناصر الإدارية لنجاح “الرقمنة”، توفّر الميزانية والمرونة والمساءلة والمسؤولية المشتركة والشخصية، والمهارات الرقمية للعاملين. ولا ينبغي “رقمنة” البيانات التناظرية كما هي بعِلاتها الورقية. بل يجب “رقمنة” العمليات والأعمال لتناسب البيئة الرقمية، وإلا فإننا “سنرقمن” تلك العِلّات الورقية أيضاً. ومن الأهمية أيضاً استثمار مواقع التواصل الاجتماعي، و”المؤسسة “2.0” (دمج الشبكات الاجتماعية والتقنيات التعاونية عبر الإنترنت في العمليات؛ لتيسير تواصلها مع عملائها وشركائها وموظفيها، باستخدام تقنيات “الويب 2.0″، كالمدونات والويكي والإشارات المرجعية العامة والمواقع الاجتماعية مثل “فيسبوك” أو “تويتر”)، وكذلك “الويب 3.0” (الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لجعل البحث بالسياق أذكى ومن دون كلمات بحث كالنهج الحالي).
ومن المحتمل أن تؤدي “الرقمنة” إلى فقد الوظائف خلال فترة التحوُّل. والتحدي الأصعب هو في قضية انتهاك الخصوصية وأمن المعلومات التي تُعد مأزقاً أمام استيعاب المؤسسات “للرقمنة”، لسهولة اختراقها بالفيروسات والتنصت والتجسس والتتبع. وازداد الأمر سوءاً بظهور شبكة الجيل الخامس المتنقلة وانتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة عند مصدر البيانات.
وبينت المسوح الميدانية أن %85 من المؤسسات تعتقد أن أمن المعلومات هو التحدي الأكبر أمام “الرقمنة”. ولدى %71 من المديرين التنفيذيين مخاوف بشأن الأمن السيبراني (أمن بيئة المعلومات المكوَّنة من الإنترنت وشبكات الاتصالات والحاسب والمعالجات الدقيقة). وأوقف ما يقرب من %40 من المديرين التنفيذيين مبادرات “الرقمنة” و%69 يحجمون عن الابتكار في المجالات الرقمية بسبب مخاطر الأمن السيبراني.
وتعود قضية الأمن والخصوصية إلى أن هذه التقنيات الرقمية مبنية على مبدأ الانفتاح والمشاركة في البيانات عبر الإنترنت والشبكات الاجتماعية، والهواتف والأقمار الاصطناعية، وأيضاً عن طريق أجهزة الاستشعار التي تسجل حركاتك وسكناتك وما تتلفظ به ومن تحادثت معه وأين كنت وفي أي وقت. وتتنوَّع حالياً أساليب المؤسسات في حماية الخصوصية والأمن المعلوماتي. وإلى أن يتم الوصول إلى معايير مقبولة وضامنة، ستبقى قضايا الخصوصية وأمن المعلومات تحتاج حلولاً، وستبقى المؤسسات مختلفة بشأنها.

حال الرقمنة في المملكة
تُعد “الرقمنة” محركاً رئيساً في رؤية المملكة 2030م. ولذلك أطلق برنامج التحوُّل الرقمي بموجب هذه الرؤية، بهدف تحقيق حكومة رقمية، ومجتمع واقتصاد رقمي، وصناعة قائمة على الثورة الصناعية الرابعة (الأولى كانت عصر الميكانيكا والبخار، والثانية الإنتاج الكثيف والكهرباء، والثالثة تقنية المعلومات والإلكترونيات، والرابعة ثورة تجمع الأنظمة السيبرانية والبيولوجية والفيزيائية).

على مستوى الخدمات الحكومية
وتضمَّنت أهداف وثيقة برنامج التحوُّل الوطني 2020م تطوير الخدمات الحكومية، وتعزيز “رقمنة” العمليات الحكومية، وانتشار استخدامها، ورفع معدلات رضا العملاء، وتقليل التكلفة. وعلى سبيل المثال، جرى تعزيز “إنفاذ وأمن الوثائق العقارية” (في النظام القضائي) بواسطة “رقمنة” الخدمات، وإشراك القطاع الخاص، ولذلك حققت وزارة العدل السعودية %40 زيادة في الإنتاجية.
وفي عام 2017م، كانت “وحدة الرقمنة” في المملكة قد وقّعت مذكرة تفاهم مع شركة “جنرال إلكتريك”، لدفع التنوُّع الصناعي الرقمي وتطبيق نمـاذج الأعمال الرقمية.
وفي أبريل عام 2019م، اجتمع أكثر من 200 مدير تنفيذي لتقنية المعلومات من الدوائر الحكومية لمناقشة سبل “الرقمنة” وكيفية تكييفها لصالح المجتمع ومعالجة التحديات العائقة. وأُطلقت منصة الثقافة الرقمية باسم “فكرة تقنية” لمواجهة التحديات في القطاع الصحي، مما أدى إلى نشوء 15 مشروعاً في مجال “رقمنة” الخدمات الصحية.
وتتبع وزارة الصحة نهجاً قياسياً لمصلحة المرضى ومقدمي الخدمات على حد سواء، من خلال الاستثمار في تقنيات الصحة الرقمية. فقد أطلقت، على سبيل المثال، مبادرة “موعد” الرقمية المصممة لمنح المستخدمين القدرة على إدارة إجراءات رعاية صحتهم بحجز المواعيد في مراكز الرعاية الصحية وإدارة هذه المواعيد عن بُعد. ويمكن تنزيل تطبيق المبادرة على الهواتف الجوالة لإتاحة الخدمة أثناء التنقل، مما خفض عدد زيارات الطبيـب بنسبة %50، وتقليل أوقات الانتظار من أشهر إلى أسابيع، وفي بعض الحـالات إلى 5 دقائــق. ومن خلال التطبيق الرقمي الآخر “صحي” على الجوال، أمكن تزويد المريض بالمعلومات والرعاية الطبية مثل صرف الأدوية والأشعة والتقارير الطبية والنتائج المختبرية داخل المدينة الطبية من دون مشقة الانتقال أو الانتظار.
وأسهم برنامج “مِراس” في الوصول إلى أكثر من 40 خدمة إلكترونية، مما قلل من وقت المعاملة من 81 يوماً إلى 24 ساعة، وسجل أكثر من 90,000 عملية حتى الآن.
والبرنامج الآخر هو “اعتماد”، أكبر منصة ربط مالي إلكتروني، يتعامل مع أكثر من 450 منشأة حكومية باستخدام بوابته الرقمية.
وبالطبع برنامج “أبشر”، الذي ساعد على ربط أكثر من 130 خدمة حكومية، ليستخدمها المواطنون والمقيمون، مما خفّض مثلاً تجديد جواز السفر من 8 أيام إلى يوم واحد. وأمكن تنفيذ أكثر من 20 مليون معاملة حتى الآن.
كذلك أطلقت وزارتا الداخلية والخارجية خدمات الإقامات والتأشيرات الإلكترونية من أي مكان وأي وقت مع شبكات الربط الرقمي بالمنافذ الحدودية والبنوك، مما رفع فاعلية الخدمة وإنتاجيتها من دون أوراق ولا صفوف انتظار.
وزادت سرعة الإنترنت في المملكة %300، وتغطية شبكة الجيل الرابع المتنقلة بمعدل %90، وزيادة %7 في تغطية الألياف البصرية. ونظَّمت المملكة النسخة الثانية من “هاكاثون الحج”، اجتمع فيه آلاف المبرمجين من الجنسين والمهتمين، ونتج عنه اختيار بعض التطبيقات الذكية الفائزة التي سيتم تطويرها إلى مشروعات ريادية بدعم من حاضنات التقنية.

وعلى مستوى التحوُّل إلى الاقتصاد الرقمي
من بين 79 دولة، وفي مجال التحوُّل إلى الاقتصاد الرقمي، حلَّت المملكة في المرتبة 41 في النطاق العريض، و38 في مراكز البيانات، و43 في الحوسبة السحابية، و30 في البيانات الضخمة، و30 في إنترنت الأشياء. وإجمالاً، جاء ترتيب المملكة 35 في “دليل الرقمنة” من بين 99 بلداً في عام 2018م.
ويقيس “دليل الرقمنة” ترتيب دول العالم حسب مؤشرات أبعاد ستة رئيسة هي:

01
البنية التحتية (تغطية شبكة 3G المتنقلة أو أكثر؛ عرض النطاق الدولي لكل مستخدم؛ خوادم الإنترنت الآمنة).
02
استيعاب المستخدمين (مشتركو النطاق العريض المتنقل والثابت، المهارات الرقمية للمشتركين؛ والأفراد مستخدمو الإنترنت).
03
استيعاب المؤسسات (مكوّنات بيئة الابتكار الاقتصادية والاجتماعية والتقنية والثقافية ونمو مؤسسات الابتكار).
04
استيعاب الحكومة (دليل الخدمات الحكومية عبر الإنترنت).
05
التكلفة (تعرفة الإنترنت واسع النطاق الثابت).
06
اللوائح (النسبة المئوية لقرصنة البرمجيات؛ تأقلم الأطر القانونية لنماذج الأعمال الرقمية؛ العبء على اللوائح الحكومية؛ فاعلية الأطر القانونية لتحدي اللوائح والنزاعات؛ استقلال القضاء؛ لوائح تضارب المنافع).

أما في دليل استعداد المملكة لتطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي في أعمالها، فقد حلَّت في المرتبة 87 من بين 194 دولة عام 2019م. ويُصنّف دليل استعداد الذكاء الاصطناعي حكومات الدول حسب درجة استعدادها لاستيعاب تقنيات الذكاء الاصطناعـي، من خلال أربعة أبعاد هي: الحوكمــة، والبنية التحتية والبيانات الرقمية، والمهارات والتعليم الرقمي، وخدمـات الحكومـة. وكمـا هو متوقع، جاءت سنغافورة في القمـة تليها دول أوروبـا الغربيــة وكندا وأستراليا ونيوزيلانـدا، وهناك فجــوة مع الدول الأخرى.


مقالات ذات صلة

الإنتاجية، هي معدَّل الحصول على نتائج العمل بالنسبة إلى ما تطلبه من موارد ووقت. أو بتعبيرٍ اقتصادي، هي معدَّل نجاعة تحويل رأس المال والأعمال والطاقة والأراضي والمعلومات وغير ذلك، إلى سلعٍ أو خدمات. وكلما ارتفعت الإنتاجية ارتفعت كمية السلع والخدمات، وتحسنت جودتها وقلّ سعرها. وهذا جيد لكافة الفرقاء؛ العامل يرتفع أجره، والمستهلك تتسع قدرته الشرائية، […]

ازداد الحديث في الآونة الأخيرة عن تقنية “بلوكتشين” والعملة الرقمية المُشفرة “بيِتْكوين” التي استولت على اهتمام الأسواق لارتفاع أسعارها وتقلباتها الكبيرة. وارتباط شهرة “بلوكتشين” بالعملات الرقمية ليس مستغرباً، نظراً لأن هذه العملات كانت التطبيق الأكبر والأول لهذه التقنية، على الأقل حسبما راج في وسائل الإعلام، حتى إن اسم “بلوكتشين” أصبح مرادفاً للعملات المشفّرة، وهذا غير […]

بشكل عام، يمكن القول إن براءة الاختراع هي المفصل الكامن بين نجاح اختراع أو ابتكار ما على مستوى المختبر من جهة، وانتقاله إلى مرحلة الإنتاج لصالح مستهلكيه أو المحتاجين إليه، مثل براءة اختراع الإضاءة الكهربائية التي سجَّلها أديسون وسوان؛ وبراءة اختراع البلاستيك التي سجَّلها بايكلاند، وصولاً إلى براءات الاختراع الكثيرة المتعلِّقة بالمعالجات الدقيقة في التكنولوجيا الحديثة التي سجَّلتها شركة إنتل، وغيرها الكثير.


0 تعليقات على “رقمنة العالم”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *