مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو – يونيو | 2020

الوباء


تعرَّضت المجتمعات البشرية إلى عديد من الأوبئة والجوائح في التاريخ. ورافقت هذه الأوبئة تفسيرات واعتقادات متنوِّعة، كان معظمها أقرب إلى الخرافات، ولا يزال بعضها سائداً حتى اليوم. لكن مع ظهور نظرية جرثومية المرض على يد لويس باستور، في القرن التاسع عشر، بدأت المعرفة العلمية بشأن الأوبئة تتوسع. ويُعدُّ وليام فار (1807-1883م) أول من اكتشف المبادئ الرياضية التي تحكم سلوك الأوبئة.
وفي أوائل القرن العشرين، عمل عالما الأوبئة البريطانيان وليام هامر، ورونالد روس الحائز جائزة نوبل لأبحاثه حول انتشار الملاريا، وغيرهما من المتخصصين في الصحة العامة على تطوير نماذج رياضية حول الأوبئة، انطوى معظمها على تفاعل ثلاثة عناصر رئيسة: المُمْرِض أو مسبب المرض (pathogen)، والمضيف البشري، والظروف البيئية.

نظرية الوباء
ترتكز النظرية الحديثة لحدوث الوباء على توفّر هذه العناصر الثلاثة، وينطوي تفاعلها على كثير من التعقيدات الرياضية التي تم إثبات صحتها بأبحاث ميدانية كثيرة حول العالم على مدى عقود من الزمن:
المُمْرِض: تختلف مسببات الأمراض المعدية في الحجم والتركيب البيولوجي من جزيئات البروتين، والفيروسات ما دون الخلية، والبكتيريا أحادية الخلية، إلى الديدان الشريطية متعدِّدة الخلايا. وتنتشر عن طريق الاتصال المباشر من شخص لآخر، أو من خلال المواد الشخصية والملابس والأواني وغيرها؛ أو عن طريق حاملات المرض مثل الماء أو الطعام أو الحليب أو الهواء؛ أو الحشرات وغيرها من الحيوانات الناقلة.
البيئة: يمكن للمُمْرِضات وناقلاتها نقل العدوى فقط في نطاق ظروف طبيعية خاصة جداً بكل واحدة منها. فعلى سبيل المثال، تحتاج جميعها حتى تنتشر درجات حرارة معيَّنة تختلف بين الواحدة والأخرى؛ ففيروسات الإنفلونزا تحتاج حرارة ورطوبة متدنيتين. وتزدهر الضمة الكوليرية، المسبِّبة لمرض الكوليرا، في علاقة تكافلية مع بعض أنواع العوالق. كما تنمو عصية السل في الزوايا المظلمة المليئة بالغبار من المساكن المكتظة. وتستطيع جراثيم الكزاز العيش في التربة إلى ما لا نهاية تقريباً.
المضيف: عندما يغزو المُمْرِض المضيف، يتم استدعاء جهاز المناعة للدفاع عن جسم المضيف من الأذى. هذه المناعة ليست ثابتة، ويمكن أن تكون مؤقتة أو طويلة الأمد أو دائمة، ويكتسبها المرء عن طريق انتقال الأجسام المضادة من الأمهات إلى الرُضَّع عبر المشيمة أو من حليب الأم، أو عن طريق التطعيم أو التحصين بطرق مختلفة. ونظرية الوباء تنظر في كل من المضيفين الأفراد وكذلك السكان ككل، والمعروف في هذا السياق باسم “مناعة القطيع”.


مقالات ذات صلة

كان الأديب الفِرنسي فِيكتور هوغو يصف العمارة بِأَنّها المرآة التي تنعكس عَليها ثقافة الشعوب ونهضتها وتطوُّرها. وتتأكد صحة هذه النظرة بإسقاطها على ما يشهده فن العمارة اليوم بفعل التطوُّر التكنولوجي. إذ أصبح جهاز الكمبيوتر اليد اليمنى للمصمم المعماري، يتيح له إبداع تصاميم ما كانت لتبدو قابلة للتنفيذ قبل عقدين أو ثلاثة من الزمن. فتسارعت وتيرة […]

لم يكن مفهوم الداخل والخارج، أي داخل الأماكن المقفلة وخارجها، قبل نمط الحياة العصرية واضحاً. كان الداخل قبل الثورة الصناعية، التي انطلقت في أواخر القرن الثامن عشر، يقتصر بمعظمه على المنازل أو بعض دور العبادة أحياناً. وحتى ذلك الحين، لم تتغيَّر وظيفة المنزل كثيراً بالنسبة لمعظم سكان الكرة الأرضية عن وظيفة الأكواخ الأولى التي بدأ […]

شكّلت الحيوانات الثدية التي تعيش في الصحراء مادة بحثية مهمة للعلماء العاملين على تطوير استراتيجيات جديدة في تقنيات التبريد السلبي ثنائي الطبقة من دون الاعتماد على الكهرباء. ويفتح هذا التطوُّر العلمي الطريق لاستحداث تقنياتٍ لا حدود لها في المستقبل. وبذلك يتم التقليل من احتياجات التبريد المتزايدة باستمرار، التي تستهلك كثيراً من الطاقة وتؤثر بشكل سلبي […]


0 تعليقات على “الوباء”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *