مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مارس - أبريل 2023

أكثر من رسالة

بين الكتابة بخط اليد والكتابة الإلكترونية


صلاح عبدالستار الشهاوي

في بداية عام 2022م، صدر تقرير مثير يتعلق بنظام التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية، أشار إلى أن التلاميذ سوف يتوقفون خلال تلك السنة الدراسية عن تَعلُّم الكتابة بحروف متصلة، ودعا إلى تعليمهم عوضًا عن ذلك الكتابة على لوحة المفاتيح الإلكترونية للكمبيوتر.

وقد استبقت بعض الولايات التقرير وما احتواه من ملاحظات واقتراحات، وأعلنت قبل صدوره بفترة طويلة إلغاء الكتابة اليدوية تمامًا من برامجها التعليمية. وبناء على ذلك، أصدر الخبراء هناك أحكامًا صارمة بوجوب التخلُّص من عملية الكتابة باليد، زاعمين أن عصرها قد انتهى، وأن استمرار تعليمها للأطفال جنبًا إلى جنب مع الكتابة الإلكترونية أمرٌ عبثي. ورأوا أن امتلاك المدارس للتكنولوجيا الحديثة منذ البداية أهم وأجدى، بحيث لا يضطَرّ الطفل إلى الإمساك بالقلم، ولا يُصاب بالارتباك بين الطريقتين. والأسباب التي استند إليها المرحبون بالتقرير وملحوظاته تتعلق فعليًا بانتشار الكتابة على لوحة المفاتيح الإلكترونية، التي صارت الوسيلة الأسهل بالنسبة للأجيال الناشئة، بينما تحولت الكتابة اليدوية، سواء بحروف متصلة أو منفصلة، إلى عمل شاق وغير مرغوب فيه.

ومع بداية العام الدراسي 2023م، أُلغيت الكتابة العادية الجميلة باليد في كثير من المدارس الأمريكية. وبدلًا عنها استخدم التلاميذ برمجيات لمعالجة النصوص، من أجل إتقان العمل على لوحة المفاتيح؛ فلم يعد تعليم الكتابة بخط اليد إلزاميًا. وهذا ليس مدهشًا في بلد كان معلمو المدرسة الابتدائية فيه يكرسون ساعة واحدة أو أقل في الأسبوع لتعليم الكتابة باليد، وحيث يمارس صانعو البرمجيات ضغوطًا قوية بهذا الاتجاه.

ولكن مثل هذا الأمر يبقى بعيدًا عن التصوّر في فرنسا مثلًا، حيث التعلق بالقلم والورقة في المدرسة قوي وعميق. أما في بريطانيا فيقرّ %40 من المواطنين أنهم لم يكتبوا باليد منذ ستة أشهر. ويتساءل البعض: ما الفائدة بعد اليوم من الكتابة باليد وقد غزت الحواسيب صفوف المدارس، حيث يمضي التلاميذ وقتًا أطول في إرسال “الإيميلات” من ذلك الذي يقضونه في كتابة رسائلهم باليد؟

الاختبـارات تقول غير ذلك
مؤخرًا، أُجريت أبحاث كثيرة قام بها علماء نفس وسلوك واجتماع وأطباء من تخصصات عدة للإجابة عن السؤال: هل من الحتمي أن نعرف الكتابة باليد كي نتعلم القراءة؟ وهل الضرب على لوحة المفاتيح يترك أثرًا ذهنيًا يمكن أن ينشط موضع القراءة بالمخ كما تفعل الكتابة بخط اليد؟

ولهذه الغاية، ابتكر العلماء تجربة جديدة طبقوها على 76 طفلًا من مدرسة الحضانة بعد أن قدروا كفاءاتهم في القراءة وفي الكتابة، ووضعوهم في مجموعتين، إحداهما يجب عليها أن تتعلم الحروف من خلال كتابتها باليد، والأخرى من خلال كتابتها بواسطة لوحة المفاتيح. وبعد ذلك بأربعة أسابيع، أعاد العلماء تقييم الأداءات في القراءة، فكانت “الحروف التي تعلمها الأطفال باليد مميّزة بشكل أوضح من تلك التي تعلموها بالضرب على لوحة المفاتيح”.

ولما أراد العلماء تفسيرًا علميًا فسيولوجيًا، صوّروا أدمغة هؤلاء الأطفال أثناء التجربة بالرنين المغناطيسي، فتبين أن مناطق الكتابة الحركية بالمخ هي التي تنشط عند رؤية الحروف المكتوبة باليد. لذا قالوا: “إذا لم يتعلم الطفل الكتابة باليد فلن يمكنه استخدام ذاكرته الحسية الحركية بخصوص الحروف. ومن شأن ذلك أن يبطئ بشكل مؤكد من قدرات تمييزه للحروف”. وعندئذ، يمكننا أن نتصور أنه سيواجه صعوبات أثناء قراءة بضع كلمات فضلًا عن التعامل مع صفحات نصية كاملة.

ومؤخرًا، ظهرت تقارير أخرى كثيرة من الولايات المتحدة الأمريكية نفسها تتراجع عن مساندة التقرير السابق، وتنادي بإلغاء فكرة قصر تعليم الكتابة على تعليم لوحة المفاتيح الإلكترونية. وبناء على هذا، قامت ولاية تينيسي الأمريكية بفرض تعلُّم الكتابة بالحروف المتصلة على التلاميذ الصغار، بعد أن أدرك المسؤولون أن فرط استخدام لوحة الأزرار الإلكترونية يجعل الطفل غير قادر حتى على مجرد التوقيع باسمه، وأن الطفل الذي لا يكتب بيده يجد صعوبة حقيقية في قراءة خط اليد، وتصبح الكلمات أمام عينيه مثل الطلاسم التي يُجاهِد لحَلِّها.


مقالات ذات صلة

البدر والرثاء مُفردتان يصعب الجمع بينهما في المعنى، فالأولى منهما ترتبط في الذهن بحالة كمال وأوج وحضور وتألق، بينما الثانية أقرب إلى الخفوت والاندثار والغياب؛ وكم يغدو هذا الجمع المعنوي أشد صعوبة حين يكون “البدر” اسمَ علم لشخصية بمكانة وتأثير سمو الأمير بدر بن عبدالمحسن، رحمه الله، الذي خيَّم نبأ رحيله الحزين على أجواء المشهد […]

يعدُّ التدريب المهني والتعليم ما دون الجامعي في ألمانيا، المزدهرة اقتصاديًا، سرًّا من أسرار نجاحها وريادتها، فبفضله انخفضت معدّلات البطالة، وارتفعت معدلات التشغيل في الفئة العمرية من 20 إلى 34 لتصل إلى %92.7.

وفي المملكة، يبلغ إجمالي المنشآت التابعة للمؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني أكثر من 260 منشأة، تغطي كافة أرجاء المملكة، في حين يصل عدد المتدربين بمختلف التخصصات إلى أكثر من 240 ألف متدرب.

في ملف العدد (مايو – يونيو 2023م)، من مجلة “القافلة”، كتبت مهى قمر الدين عن ثيمة شغلت الفلاسفة والمفكرين والأدباء والفنانين في كل بقاع الأرض، وعبر مختلف العصور، وهي “الطريق”. والسطور أدناه ليست تعقيبًا على ما كتبته الأستاذة مهى قمر الدين، بل مجرد إضافات إلى موضوع سيسيل مزيدًا من المداد، ويلهب المخيلات مجددًا؛ إذ إن الطريق أو السبيل ليست مجرد ممر يسلكه الإنسان وسائر وسائل المواصلات التي تنقل الناس والبضائع والأفكار، بل سنستعير المفهوم الفلسفي، ونقتفي خطواتنا على طريق أو طرق البحث عن صيغة مثلى للعيش، طريقة للحياة وتحقيق السلام الداخلي أو التصالح مع الذات ومع العالم، ما دامت رحلة الحياة محض سعي حثيث بحثًا عن شيء ما ينقصنا؛ ملأ فراغات نقصان يجبرنا على أن نغادر المكان الأول، والبحث عن انتصار معنوي في “هذه الهزيمة المحتومة التي نسميها الحياة”، كما يَعدُها ميلان كونديرا.


0 تعليقات على “بين الكتابة بخط اليد والكتابة الإلكترونية”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *