مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر - ديسمبر 2023

تحويل الخرسانة إلى مكثِّفات فائقة

تخزن الطاقة وتحدُّ من البصمة الكربونية


د. علي القضيب

تعتمد الاستفادة من الطاقة المتجددة، إلى حد بعيد، على توافر حلول لتخزين هذه الطاقة بشكل واسع. ولسوء الحظ، فإن ندرة المواد المعدنية المستخدمة في تقنيات البطاريات الحالية، التي هي الشكل شبه الوحيد المتوفر، تتحدى قابلية التوسع أكثر لتخزين الطاقة؛ مما دفع العلماء إلى البحث عن حلول بديلة. وبعد جهود طويلة، توصل علماء أمريكيون وفرنسيون إلى إمكانية جعل أساسات المباني الخرسانية، مكثفات فائقة لتخزين طاقة الشمس والرياح وغيرهما بكميات كبيرة في كل من التطبيقات السكنية والصناعية وجعلها مكتفية ذاتيًا.

الخرسانة هي المادة الأكثر استخدامًا على وجه الأرض بعد الماء. وقد أُدخلت عليها تطوراتٌ عديدة عبر العصور، كان أهمها إضافة حديد التسليح في بداية القرن الثامن عشر واختراع الإسمنت في القرن التاسع عشر. وربما يشكل الاكتشاف الحالي، بتحويلها إلى مكثف، أهم تطور بعد ذلك. ولنتخيل للحظة كيف أن المباني السكنية والصناعية، التي تسهم حاليًا بحوالي 37% من إجمالي انبعاثات الكربون، ستصبح مكتفية بالطاقة البديلة ليل نهار.

فقد تعاون باحثون من جامعة “إم آي تي” مع المركز الوطني الفرنسي للبحث، وعلى مدار سنوات، لجعل الخرسانة تسهم في تقليل البصمة الكربونية وتعزيز الاستفادة من الطاقة البديلة، وذلك بمزج الإسمنت مع الكربون المطحون لإنتاج مكثفات فائقة لتخزين الطاقة الكهربائية المستمدة من الطاقة الشمسية، وتزويد المنازل بالكهرباء. كما يمكن استخدامها لشحن السيارات على الطرقات، واستخدامها في إذابة الجليد المتراكم في الطرقات في البلدان الباردة، عوضًا عن إذابته باستخدام كلوريدات الصوديوم التي تسبب صدأ حديد التسليح في وقت مبكر.

الخرسانة وتطورها عبر التاريخ

يعود تاريخ الخرسانة إلى زمن سحيق، إلى ما لا يقل عن 6500 سنة قبل الميلاد، عندما استخدم سكان وادي السند نوعًا من الخرسانة الطينية في مبانيهم ومساكنهم. كما استخدم الآشوريون والبابليون الطين المشابه للإسمنت في البناء والعمران. غير أن التاريخ الفعلي للخرسانة لم يتحقق إلا على يد العامل الإنجليزي جوزيف أسبدين، الذي اخترع الإسمنت البورتلاندي في عام 1824م، والذي أسماه باسم جزيرة بورتلاند الإنجليزية التي تُستخدم صخورها في صناعة الإسمنت.

كانت الخرسانة تُصنع في البدايات بمركبات أساسية، مثل: الإسمنت والرمل والحصى والماء. هذه المكونات الأربعة عندما تخلط جيدًا يتكون مركب اسمه الخرسانة. وقوتها تعتمد على النسب المتفاوتة للمركبات، ولكن نسبة الماء إلى الإسمنت تؤدي دورًا كبيرًا في تحديد قوة ضغط الخرسانة الذي يتناسب مع هذه النسبة تناسبًا عكسيًا. ولكي يُستفاد من الخرسانة في بناء المساكن والمنشآت المختلفة، لا بد من وجود هيكل مكون من عناصر إنشائية مختلفة كالقواعد والأعمدة والجسور والأسقف مرتبطة بعضها ببعض لمقاومة الأحمال وإيصالها بأمان إلى التربة التي يستند إليها المبنى.

وجاء التطور المهم في الخرسانة في الربع الأول من القرن الثامن عشر، عندما أُدخل أول مرَّة حديد التسليح إلى الخرسانة في “برج نيفيانسك المائل” في منطقة نيفيانسك الروسية؛ إذ كان الجزء العلوي من البرج منحرفًا عن الوضع الرأسي حوالي 3 درجات. وقد جرى إصلاح البرج باستخدام ما بات يُعرف لاحقًا بـ “الخرسانة المسلحة”.

وآخر التطورات التي ستدخل على الخرسانة هي، كما ذكرنا، تحويلها إلى مكثفات فائقة لتخزين الكهرباء؛ لكن لماذا مكثفات وليس بطاريات؟ وما الفرق بينهما؟

جوزيف أسبدين.

الفرق بين البطارية والمكثف

في حين أن المكثفات تخزن الطاقة الكهربائية عبر المجال الكهربائي، فإن البطاريات تقوم بخزن الطاقة الكهربائية عن طريق تفاعل المواد الكيميائية التي بداخلها. وتمتاز البطاريات عن المكثفات بأنها “أكثف طاقة”، بمعنى ارتفاع كمية الطاقة المخزنة في منطقة من الفراغ لكل وحدة حجم. أما المكثفات، فهي أعلى من حيث “كثافة القوة”، أو مقدار الطاقة المنقولة في وقت معيَّن؛ أي أن المكثف أسرع من البطارية في نقل الطاقة.

فالبطارية النموذجية تتكون من علبة بداخلها قطبان كهربائيان، وفاصل، وإلكترولايت وهو عبارة عن عجينة أو سائل لزج يملأ الفجوة الموجودة بين الأقطاب الكهربائية. وهذه المادة قادرة على توصيل الأيونات للموصل من دون السماح للإلكترونات بالمرور. وهذا ما يجبر الإلكترونات على مغادرة البطارية فقط عبر أطراف الأقطاب الكهربائية الموجبة بالدائرة، كما هو موضح في الشكل رقم (1).

يسمّى القطب السالب للبطارية “الأنود”، بينما القطب الموجب يُطلق عليه “الكاثود”. وعند توصيل البطارية تحدث تفاعلات كيميائية على سطح الأنود ينتج منها تحرير إلكترونات يحيل ذرات الأنود إلى أيونات موجبة الشحنة تسبح في الإلكترولايت، بينما تنتقل الإلكترونات المحررة من الأنود إلى الكاثود وتنجذب إليها الأيونات الموجبة الموجودة في الإلكترولايت لتحويلها إلى ذرات متعادلة كهربائيًا، ويستمر تدفق الإلكترونات في الدائرة ليستمر التيار الكهربائي. عادة يُصنع الأنود والكاثود من مادتين مختلفتين بغية الحصول على فرق في الجهد بينهما. فالأنود يحتوي على مادة تتخلى عن الإلكترونات بسهولة مثل الليثيوم. بينما الجرافيت الذي يعتبر مادة جيدة للكاثود قابل للاحتفاظ بالإلكترونات بقوة كبيرة.

وهناك مصطلح يسمّى “كثافة الطاقة” وهو قسمة كمية الطاقة المخزنة في البطارية على حجمها. لذا، عندما تشحن البطارية بكثافة أعلى من طاقتها، فإنها تنفجر. فضلًا عن أن البطاريات تحتوي على مواد كيميائية غير صديقة للبيئة، وهذا ما دفع العلماء إلى اللجوء إلى المكثفات.

ميّزات المكثفات

على الرغم من أن للمكثّف فوائد كثيرة في الأجهزة الكهربائية والدوائر الإلكترونية، مثل منع التيار المباشر وإبقاء التيار المتردد؛ فإن استخدامه لتخزين الطاقة يجعل منه منافسًا قويًا للبطارية لتميُّزه بتدفق الكهرباء بسرعة أكبر، ولفائدته في كثير من التطبيقات العملية. فالمكثّف يحتوي على قطعتين معدنيتين تسمّيان بالموصلات تتوسطهما فجوةٌ يمكنهما توصيل الكهرباء وقطعها حسب الحاجة. وعند توصيل القطعتين (القطبين) بمصدر كهربائي، تتدفق الإلكترونات من القطب السالب وتُخزن على أحد موصلات المكثف من دون المرور عبر الفجوة التي بينهما. ومع تراكم الإلكترونات السالبة على أحد الأقطاب، فإنها تؤثر في الشحنة الموجبة الموجودة على القطب الآخر، وتبقي الشحنات على جانبي الفجوة متساوية.

المكثفات الفائقة أو الهجينة

يحتوي المكثف الفائق، كما هو موضح في الشكل رقم (2)، على سطحين موصلين، مثل المكثف العادي، إلا أن الفجوة بين الموصلين تُملأ بالإلكترولايت (كما هو في البطارية) الذي يسمح للأيونات بأن تسبح داخله بالإضافة إلى وجود فاصل. ولمّا كانت أقطاب المكثف الفائق ذات مساحة كبيرة جدًا، فهذا يتيح لها تخزين طاقة أكبر على سطحها تفوق المكثّف العادي بمراحل. والمكثّفات لا تستهلك طاقة أقل فحسب، بل هي أيضًا آمنة وسهلة الاستخدام بشكل استثنائي. وهكذا، فإنها لا تشكل أي خطر على المبنى الذي تُستخدم فيه، بعكس البطاريات التي يمكن أن تسبب الكثير من الأضرار.

مشكلة التقلبات في إمدادات الطاقة المتجددة

جميع مصادر الطاقة المتجددة تقريبًا معرضة لتقلبات الطقس وتغير الظروف المناخية، فالأمطار الغزيرة أو الرياح البطيئة تساهم في تقليل إنتاج الطاقة، كما أن التغير المناخي في بعض الأماكن قد يصعِّب من إنتاج الطاقة المتجددة فيها. ولأنه يتعذر إنتاج كميات كبيرة من الطاقة المتجددة خلال وقت قصير، يتحتم إنشاء مرافق ومحطات لإنتاج الطاقة وتخزينها.

ولكن تبقى المعضلة الرئيسة للطاقة البديلة في الإمدادات، لأنها ليست مستقرة ومترددة كتعاقب الليل والنهار، كما هو الحال في حرارة الشمس شروقًا وغروبًا، وحركة المياه مدًا وجزرًا، وقوتها متغيرة بتغير فصول السنة؛ وقد تكون عشوائية كما هو الحال في حركة الرياح من حيث الاتجاه والقوة. لذا، كان لا بد من اصطياد هذه الطاقة، سواء الحركية منها أو الشمسية، وتحويلها إلى طاقة كهربائية وتخزينها للاستفادة منها عند الضرورة.

تأتي المكثفات الفائقة كإحدى الحلول الواعدة لتخزين الطاقة الكهربائية. وقد تحتاج هذه التقنية إلى مساحات كبيرة عندما ندرك أن كمية الطاقة المخزّنة تعتمد على حجم المكثف الفائق. غير أن الاستثمار في الطاقة المتجددة وعمل البنية التحتية اللازمة لها، مُجدٍ على المدى البعيد على الرغم من التكلفة الأولية.

تحويل الخرسانة الكربونية إلى مكثفات فائقة

كما ذكرنا سابقًا، فقد يجري تطوير مكثفات فائقة مصنوعة من مواد بسيطة ورخيصة، مثل الكربون والإسمنت، لها القدرة على تخزين الطاقة المتجددة بكميات كبيرة. وقد وثّقت هذه التكنولوجيا في بحث نشرته مجلة “بناس” (PNAS) (31 يوليو، 2023م) من خلال بحث أعده أساتذة في جامعة “إم آي تي”، وهم: فرانز جوزيف أولم، وأدمير ماسيك، ويانغ شاو هورن، وأربعة آخرون. وتتلخص الفكرة في أن الإسمنت وأسود الكربون (الذي يشبه الفحم الناعم جدًا)، قد يشكلان حجر الأساس لنظام جديد لتخزين الطاقة المتجددة، مثل: الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وطاقة المد والجزر المتقلبة، إلى طاقة كهربائية مستقرة. فعند خلط الإسمنت والماء ومسحوق الكربون، نحصل على مزيج موصل للكهرباء، مساحته الداخلية كبيرة؛ وهذه الخاصية مطلوبة في المكثفات الفائقة. وعندما يتفاعل الماء مع الإسمنت ويشكل شبكة متفرعة من الفتحات داخل الهيكل، فيهاجر الكربون إلى هذه الفراغات ليصنع هياكل تشبه الأسلاك داخل الإسمنت المتصلب. وينتهي الأمر بمساحة سطحية كبيرة جدًا ضمن حدود حجم صغير نسبيًا.

بعد ذلك، تُنقع المادة هذه في مادة إلكتروليتية مثل كلوريد البوتاسيوم، وهو نوع من الملح، الذي يوفر الجسيمات أو الأيونات المشحونة التي تتراكم على سطح هياكل الكربون عندما تتعرض لفارق الجهد المتاح من الطاقة المتجددة. وعندما يُفصل هذان القطبان، المصنوعان من هذه المادة بمساحة رقيقة أو طبقة عازلة، فإن مكثفًا فائقًا يكون قد تشكل. ويحفظ المكثّف الطاقة داخله للاستخدام عند الضرورة. وعند توصيل المكثّف بدائرة كهربائية، فإن التيار يتدفق مرة أخرى لتوفير الطاقة الكهربائية اللازمة، كما هو موضح في الصورة رقم (1).

وجدير بالذكر أن كمية الكربون المطلوبة لهذا النظام صغيرة جدًا، تصل إلى 3% من حجم المزيج لتحقيق شبكة الكربون، وأن كتلة من الخرسانة الممزوجة بالكربون الأسود بحجم 45 مترًا مكعبًا تكون ذات قدرة كافية لتخزين حوالي 10 كيلوواطات ساعة من الطاقة، وهو ما يعادل متوسط استهلاك الكهرباء اليومي للأسرة. وبما أن الخرسانة ستحتفظ بقوتها، فإن المنزل الذي أساسه مصنوع من هذه المادة يمكن أن يخزن ما يعادل يومًا واحدًا من الطاقة التي تنتجها الألواح الشمسية أو طواحين الهواء من دون المساس بقوة الخرسانة.

كما وجد الباحثون أيضًا أن سعة المكثّف تزداد بزيادة أسود الكربون، ولكن الخرسانة ستصبح أضعف قليلًا. لذا، قد يكون هذا مفيدًا للتطبيقات التي لا تؤدي فيها قوة الخرسانة دورًا مهمًا أو حرجًا. وقد استنتجوا أن النسبة المثالية لأسود الكربون هي 10% من المزيج.

وهناك تطبيق محتمل آخر للمكثفات الفائقة المصنوعة من الإسمنت الكربوني، وهو بناء طرق خرسانية يمكنها تخزين الطاقة التي تنتجها الألواح الشمسية على طول الطريق، ومن ثمَّ توصيل تلك الطاقة لاسلكيًا إلى السيارات الكهربائية التي تسير عليها باستخدام نفس التكنولوجيا المستخدمة في الهواتف القابلة لإعادة الشحن. ويجري بالفعل تطوير هذا النوع من الأنظمة لإعادة شحن السيارات من قبل شركات في ألمانيا وهولندا، ولكن باستخدام البطاريات القياسية للتخزين.

وفي المراحل الأولى، يفضل الباحثون استخدام هذه التكنولوجيا في المنازل أو المباني المعزولة أو الملاجئ البعيدة عن شبكة الكهرباء، والتي يمكن تشغيلها بواسطة الألواح الشمسية المرتبطة بهذه المكثفات الفائقة.


مقالات ذات صلة

يعكس التطبيق المتكامل لأنظمة التنقل ذاتي القيادة مدى التقدم الذي وصل إليه أيُّ بلدٍ من البلدان من جوانبه كافة. إذ تتطلب هذه الأنظمة، قبل الشروع في تطبيقها، بنية علمية وتكنولوجية وثقافية وفنية راسخة.

يحدث التجدّد البيولوجي في الطبيعة على مستويات عديدة ومختلفة، بدءًا من الكائنات الحية الفردية، مثل: السمادل وديدان الأرض والهيدرا وغيرها، مرورًا بمجتمعات الميكروبات في جسم الإنسان وعليه، وانتهاءً بالأنظمة البيئية الكبيرة مثل الغابات عند قطعها. فلماذا لا تـتجدد أنسجة الإنسان وأعضاؤه عند الضرر؟

ستحوذت الحركة الدائمة على خيال العلماء منذ حوالي ألف سنة. وتعددت محاولات تحقيق هذا الحلم بإنشاء آلات تعمل بشكل دائم من دون طاقة خارجية، حتى القرن الثامن عشر، إلى أن حدَّت من زخمها بعض الانتقادات العلمية، مع صعود العلم الحديث.


0 تعليقات على “تحويل الخرسانة إلى مكثِّفات فائقة”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *