مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو – يونيو | 2024

ترسيخ الاتزان في الصغر


د. عبدالهادي نايف السلمي

وفقًا لبيانات من مركز “بيو للأبحاث” الأمريكي، يمتلك ما يقرب من 1 من كل 5 أطفال دون سن 12 عامًا في الولايات المتحدة الأمريكية، هاتفًا ذكيًّا خاصًّا به، وقد حصل أكثر من نصف هؤلاء على هواتفهم بين الأعمار 9 و11 سنة. على الرغم من أن هؤلاء الأطفال لا يشكلون الأغلبية، فإن هذا الواقع يمثل تغيرًا كبيرًا عمَّا كان عليه الأمر منذ عقد مضى.

لقد نشأ هذا الجيل نشأة مختلفة عمَّا قبله، متأثرًا بالفضاء السيبراني، الذي شكّل جزءًا من تكوينه العقلي منذ حداثة سنه. ولا يمكن إغفال أهمية التقنية الحديثة ووسائل الاتصال والإنترنت ودورها المهم في حياة البشر، ولا يمكن للمجتمع المعاصر أن يستغني عنها. فهناك الجوانب الإيجابية التي توفرها التقنية بأشكالها العديدة، ومن ضمنها شبكات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية في حال استخدامها بشكل سليم ومتوازن. وقد أظهرت دراسة بجامعة كورنيل الأمريكية، أجريت على ما يقرب من 9,000 طالب، أن مستوى الذكاء للجيل الحالي أعلى من الجيل السابق، ويربط الخبراء ذلك مباشرة باستخدام التكنولوجيا الحديثة، فالزيادة في عدد المنتجات التكنولوجية في حياة الأطفال، ومن ثم زيادة المحفـزات، يُعدُّ بمنزلة تمارين تمكن الأطفال من حل المشكلات الأكثر تعقيدًا. كما أنها ساعدت على تنمية المهارات العقلية من خلال المحتويات التعليمية، مثل: الألعاب والتطبيقات التي تعمل على تحسين المهارات المعرفية وتحسين الذاكرة، وألعاب الانتباه للأطفال، وألعاب الرياضيات، والألعاب التفاعلية والتمارين الذهنية عبر الإنترنت، وبعض أدوات تطوير التفكير النقدي لدى الأطفال. مع ذلك، يبدو أن إفراط الأطفال والمراهقين في استخدام التكنولوجيا الرقمية يبدد تلك المزايا، ويمثّل تحديًا جادًا للأهل، الذين يجب تبصيرهم بالمخاطر قبل تبصير أطفالهم!

يتوهم بعض الآباء والأمهات أن هذه الأجهزة آمنة للطفل، وأنها تُلهيه وتمنعه من البكاء أو كثرة الحركة، فتبعده عن الخطر. وقد تفضل الأسرة بقاء اليافع والشاب بالمنزل والاستمرار باللعب على الإنترنت، على الخروج للشارع ومخالطة الأقران. لكن عندما يكبر بالسن، قد يعاني هذا الشاب اغترابًا عن الثقافة السائدة في مجتمعه، والجهل بالأعراف والتقاليد وعدم المشاركة الإيجابية مع المجتمع. وقد يُصبح بعد ذلك، من ذوي الهوية السائلة المائعة غير الصلبة، اللامُنتمية إلا لثقافة الاستهلاك التي تروجها تلك المنصات والألعاب.

المثير للقلق أن الاستخدام في منطقتنا تزايد بشكل مطّرد، حتى فاق المعدلات في الغرب. وقد أنجزت جامعة ويسترن سيدني دراسة عن معدلات انتشار الإنترنت على مدار العقد الماضي، وكانت أعلى بكثير من المعدلات العالمية. وجاءت المملكة العربية السعودية ضمن أعلى تلك المعدلات، حيث ارتفعت من حوالي 88% في عام 2019م، لتصل إلى معدل 96% بنهاية العام الماضي. كما يوجد في المملكة أكثر من 27 مليون مستهلك، وهي أكبر سوق لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات بمنطقة الشرق الأوسط. مع العلم أن معظم المستهلكين من فئة الشباب، 91% منهم يمتلكون هواتف ذكية خاصة، و94% يستخدمون الإنترنت بشكل مستقل. والجدير بالذكر، أن خمس دول عربية تقع في المراكز العشرة الأولى من حيث استخدام شبكات التواصل الاجتماعية؛ إذ تتمتع الإمارات والبحرين وقطر بأعلى مستويات استخدام في العالم، وفقًا للنتائج التي نشرتها منصة “داتا ريبورتال”.

وهناك تناسب طردي واضح بين ارتفاع مستوى معيشة العائلات، وازدياد استخدام الألعاب والأجهزة الإلكترونية. فالرفاهية التي تتمتع بها بعض المجتمعات ورخص قيمة الاتصال بالإنترنت، سهَّلت حيازة الأطفال والشباب للأجهزة الإلكترونية المختلفة، واستخدام تطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي المتنوعة، والوصول للكثير من الألعاب عبر الويب، والبقاء لساعات طويلة على مدار اليوم، ومن ثَمَّ، استخدام مفرط يُسبب لهم الإدمان؛ حتى يتحول الأمر إلى عادة يومية لا يستطيعون التخلّص منها بسهولة.

وهذه الفترة اليومية الطويلة في استخدام الألعاب والإنترنت، ستُسهل لهم التعرّف على كثير من الأشخاص، ومواجهة كثير من المواقف في العالم الافتراضي، الذي به جوانب سلبية كبيرة، قد تعرض الطفل أو الشاب للعنف السيبراني وللتنمّر الإلكتروني والتحرش الجنسي. فكثير من ألعاب الفيديو في السوق تحتوي على عنف مفرط وألفاظ نابية وعنصرية، وأشياء أخرى لا يمكن للأطفال تصورها بالطريقة الصحيحة. لذا، قد يفشل هؤلاء الأطفال في أخذ هذه المظاهر بحذر، وقد ينتهي بهم الحال إلى محاولة محاكاة نفس السلوك المنحرف، خاصة الصغار منهم، الذين لا تزال بنية أدمغتهم في مرحلة التطور والنمو، وهم في هذه المرحلة غير قادرين على التمييز بين الصواب والخطأ.

تؤكد الإحصائيات أن أكثر الفئات العمرية عرضة للتنمّر الإلكتروني، هي فئة الأطفال والمراهقين، وتوضح أن التنمّر الإلكتروني له تأثير واضح وخطر على هذه الفئة؛ إذ يتعرض ما يقارب من 43% من الأطفال الذين يستخدمون الإنترنت للتخويف بشكل متكرر، وهو ما قد يؤثر في مستواهم الدراسي، ويجعلهم يخافون الذهاب للمدرسة.

ولا يخفى التأثير السلبي للألعاب الإلكترونية على الحالة النفسية لدى الأطفال واليافعين، فهي تؤدي إلى العزلة والرهاب الاجتماعي والابتعاد عن الحياة الاجتماعية الطبيعية، وعدم التفاعل من خلال المحادثة المباشرة أو الاستمرار بها لمدة طويلة، والإصابة باضطراب التكيّف، وقد يتسبب ذلك في التوتر والقلق، أو يزيد من حدته، وهو ما يؤدي إلى الاكتئاب.

تذكر طبيبة الأمراض العصبية، لوبوف بلاغوداريفا، أن الاستخدام المتواصل لمواقع التواصل الاجتماعي، يؤدي إلى إفراز هرمون الدوبامين بشكل مفرط، وهو ما يُسمَّى بإدمان الدوبامين، وهو الهرمون نفسه الذي يسبب الشعور بالمكافأة عند تناول المخدرات. وأشارت بلاغوداريفا إلى أن هذا النوع من الإدمان يؤدي إلى زيادة القلق واضطراب النوم وانخفاض الأداء. عندما يواصل الشخص قراءة ومشاهدة شريط هذا الموقع أو ذاك، يبحث مُخُّه عن مواد مثيرة وممتعة أو مفيدة، وكذلك كل ما يثير الانفعالات، وهذه المتعة قصيرة الأجل تترافق مع إفراز جرعات صغيرة من الدوبامين تخلق حالة شبيهة بحالة الإدمان.

ولا يقتصر ضرر إدمان الألعاب الإلكترونية والتواصل الاجتماعي على المشكلات النفسية، بل يجلب الكثير من المشكلات الصحية؛ فقد يؤدي الجلوس باستمرار في مكان واحد واستخدام ألعاب الفيديو المطولة، إلى زيادة فرص الإصابة بالسمنة وإضعاف العضلات والمفاصل وجعل اليدين والأصابع مخدرة بسبب الإجهاد المفرط، كما تشير دراسات متعددة إلى إمكانية ضعف البصر.

بالنسبة إلى الشق الاقتصادي للمسألة، هناك تأثير سيئ لهوس الشباب بالألعاب الإلكترونية على الوضع الاقتصادي للأسرة؛ إذ إن كثيرًا من الألعاب تُغري اللاعب بمميزات إضافية عند دفع رسوم مالية أو اشتراك شهري، كما أن بعض الألعاب المتقدمة غالية الثمن. لذا، ذكر موقع “PWC”، أن أرباح شركات ألعاب الفيديو قد بلغ 262 مليار دولار في عام 2023م، والمتوقع وصوله إلى 312 مليار دولار بحلول عام 2027م.

ومن جانب آخر، تؤثر متابعة المشاهير على تطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي، تأثيرًا خطرًا في الفتيات والشباب وصغار السن المعرضين أكثر من غيرهم إلى الافتتان بحياة هؤلاء. لدى هذه الفئة هوس بمتابعة يوميات المشاهير ورحلاتهم الممتعة، وما يتناولون من أشهى الأطباق، وما يملكون من منازل فارهة وسيارات فخمة وأدوات نادرة، وما ترتديه عارضات الأزياء من آخر الصيحات، وما يُجرينه من عمليات التجميل؛ ذلك كله ينقل مفهوم “القدوة” من القيمة إلى الشهرة.

في دراسة سرية لشركة ميتا، عام 2019م، وجرى تسريبها ونشرها في صحيفة الغارديان في سبتمبر 2021م فإن تطبيقًا مثل “إنستغرام”، قد تسبّب في تدني احترام الذات لدى الفتيات، وأدى إلى أعراض من الاكتئاب لدى الأطفال، وزاد من الأفكار الانتحارية لدى المراهقين في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة. وتُعلّق الباحثة سوزان لين، قائلةً: “إن على الأهل تقرير ما إذا كانوا سيتخلّون عن مسؤولية التربية لمجموعة من التقنيين الأغنياء، الذين لا يُبدون اهتمامًا كبيرًا بالتداعيات الأخلاقية لمنتجاتهم”. وهذا سؤال جوهري. فينبغي للأسرة أن تمارس مسؤوليتها للحد من استخدام الأطفال والمراهقين لهذه التكنولوجيا.

لا بدَّ من اللقاء الأُسري اليومي، خصوصًا على الوجبات الرئيسة، وتقنين ساعات السماح باستخدام الألعاب الإلكترونية كحد أقصى أربع ساعات خلال نهاية الأسبوع، وأقل من ذلك خلال الأيام الأخرى، ومنع استخدام الهواتف الذكية أثناء ركوب السيارة أو تناول الطعام إلّا للضرورة. وأن يكون هناك، في الأقل، اجتماع أسبوعي حواري واحد لمحاولة التقرّب من الشاب أو الطفل، ومحاولة فهم اهتماماته ومناقشته، والتنويع بين القيام بالرحلات والزيارات العائلية وممارسة الأنشطة الرياضية الخارجية وحضور المناسبات.

ومن ناحية الحلول التقنية، فعلى الوالدين تعليم الأبناء كيفية الحفاظ على الخصوصية والبيانات وتأمينها، وحظر “الواي فاي” (WiFi) في البيت عند وقت الاختبارات المدرسية. وأيضًا استخدام أدوات الرقابة الأبوية على الأجهزة، وتفعيل البحث الآمن (Safe Search)، الذي يسمح للوالدين بتحديد المحتوى الذي يمكن لأطفالهم الوصول إليه أثناء اتصالهم بالإنترنت.


مقالات ذات صلة

في غضون جيل واحد فقط، استطاعت التقنية الرقمية تغيير نظرتنا إلى العالم. فالتطورات الرقمية والتحسُّن السريع في وسائل الاتصال، يتيح لنا فرصًا جديدة، ولكنه يخلق أيضًا تحديات في جميع جوانب حياتنا.

برنامج الاتزان الرقمي العالمي “سينك”، والذي يهدف إلى تعزيز الاتزان الرقمي وتشجيع الحفاظ على علاقة صحية ومتوازنة بين التقنية الرقمية وصحتنا النفسية والبدنية.

يرتكز التوازن الرقميّ على أمرَين أساسين متلازمَين، وفقًا لمعادلة “التعليم أساس التنمية”: التعليم بمعناه الإبستمولوجي كقوّة فاعلة للتغيير، والتنمية التي يُفترض بها أن تستثمر المعرفة المكتسبة في المجالات كافة.


0 تعليقات على “ترسيخ الاتزان في الصغر”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *