مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مارس - أبريل | 2019

براءة الاختراع


بشكل عام، يمكن القول إن براءة الاختراع هي المفصل الكامن بين نجاح اختراع أو ابتكار ما على مستوى المختبر من جهة، وانتقاله إلى مرحلة الإنتاج لصالح مستهلكيه أو المحتاجين إليه، مثل براءة اختراع الإضاءة الكهربائية التي سجَّلها أديسون وسوان؛ وبراءة اختراع البلاستيك التي سجَّلها بايكلاند، وصولاً إلى براءات الاختراع الكثيرة المتعلِّقة بالمعالجات الدقيقة في التكنولوجيا الحديثة التي سجَّلتها شركة إنتل، وغيرها الكثير.

فالابتكار الذي يشكِّل أسلوب حياتنا العصرية، هو أيضاً أساس التقدُّم الاقتصادي، وهو المحرِّك الرئيس للثورات الصناعية المتلاحقة التي ما فتئت تجني ثروات كبيرةً في أنحاء مختلفة من العالم. وقد أظهر لنا تاريخ هذا التقدُّم، منذ ما يربو على قرنين ونصف القرن، أن هناك عاملاً آخر مساوياً للابتكار بالأهمية، إن لم يكن أهم، وهو حماية حقوق المخترع في ابتكاره أو اختراعه. وأظهرت البيانات والأرقام القديمة والحديثة أن هناك علاقةً إيجابيةً قويةً بين تطوُّر وحماية حقوق الملكية الفكرية في شكل براءات الاختراع، والثورات العلمية والتكنولوجية والصناعية والفنية المتصاعدة.

تُمنح البراءة من قِبَل مكتب براءات اختراعٍ وطنيٍ ورسمي، أو مكتبٍ إقليمي يقوم بهذه المهمة بالنيابة عن عددٍ من البلدان المشتركة في اتفاقيةٍ أو اتفاقياتٍ معينة لحماية الملكية.

ماهية براءة الاختراع
براءة الاختراع هي عبارةٌ عن وثيقة أو شهادة أو مستند حماية، تمنحها الدولة أو أية جهة مخوَّلة رسمياً، وطنيةً كانت أم إقليميةً، لفترة زمنية محدَّدة لأحد المبتكرين على اختراعٍ قام به؛ وغايتها تحفيز وتشجيع الابتكار في سبيل التقدُّم الاقتصادي. وهذه هي أهم الشروط الذي يجب أن تتوفر في الاختراع والحقوق المكتسبة من البراءة المعطاة له:

أ. موافقة المخترع على مشاركة المعلومات عن تفاصيل اختراعه مع الجمهور، وهذا هو أهم عامل في نظام البراءات، إذ تصبح كل المعلومات الذي توصَّل إليها المخترع في متناول أيٍّ كان. ومقابل ذلك يحتفظ المخترع بالحق الحصري للتميز الإبداعي والاستفادة المادية من اكتشافه، ويوفر هذا العامل الجهود عن طريق تجنب إضاعة وقت غير ضروريٍ “لإعادة اكتشاف العجلة”.

ب. يجب أن يكون الاختراع جديداً ومفيداً للحصول على براءة اختراع. كما يجب أن يمثل تقدّماً كبيراً، وإضافة جديدة إلى مستوى التقـدُّم الجاري في أي حقل، وليس فقط مجرد تغيير عما هو معروف بالفعل.

ج. تُمنح براءات اختراعٍ بشكل متكرر لتحسين المواد أو لمسار العمليات التي سبق أن أعطيت براءات سابقاً، إذا توفرت الشروط لذلك.

د. لبراءة الاختراع عديد من سمات الملكية الشخصية؛ يجوز بيعها للآخرين أو رهنها أو قد تنتقل إلى ورثة المخترع المتوفى. ونظراً لأن براءة الاختراع تمنح المالك الحق في استبعاد الآخرين من صنع الاختراع أو استخدامه أو بيعه، يجوز له تفويض الآخرين القيام بأيٍ من هذه الأشياء، والحصول على عائدات أو تعويضات أخرى مقابل الامتياز.

هـ. معظم القوانين المتعلِّقة ببراءات الاختراع حول العالم تفرض على صاحب حق الملكية هذا أن يُفَعِّل اختراعه خلال فترة زمنية محددة، وإلا يتم إسقاط هذا الحق.

حقوق المُلكية الفكرية
تُعدُّ براءات الاختراع نوعاً من أنواع الملكية الفكرية التي تنقسم إلى ثلاثة أنواعٍ رئيسة:

  1. براءة الاختراع (patent) هي إحدى حقوق الملكية محدودة المدة، وتنقسم إلى عدة أنواعٍ كما سنرى لاحقاً.
  2. حق الطبع والنشر (copyright) وتتعلق بحقوق الأعمال الأدبية والفنية وتشمل الكتب والمقالات والموسيقى واللوحات والنحت والأفلام وبرامج الكمبيوتر وقواعد البيانات والإعلانات والخرائط والرسومات التقنية، وتبلغ مدة صلاحيتها عادةً مدى حياة المؤلف و70 سنة بعد وفاته. وتختلف قليلاً بعض تفاصيل مدة هذه الصلاحية بين بلد وآخر. كما أن صلاحيتها على الصعيد الدولي تُعدُّ، حتى الآن، إشكالية غير مُتفق عليها عالمياً.
  3. العلامة التجارية (trademark) هي علامة أو تصميم أو تعبير يعرِّف عن منتجٍ أو خدمة خاصة بمصدر معيَّن، تمييزاً له عن تلك الخاصة بمصادر أخرى. وتُعطى مدة صلاحية لفترة معينة، مثلاً 10 سنوات تُجدد باستمرار طالما أنها تبـاع وتُشترى في السوق.

وهناك أيضا نوعان أقل أهمية:

  1. علامة البلد geographical indication مثلاً: “صنع في المملكة”
  2. التصميم الصناعي industrial design مثلاً: تصميم طاولةٍ معينةٍ أو زخرفةٍ خارجيةٍ لسلعةٍ ما

ويجب الإشارة هنا إلى أن حدود هذه الحقوق تتقاطع أحياناً، كما في الرسم أدناه، وليست واضحةً تماماً في بعض الابتكارات، مثلاً في حقول البرمجيات؛ بعض التطبيقات مثلاً، يمكن أن تحصل على براءة اختراع وحق الطبع والنشـر وعلامـة تجاريـة في الوقت عينه.

أنواع البراءات
هناك ثلاثة أنواع رئيسة من البراءات:

  1. براءات المنفعة (Utility Patents)، ومدة صلاحيتها 20 سنة، وتنقسم إلى عدة أنواع:
              أ. الآلات والأجهزة
              ب. مسار عمليات التصنيع أو أنظمة الأعمال
              ج. تركيبة المادة أو المركبات الكيميائية
              د. تحسينات على براءات الاختراع السابقة
  2. براءات التصميم (Design Patents)، وتتعلق بابتكار تصميم جديد أو زخرفة جديدة على مادة مصنوعة، ومدة صلاحيتها 14 أو 15 سنة.
  3. براءات الاختراع النباتية (Plant Patents)، وتتعلق بابتكار أو اكتشاف أو تكاثر خضريٍ (لاجنسي) للنبات، ومدة صلاحيتها 20 سنة.

تاريخ براءات الاختراع
والمراحل التي مرّ بها
قبل انتشار نظام براءات الاختراع القانوني، كانت المعلومات المتعلِّقة باكتشاف طرق أو أساليب حرفية للصناعات التي كانت منتشرة كالفخاريات والتعدين وغيرها، تُعدُّ من الأسرار. وكانت العائلات تحتفظ بها لنفسها وتورثها لأحفادها؛ وهذا ما كان يحد من انتشار المعرفة والخبرات العملية. وقد ظهرت عدة أشكال بدائية للبراءات منذ 500 سنة قبل الميلاد وحتى القرن الخامس عشر، ولكن من دون أن يكون لديها معايير قانونية أو فنية محدَّدة. وبدأ انتشار أنظمة البراءات الحديثة حول العالم على الشكل التالي:
أ. ظهرت أولى البراءات القانونية في عام 1474م في البندقية، وعرفت بقانون البندقية. ويعد كثير من المؤرخين أن هذا القانون وَضَع المعايير التي انطلقـت على أساسهـا كافـة أنظمـة البراءات للقرون اللاحقة.

ثم وضعت الأنظمة والقوانين التالية:
ب. النظام الأساسي البريطاني للاحتكارات في عام 1624م.
ج. أول قانون براءات الاختراع للولايات المتحدة الأمريكية في عام 1790م.
د. أول نظام براءات اختراع في المملكة العربية السعودية 1989م.

وحتى وقت قريب، كانت هناك اختلافات واسعةٌ في أنظمة البراءات التي تنفذها مختلف البلدان. تراوحت مدة البراءات المعترف بها من بلدٍ لآخر من 16 إلى 20 سنة. ففي بعض البلدان، مثل فرنسا، تم تقصير هذه المدة لأن بعض الاختراعات اعتُبرت ذات فائدةٍ عامة. أما في البلدان الشيوعية كالاتحاد السوفياتي، فتمّ التعامل مع الملكية بشكل مختلف؛ إذ لم يتم الاعتراف بالبراءات بحد ذاتها، بدلاً من ذلك، كان المخترعون يحصلون على شكل من أشكال التعويض عن عملهم. وحذت الصين، في ذلك الوقت حذو الاتحاد السوفياتي، ولكن تمت مراجعة هذا القانون في عام 1985م. وقد عكست التغييرات، في عديد من النواحي، قانون براءات الاختراع في البلدان الأوروبية.

من يصدر براءات الاختراع؟
تُمنح البراءة من قبل مكتب براءات اختراعٍ وطني ورسمي، أو مكتب إقليمي يقوم بهذه المهمة بالنيابة عن عدد من البلدان المشتركة في اتفاقية أو اتفاقيات معينة لحماية الملكية. وهذه هي أهم المنظمات المعنية بشؤون براءات الاختـراع على الصعيـد الوطني والدولي:

  • المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) وهي تابعة للأمم المتحدة في جنيف، عبارة عن منتدى عالمي لكافة خدمات الملكية الفكرية بما فيها البراءات، وتضم 191 دولة في عضويتها، وتأسست في عام 1967م.
  • انتشار المنظمة العالمية لحقوق الملكية على صعيد العالم
    1. المنظمة الإفريقية للملكية الفكرية OAPI
    2. المنظمة الأوراسية لبراءات الاختراع EAPO
    3. المكتب الأوروبي لبراءات الاختراع EPO
    4. مكتب براءات الاختراع في دول مجلس التعاون الخليجي GCCPO
    5. مكتب الولايات المتحدة لبراءات الاختراع والعلامات التجارية USPTO
    6. الإدارة الوطنية للملكية الفكرية أو مكتب الصين لبراءات الاختراع CNIPA

اتفاقيات دولية
لقد بذلت جهود كبيرة لتسهيل عملية الحفاظ على حق المخترع خارج بلده وفي أكبر عدد من البلدان، وتوفير الجهد البيروقراطي على المخترع أو المخترعين؛ فعُقدت عدة اتفاقيات دولية حول حماية هذا الحق في معظم دول العالم، وهذه هي بعض أهم هذه الاتفاقيات:

  1. اتفاقية باريس لحماية الملكية الصناعية، عقدت في باريس في عام 1883م، ضمت إلى عضويتها بدايةً 11 بلداً معظمها بلدان أوروبية بالإضافة إلى البرازيل وغواتيمالا، وأعطت المخترعين الذين تقدَّموا بطلب أولاً في بلد عضو، حق الاستفادة منه في الدول الأعضاء الأخرى. ولاحقاً، تم تعديل بنود الاتفاقية عدة مرات، ودخل إلى عضويتها عديد من الدول الأخرى ليصل عددها إلى 177 دولةً في يناير 2019م.
  2. معاهـدة التعـاون بشـأن البراءات PCT في واشنطن 1970م، وتضم في عضويتها 152 دولةً حاليـاً، وهي تحـت إدارة المنظمة العالمية للملكية الفكرية.
  3. معاهدة بودابست في عام 1977م، وتضم 80 دولة في عضويتها حالياً، وهي تحت إدارة المنظمة العالمية للملكية الفكرية.
  4. اتفاقية الجوانب التجارية لحقوق الملكية التجارية، مراكش 1994م، وتضم 162 دولة جميعها أعضاء في منظمة التجارة الدولية.
  5. معاهدة قانون البراءات، جنيف 2000م، وتضم 59 دولة، وهي على تعاون وثيق مع المنظمة الأوروبية بشأن البراءات.


أبرز المشكلات الفنية والقانونية
تواجه الجهات الرسمية المخولة رسمياً منح براءات الاختراع عدة إشكاليات فنية وقانونية، أهمها:

أ. عدم توفر الخبرات الكافية لفاحصي الابتكارات والاختراعات الجديدة، إذ ليس بإمكان أية جهة توظيف اختصاصيين بالتفاصيل الدقيقة لكافة الحقول العلمية والتكنولوجية وغيرها.

ب. غياب عمل مماثل لمادة الاكتشاف من قبل. إذ إن طبيعة الاكتشاف جديدة. وعلى سبيـل المثال، في السنوات القليلـة الماضيـة كانت الزيادة الدراماتيكية للبراءات هي في مجالات جديدة كلياً مثل البرمجيات السحابية، والطائرات من دون طيار، والتعلُّم الآلي، والسيارات ذاتية القيادة، وغيرها.

ب. غياب عمل مماثل لمادة الاكتشاف من قبل. إذ إن طبيعة الاكتشاف جديدة. وعلى سبيـل المثال، في السنوات القليلـة الماضيـة كانت الزيادة الدراماتيكية للبراءات هي في مجالات جديدة كلياً مثل البرمجيات السحابية، والطائرات من دون طيار، والتعلُّم الآلي، والسيارات ذاتية القيادة، وغيرها.

ج. صعوبة تسجيل البرمجيات من ناحية حجمها الكبير. في الولايات المتحــدة مثـلاً، ازدادت براءات البرمجيات بين عامي 2000م و2013م، بنسبـة %168.6 بينمـا ازدادت البراءات بشكل عام %122.6.

هـ. في حالات التنازع على مطالبات الاختراع على الصعيد الدولي، تمنح معظم الدول براءة الاختراع للشخص الذي قدَّم الطلب أولاً. الولايات المتحدة في المقابل، تعطى الأولوية للشخص الذي يمكنه الإثبات أنه المخترع الأول، بغض النظر عما إذا كان قد قدَّم أولاً أو لاحقاً.

البراءات تشجِّع الابتكار
يجمع الاقتصاديون على أهمية براءات الاختراع لتشجيع الاكتشاف والاختراع العلمي والتكنولوجي لأنها تكافئ المخترعين بطريقة تتناسب مع طبيعة ابتكاراتهم.
ففي دراسة أجرتها عام 2008م منظمة التعاون والتنمية (OECD)، جاء أن “المستويات الأقوى من حماية براءات الاختراع ترتبط ارتباطاً إيجابياً وكبيراً بتدفقات المنتجات عالية التقنية وتدفع إلى زيادة النفقات على البحث والتطوير”.
وقد أثبتت التجربة أن نظام براءات الاختراع يسهم في نشر المعرفة على النطاق الوطني والعالمي. وبالفعل، تبيَّن أن هذا النظام هو واحد من أكثر الأدوات فعالية في تشارك المعرفة ونقل التكنولوجيا إلى بلدانٍ أخرى على الإطلاق. ووجدت دراسة أجراها الاقتصاديان الفرنسيان فرنسوا لي فيك ويان مينير في عام 2006م، أن 88 في المائة من الشركات الأمريكية والأوروبية واليابانية قالت إنها تعتمد بالفعل على المعلومات التي تم الكشف عنها في براءات الاختراع لمواكبة التقدُّم التكنولوجي وتوجيه جهود البحث والتطوير الخاصة بهم.
وهذا ليس شيئاً جديداً؛ فقد ذكر إلياس ريس، وهو مخترع من القرن التاسع عشر، أنه عندما قرأ عن براءة اختراع صدرت في عام 1886م، لاكتشافٍ قام به تومسون حول طريقة جديدة في التلحيم الكهربائي، تفتح ذهنه حالاً عن مجال واسعٍ لتطبيقات جديدة، رأى أن بإمكانه اكتشافها وتطبيقها.
ومن المعروف أن توماس أديسون كان دائماً يتردَّد على مكتب براءات الاختراع من أجل دراسة براءات الاختراع للمخترعين الآخرين، التي كانت تشحذ شرارة أفكاره الخاصة.

يجب أن يكون الاختراع جديداً ومفيداً للحصول على براءة اختراع. كما يجب أن يمثِّل تقدُّماً كبيراً، وإضافة جديدة إلى مستوى التقدُّم الجاري في أي حقل، وليس فقط مجرد تغيير عما هو معروف بالفعل.

ولربما اعتقد كثيرون أن الاختراقات العلمية الكبيرة تؤدي إلى إغلاق الباب أمام مزيد من الاختراعات أو عرقلتها. لكن دراسةً أجريت في عام 2013م بهذا الخصوص حول توماس أديسون وبراءة اختراعه للمصابيح المتوهجة سنة 1880م (رقم 223,898)، تبيَّن أنها قد حفزت الآخرين لإطلاق فيض من الاكتشافات في المجال نفسه، أدت إلى تطوير تقنيات جديدة ذات أهمية تجارية مثل لفائف تسلا، والموصلات محكمة الإغلاق، وعملية ترسيب البخار الكيميائي، وخيوط التنغستن والإضاءة الفسفورية التي أدت إلى مصابيح الفلورسنت اليوم.
ولنأخذ على سبيل المثال أكبر الصناعات الجديدة المولدة للوظائف في الستين سنة الماضية في الولايات المتحدة وهي: أشباه الموصلات (الإلكترونيات الاستهلاكية)، والحواسيب الشخصية، والبرمجيات، والتكنولوجيا الحيوية، والهواتف المحمولة، والتجارة الإلكترونية عبر الإنترنت.. فقد تم إطلاقها ونمت بقوة على أساس اختراعات حصلت على براءة اختراع ابتكرتها شركات ناشئة. وتمكنت هذه الصناعات من الازدهار بسبب سهولة حصولها على المعلومات.
والمثال القوي على علاقة أنظمة براءات الاختراع بتشجيع الابتكار هي الصين؛ عندما استبدلت نظامها القديم بآخر مشابه للنظام الأوروبي، فانطلقت فيها نهضة علمية وتكنولوجية كبيرة جداً.

البراءات ومعدَّلات النمو الاقتصادي
توضح الأدلة التجريبية أهمية البراءات والملكية الفكرية كعاملٍ أساسي في النمو الاقتصادي. لا سيما في الاقتصادات القائمة على المعرفة. وتلعب الملكية الفكرية والبراءات دوراً أساسياً في قرارات الاستثمار في الابتكار. وإضافة إلى تعزيز الإنتاجية والربحية، فإن الملكية الفكرية والبراءات لها قيمة نقدية، تماماً كباقي الموجودات غير الملموسة، وتُعدُّ إضافة مهمة إلى الميزانية العمومية لأي شركة وزيادة قيمتها السوقية.
ويبين الجدول الذي أعدته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) كيف أن براءات الاختراع مرتبطة ارتباطاً قوياً بمستوى الدخل.

ويتضمن الجدول أدناه الحد الأدنى الفعلي للأجور في السنة مقوماً بالدولار 2017م يقابله عدد براءات الاختراع الصادرة عن معاهدة التعاون بشأن البراءات، لكل 10,000 نسمة: فهولندا مثلاً، الأعلى أجراً في العالم أصدرت عن طريق معاهدة التعاون بشأن البراءات، أكثر من براءتين لكل عشرة آلاف نسمة. بينما أصدرت المكسيك، الأقل أجراً براءة واحدة لكل نصف مليون نسمة:

جودة البراءة
رأينا حتى الآن أهمية الناحية الكمية لبراءات الاختراع، ولكن هل هي متساوية من الناحية النوعية؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من الإشارة إلى الصعوبة البالغة في تقييم جودة البراءة للأسباب التالية:
أ. القيمة القانونية وهي عبارة عن إعلان رسمي لسريان مفعول الاكتشاف، وتعد الخطوة الأولى في مسيرة الألف ميل المزروعة غالباً بالشوك.
ب. القيمة الاقتصادية وتتحدَّد:

  1. في قدرة البراءة على استثناء الآخرين من العمل في المجال نفسه ضمن الفترة المعطاة. فكثيراً ما تتعرَّض البراءات إلى تنازع يتطلب اللجوء إلى المحاكم لتحديد الصلاحيات.
  2. إثبات ما إذا كانت براءة الاختراع الصادرة صالحة أو منتهكة، عملية مكلفة وشاقة من الناحية القانونية والعلمية والفنية.
  3. من الناحية العملية، عندما يتم التنازع على براءة الاختراع، قد لا يكون من الممكن الحفاظ على صلاحيتها المستحقة.
  4. حماية هوامش الربح وتوليد إيرادات وجذب المستثمرين.

ج. في معظم الدول الصناعية هناك كيانات غير منخرطة في الأعمال التجارية، هي شركات ترخيص براءات الاختراع من دون أن تمارسها. فلا تقوم عادة بتطوير أو بيع المنتجات؛ بل تُرخص لها فقط. إذ تهتم فقط بتحقيق أرباح من خلال الترخيص والتقاضي، ولديها سمعة فرض براءات سيئة للاستفادة مما يعرف “تسوية الإزعاج”.

هـ. إن عديداً من الشركات العملاقة تحصل وتحفظ عشرات الآلاف من براءات الاختراع التي يمكن الشك في صلاحيتها تحت التمحيص. وتقوم إحدى استراتيجياتها على الكمية وليس على النوعية، إذ يضيع هذا النوع السيء في المحفظة الكبيرة جداً من البراءات. وعادة ما تستخدم هذه البراءات “بشكل دفاعي”، أي من أجل حرية التصميم ومنع الآخرين من أن يسبقوا، وليس من أجل الترخيص الخارجي أو توليد الدخل المباشر.

و. يقول بروس بيرمان، صاحب كتاب “من الأصول إلى الأرباح” إن “%90 أو أكثر من المحافظ المهمة ذات التقنية العالية تتكوَّن من براءات مشكوك فيها تُستخدم فقط للضغط، وفي مجالات مثل البرمجيات واستراتيجيات العمل قد يكون الرقم أعلى من ذلك”.

ز. قوة البراءة للصمود في السوق؛ وفي هذا الخصوص يقول تقرير لشركة بلومبيرغ عن العدد الهائل للبراءات في الصين، إنَّ معظمها يتم التخلص منها في السنة الخامسة، لعدم تمكن أصحابها من دفع رسوم الترخيص. وعندما يتعلق الأمر بالتصميم، فإن أكثر من تسع براءات من كل عشر يتم إهمالها.

ح. معظم القوانين المتعلقة بانتهاك حقوق الملكية الفكرية لا تقع تحت أحكـام جنائيـة، بل تُعدُّ شأناً مدنياً وعقابها ليس قاسياً ولذلك يتكرر باستمرار انتهاكها.

ط. التأخر في الموافقة هو من أهم المشكلات التي يعاني منها منح براءات الاختراع غير الفنية والقانونية، خاصةً عند الترخيص في الخارج، لتصل في بعض البلدان إلى أكثر من عشر سنوات.

وتنعكس مشكلة الوقت الطويل لإعطاء الموافقة خاصةً في قطاع التكنولوجيا النقالة كما في الرسم البياني التالي:


مقالات ذات صلة

ازداد الحديث في الآونة الأخيرة عن تقنية “بلوكتشين” والعملة الرقمية المُشفرة “بيِتْكوين” التي استولت على اهتمام الأسواق لارتفاع أسعارها وتقلباتها الكبيرة. وارتباط شهرة “بلوكتشين” بالعملات الرقمية ليس مستغرباً، نظراً لأن هذه العملات كانت التطبيق الأكبر والأول لهذه التقنية، على الأقل حسبما راج في وسائل الإعلام، حتى إن اسم “بلوكتشين” أصبح مرادفاً للعملات المشفّرة، وهذا غير […]

يواجه العالم ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ الإنسان، تتمثَّل في أن عدد كبار السن أصبح اليوم يفوق عدد الأطفال، والعالم يزداد شيخوخة. فحتى وقت قريب، كان عدد الأطفال الذين هم دون الخامسة يفوق على الدوام عدد الكبار الذين تخطَّوا سن الخامسة والستين. وقديماً، كان من النادر أن يعمّر شخص ما ليرى حفيداً له في حياته، كما هو شائع اليوم.

للعام الثالث على التوالي، ازدادت معدَّلات سوء التغذية في أنحاء مختلفة من العالم. فقد ارتفع عدد الذين يواجهون حرماناً مزمناً من كفايتهم من الطعام، من 804 ملايين في العام 2016م إلى نحو 821 مليون نسمة في العام 2017م


0 تعليقات على “براءة الاختراع”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *