مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
يوليو – أغسطس | 2020

النكتة والسخرية في زمن الوباء


صالح بن فهد العصيمي

يُعدّ الضحك (أو الإضحاك) واحداً من أهم آليات التعامل الإيجابي مع المشكلات التي يمر بها الفرد خلال الأوقات العصيبة، مثل أوقات المرض أو موت عزيز والقلق والوباء بطبيعة الحال. ويراه البعض من أفضل أنواع الدواء ومقاومة تلك الأوقات التي تعصف بالفرد والمجتمع. ولعبت النكتة عبر التاريخ دوراً مهماً في أوقات الأزمات والكوارث. وقد تكون ردة فعل طبيعية تتوارثها الأجيال وتتعامل به تنفيساً نفسياً للألم عن طريق اللغة.
وكما يتعامل الطب مع الأوبئة والأمراض، فاللغة أيضاً تقوم بدور مهم في مكافحة الأمراض أو مكافحة ما يحيط بتلك الأمراض من خوف وترقب وقلق نفسي. ومن المعلوم أن المختصين اللغويين في اللسانيات التطبيقية تعاملوا مع المظاهر اللغوية خلال الأزمات والكوارث، ومما تعاملوا به جائحة الكورونا. وتُعدُّ دراسة التهكم جزءاً أصيلاً من الدراسات اللغوية، وقد يكون التهكم باحتقار الفايروس مثلاً، أو بقوة الشخص في مصارعة الفايروس.
وكما كان للجائحة تأثير على الصحة، فقد أثّرت أيضاً على اللغة وعلى الموضوعات التي طرقتها اللغة وتناقلتها وسائل التواصل. ومما تناقلته بعض المواقع مقولة “التعداد السكاني لا بد أن يتوقف حتى نهاية جائحة كورونا”؛ للتعبير عن سخرية من العجز أمام كثرة الوفيات الناجمة عن الجائحة.
ومن الطبيعي خلال الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي أن تنشط وسائل التواصل الاجتماعي بنشر وتناقل النكت للتنفيس عما يقاسيه البشر من خوف وقلق وترقب، واستبدال تلك المشاعر بمشاعر إيجابية تفاؤلية سعيدة عبر السخرية من الموقف المأساوي، ليصل إلى حد التهكم باستخدام التورية والمجاز للتعبير عما في النفس بطريق غير مباشر أو لإيصال رسالة معيَّنة.
ولذلك فليس مرفوضاً أن يقوم المجتمع بالترفيه عن نفسه عبر إطلاق النكت والتعليقات الساخرة على الموقف الذي يمر به، ولكن قد يبدو مستهجناً إطلاق مثل هذه (الاستراتيجيات اللغوية) في حال العزاء أو الوفاة أو المرض الشديد بسبب هول الموقف.
وتشيع مفاهيم أن التعبير باللغة وإطلاق النكت والسخرية والتهكم بالمواقف العصيبة تدل على أن مَنْ يطلقها هم أكثر تحكماً من غيرهم الذين ربما يصدمهم الموقف وتنقلب حياتهم جادة تترقب الأسوأ. وبقدر ما تعني النكتة من تسلية فهي أيضاً تعكس نظرة إلى جانب الحياة الأكثر إشراقاً من الألم الذي يمر به الإنسان. كما أنها تحوِّل موقف الإنسان من موقف سلبي مستقبِل للطبيعة، إلى موقف إيجابي يؤثر ويتفاعل مع الطبيعة بل وفاعل فيها أيضاً ويُخضِعها لمزاجه!
وتختلف النكت في بنائها وربما أيضاً في مفعولها باختلاف الأعمار والثقافات. ويمكن أن نصنف السخرية زمن جائحة الكورونا تصنيفاً ثلاثياً بالنظر إلى زمن إطلاقها وانتشارها: ما قبل الحجر المنزلي الكامل، أثناء الحجر، وما بعده. فربما نجد زيادة في انتشار النكت على وسائل التواصل الاجتماعي أو نقصاً في إحدى هذه المراحل الثلاث، وقد نجد بعضها يعبر عن القلق وبعضها الآخر يتجه للتفاؤل!
وقد تكون النكت موجَّهة إلى جنس الذكور أو إلى جنس الإناث، مثل التعليقات الساخرة من بقاء الزوج في المنزل زمن الجائحة، وهو ما كانت ترغبه الزوجة. لكن لمَّا طال بقاؤه صارت تتمنى خروجه! كذلك ما انتشر من أمر إيجابي وهو العناية بغسل اليدين بشكل مستمر الذي كانت الأنثى تعيّر الذكر بإهماله!
علاوة على ذلك، يمكن تصنيف مدونة لغوية (أو متن لغوي) عن ألفاظ السخرية والنكت أثناء الكورونا. فهناك ألفاظ شاعت، مثل: العزل، والعزلة، والوحدة، والتعقيم، وجائحة، والعدوى.. وهناك متصاحبات لفظية وتراكيب لغوية، مثل: التباعد الاجتماعي، والحجر المنزلي، والحظر الصحي، والحظر الكلي، والحظر الجزئي، والعمل عن بُعد..
وكذلك اتجهت بعض النكت نحو مفاهيم النظافة الشخصية وأمور تتعلق بالصحة وموضوعات اجتماعية مختلفة عما عهدناه في السابق.
ويعتمد فهم النكت على الثقافة، وأحياناً معرفة المواقف الخاصة الذي تحيل له النكتة، بل قد يتطلب أحياناً فئة عمرية خاصة أو حتى جنساً دون غيره، وله مباحثه الكثيرة في التداولية في اللغة واللسانيات.
ومما تذكره الأدبيات حول أسباب الميل إلى إطلاق النكت والسخرية في بعض المواقف الجادة أن النكتة تساعد على قول أمر يستحي منه الشخص في غير النكتة، أو ربما يكون الحديث فيه من المحظورات والممنوعات الاجتماعية أو الثقافية أو الدينية. فيكون الحل اللغوي هو اللجوء إلى النكتة والسخرية (تحايلاً) على الموقف. وربما تكون النكتة تعبيراً عن رغبة قائلها بأن يخلق له واقعاً، ولو كان افتراضياً، يبعده ولو بشكل مؤقت عن واقعه الحقيقي الذي يعيشه وتكتنفه المخاوف.


مقالات ذات صلة

شقَّت المعلّقات العربية طريقها إلى المكتبة الألمانية منذ عام 1802م، على يد أنطون تيودور هارتمان الذي لم يكتف بترجمتها إلى اللغة الألمانية، بل وضع لها شرحاً وتعليقاً تفصيليين. ومنذ ذلك التاريخ، تركت المعلّقات بصماتها واضحة على الثقافة الألمانية، وتحديداً على أعمال بعض أهم الأدباء الألمان مثل يوهان فولفجانج فون جوته وهاينريش هاينه.

خلال الربع الأول من القرن العشرين، كان الأديب البريطاني هول كين يتمتع بشهرة شعبية عالمية، جعلت منه سلطة أدبية في بريطانيا، وأيضاً في مصر التي زارها ثلاث مرات، حيث ترك بصمته على الحراك الأدبي فيها بشهادة معاصريه. وتجلَّت هذه البصمة بالتهافت على ترجمة أعماله ونشرها في الدوريات العديدة، واختلاف مواقف أدباء مصر منه، بدءاً بتأثر […]

لدورِ النشر الفرنسية المعروفة (مثل “لاروس” و “لو روبير”) زينتها الخاصة في بعض المناسبات مثل رأس السنة، فتحتفي بعرض منشوراتها الجديدة مع صور مكبرة لبعض المؤلفين. ومن هذه المنشورات الجديدة، التي تزدهي بها بعض الواجهات، هناك الطبعات الجديدة لبعض القواميس.هذا ما قد يصعب على القارئ العربي تصوره، أي صدور طبعة جديدة للقاموس في كل سنة. […]


0 تعليقات على “النكتة والسخرية في زمن الوباء”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *