مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو – يونيو | 2019

تسخير طاقة البرق


حسن الخاطر

تحمل الصواعق البرقية طاقة كهربائية كبيرة جداً، يمكنها أن تصل حسب تقديرات العلماء إلى ما يوازي الطاقة المتولدة من انفجار نووي بحجم قنبلة هيروشيما. وهذه الطاقة التي لطالما اعتُبرت من الظواهر الطبيعية المخيفة والمسبِّبة للخسائر البشرية والمادية، ربما تحولها تقنيات المستقبل الذكية إلى ظاهرة حميدة كطاقة نظيفة.

منذ زمن طويل، عرف العلماء أن البرق ما هو إلا طاقةً كهربائية. فقد أجرى العالِم الأمريكي بنجامين فرانكلين في عام 1752، أول دراسة علمية ومنهجية لظاهرة البرق، والعلاقة بينها وبين الكهرباء عندما قام بتجربة في غاية الخطورة، عرفت باسم تجربة الطائرة الورقية. فخلال عاصفة رعدية، أطلق طائرة ورقيةً موصولةً بخيط مبتل بالماء، ووضع في الطرف الآخر مفتاحاً معدنياً، وعندما حرَّك يده بالقرب من المفتاح المعدني تلقى صدمةً كهربائية. ذلك أن الشحنة السالبة جذبت الشحنة الموجبة في جسمه. فاستنتج فرانكلين أن البرق والكهرباء هما شيء واحد. وهذا يعني أن وميض البرق هو عبارة عن شرارة عملاقة تنشأ بين تصادم سحابتين، أو بين السحابة الواحدة مع نفسها. ذلك أن الجسيمات الجليدية أو المائية تشحن السحابة عند التصادم بالشحنة الموجبة في الأعلى وبالشحنة السالبة في الأسفل. ويحصل التفريغ الكهربائي بين طرفي السحابة، أو بين السحابة والهواء المحيط بها، أو بين السحابة والأرض بسبب اختلاف الشحنات بينهما. ذلك أن الشحنات القوية التي تحويها السحب تحاول أن تشق طريقها إلى الأرض، عبر الهواء الذي يفصل بينهما، باحثةً عن موصل جيد للكهرباء أو جسم طويل مرتكز على الأرض كناطحات السحاب والأشجار.
البرق إذاً، هو عبارة عن تصادم شحنات كهربائية موجبة وسالبة، وأن إضاءته صادرة عن تفريغ كهربائي نتيجة فرق الجهد العالي. لقد أدرك فرانكلين أنه يمكن شحن صاعقة البرق فوق موصل موجود على الأرض وتوفير مسار بديل آمن لها والتخلص من خطر الحرائق الفتاكة. وسُمي اختراعه هذا عام 1753 مانعة الصواعق. وتهدف هذه الأداة إلى الحماية من خطر الصواعق، خاصة في الأماكن المرتفعة عن سطح الأرض، المعرضة للخطر أكثر من غيرها. وهي عبارة عن موصل معدني يلتقط الشحنة الكهربائية السالبة من البرق وينقلها إلى باطن الأرض من دون إحداث أي ضرر.
وفي عام 1899، استطاع العالم الأمريكي نيكولا تسلا في مختبره بكولورادو توليد برق اصطناعي بتفريغ كهربائي بلغ ملايين الفولتات، وقد بلغ طوله 41 متراً، وهو إنجاز لم يسبق له مثيل.

الكهرباء الساكنة
يُعدُّ البرق شكلاً من أشكال الكهرباء الساكنة، الناتجة عن عدم توازن في الشحنات الكهربائية داخل وسيطٍ ما أو عليه. وتدعى ساكنة، لأنها على النقيض من الكهرباء التيارة التي تتدفَّق عبر الأسلاك أو الموصلات الأخرى.
وهذه الكهرباء الساكنة نشعر بها في حياتنا اليومية. فقد نشعر بصدمة كهربائية عندما نلمس مقبض الباب؛ ذلك أن الكهرباء الساكنة المتراكمة في الجسم تنطلق منه في عملية تفريغ كهربائي باتجاه المقبض. والشيء نفسه نشعر به عندما نقوم بنزع الثياب عن أجسامنا، فقد نسمع فرقعات ونشاهد ومضات التفريغ الكهربائي من الكهرباء الساكنة الموجودة في الثياب. وهذا يحصل عن طريق الاحتكاك.
وهو المبدأ نفسه الذي يُحدث ظاهرة البرق. والاختلاف بينهما أن التفريغ الكهربائي في البرق ضخم جداً، ويولد حرارة عالية جداً تسخّن الهواء المحيط بها حتى حدود ثلاثين ألف درجة مئوية، أي ما يعادل خمس مرات من درجة حرارة سطح الشمس، فيتمدد الهواء بسرعة فائقة تزيد على سرعة الصوت، وبضغط عالٍ يسبب انفجاراً ضخماً يسمى الرعد.

أجرى العالِم الأمريكي بنجامين فرانكلين أول دراسةٍ لظاهرة البرق، عرفت باسم تجربة الطائرة الورقية. فخلال عاصفةٍ رعديةٍ، أطلق طائرةً ورقيةً موصولةً بخيطٍ مبتلٍ بالماء، وفي الطرف الآخر تم وضع مفتاح معدني، وعندما حرَّك يده بالقرب من المفتاح المعدني تلقى صدمةً كهربائيةً.

طاقة البرق
شكَّلت هذه الطاقة الكبيرة أرضاً خصبةً لكتّاب الخيال العلمي. ففي فِلْم “العودة إلى المستقبل”، 1985، يكتشف الدكتور إيميت براون أسلوباً جديداً لإرسال مارتي من عام 1955 إلى عام 1985. ومن أجل تشغيل آلة الزمن، احتاج إلى كمية كبيرة من الطاقة تقدر ب1.21 جيجا وات. وكان المصدر الوحيد المتاح لإنتاج هذا الكم الهائل من الطاقة هو عمود من البرق لإرسال مارتي إلى المستقبل.
فالتفريغ الكهربائي في البرق ضخم جداً، لأن البرق يمتلك طاقة هائلة ترنو إليه آمال الباحثين عن الطاقة المتجددة والنظيفة. غير أنه من الصعب تقدير هذه الطاقة وقياسها بالأجهزة العادية بسبب قصر الوقت الذي يحدث فيه البرق، الذي لا يستغرق سوى أجزاء من الثانية. لكن العلماء تمكنوا بطرق غير مباشرة من حسابها: إن شدة التيار الكهربائي للبرق يمكنها أن تصل إلى مئتي ألف أمبير والجهد الكهربائي يصل إلى مئة مليون فولت. وعلى هذا فإن قدرته الكهربائية عالية جداً وتقاس بالتيرا وات، ولنا أن نتخيل هذه الطاقة الضخمة عندما نعلم أن لحام القوس الكهربائي يستعمل أقل من أربع مئة أمبير لصهر الفولاذ.

توليد الكهرباء من البرق
إن الشكل الوحيد من البرق الذي من الممكن أن نحوله إلى طاقة ونستفيد منه، هو الذي يحدث بين السحاب والأرض. أما الأشكال الأخرى فمن الصعب جداً أن نسخرها، خاصةً تلك التي تحدث بين السحابة ونفسها، أو بين السحابة وأخرى.
وفي كل الأحوال، سنحتاج إلى تقنية متقدِّمة حتى نتمكن من السيطرة عليه وتحويله إلى كهرباء. ذلك أن البرق الذي يضرب الأرض غير منتظم ولا يوجد في منطقة معينة، بل إنه يضرب مناطق متفرقةً وفي أوقات مختلفة.
والتحدي الأكبر يظهر عندما نعلم أن طاقة البرق الضخمة يتم تفريغها بالميكرو ثانية. وهذا يعني أننا نحتاج إلى مكثفات فائقة وضخمة تكون قادرةً على شحن هذه الكمية الكبيرة من الطاقة في هذه الفترة الزمنية القصيرة.
ومن أجل تنفيذ هذا المشروع، سنكون بحاجة إلى شبكة تغطي مساحات واسعةً جداً. وهذه الشبكة تتكوَّن من أبراج معدنية ثقيلة وطويلة قادرة على التقاط الطاقة الكهربائية الآتية من البرق. وتكون موصولة في طرفها بمكثفات ضخمة وفائقة التخزين. كما يجب أن تكون الدائرة الكهربائية فائقة التحمل. وبعد أن يتم تخزين الكهرباء في المكثفات تتم الاستفادة منها على شكل تيار مستمر أو تيار متردِّد. ومع ذلك..
لا نستبعد أن تتولى ناطحات السحاب في المستقبل توليد طاقتها من البرق، ولا أن تزود مدن المستقبل بالطاقة الكهربائية منه.


مقالات ذات صلة

ماذا يفعل الفلاسفة في وادي السيليكون بجانب مديري غوغل وأبل ومايكروسوفت وفيسبوك وغيرها؟ نحن نعلم ومنذ فترة طويلة، أن هناك مستشارين فنيين واجتماعيين ونفسيين في إدارات هذه الشركات، المفاجئ اليوم أن هؤلاء المديرين يتوجهون بشكل متزايد إلى “الفلاسفة العمليين”. فَثَمَّة أسماء عديدة معروفة بتخصصها الفلسفي تعمل في شركات التقنية في وادي السيليكون؛ منهم أندرو تاغارت، […]

من السذاجة أن يعتقد الإنسان أنه بتقليص بعض عضلات وجهه يستطيع أن يخادع الآخرين. أما المقولة العربية المأثورة “لو كان للنوايا لسانٌ لما بقي صديقان على وجه الأرض”، فلم تعد لها مكانٌ في عصر الذكاء الاصطناعي. إذ أصبح للنوايا أكثر من لسان. تنطوي الابتسامة الحقيقية على تغيير ملامح الوجه بأكمله، وعلى وجه الخصوص عضلات الخد […]

لاحظ علماء الفلك في عام 1845م، أن كوكب أورانوس يتحرَّك بشكل شاذ لا يتوافق مع قانون نيوتن للجاذبية. وبعد حسابـاتٍ مختلفة واستخدام كثير من الورق وأقلام الرصاص، اقترح عالمان هما أوربان لوفيريي وجون آدمز أن حركة أورانوس الشاذة يتسبب بها كوكب جديد لم ينتبه إليه أحد من الفلكيين. ثم أوعز العالمان إلى المراصد الفلكية أن […]


رد واحد على “تسخير طاقة البرق”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *