مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر – ديسمبر | 2020

المفردات النشطة والسلبية: طريقتان للتعلُّم


متعب القرني

يقع متعلِّمو اللغة الإنجليزية أو اللغة العربية على كلمات يألفونها ويودّون لو يستخدمونها في أحاديثهم وكتاباتهم ولكنها لا تجري على ألسنتهم أبداً! مثلاً، يُصادف متعلِّم اللغة العربية (وهذا ينطبق على الإنجليزية) كلمات من قبيل (يعدل عن قراره) أو (يرتاد المقاهي)، ولكنه لا يستطيع أن يوظّف كلمتي (يعدل عن) أو (يرتاد) في لغته الخاصة رغم معرفته لمعانيها؟ فما المشكلة المتسببة في ذلك؟ وما الطرائق لحلها؟ 
في البداية، تجدر الإشارة إلى أن ثَمَّة أربع مهارات لتعلُّم أي لغة: القراءة والكتابة والاستماع والتحدث. القراءة والاستماع “مهارات استقبالية”، أي إن المتعلِّم يستقبل المعلومات من الكتب أو التلفاز/الراديو من دون إجهاد، فلا يبذل سوى محاولات الفهم غير الشاقة. في المقابل، تُعدُّ الكتابة والتحدث “مهارات إنتاجية”، أي إن على المتعلِّم أن يُنتج كلاماً منطوقاً أو مقالاً مكتوباً؛ وبما أنها مهارات إنتاجية فهي تتطلَّب عمليات تفكير مُجهِدة وشاقة. لذلك، يشتكي متعلِّم اللغة دوماً من الكتابة والتحدث لا القراءة والاستماع.
إنَّ عجزَ المتعلِّم عن توظيف الكلمات التي يألفها يعود إلى كونها “مفردات سلبية”، أي إنها غير نشطة لدى المتعلِّم، فهي كلماتُ غيرِه لا كلماته، يراها ويسمعها في الكتب والأفلام، ولكنه لا يجرّب توظيفها على لسانه. في المقابل، يكون جميع ما يكتبه المتعلِّم أو ينطق به “مفردات نشطة” كونها مفرداته الخاصة التي يقوم بتداولها واستعمالها على نحو متكرِّر. وحتى نرفع من كفاءة المتعلِّم على مستوى الكتابة والتحدث، يتعيّن علينا ترقية مفرداته السلبية – وهي كثيرة – لتصبح في مصاف مفرداته النشطة، ويمكن ذلك بطريقتين:
الطريقة الأولى: وضع الكلمة المراد تعلُّمها في أمثلة، وليست أي أمثلة، إنما أمثلة واقعية معاشة. فبدلاً من أن يصوغ المتعلِّم مثالاً عاماً فيقول (ذهب محمد إلى المدرسة)، يتعيّن عليه استبدال اسم محمد (وهو اسم عام ومشهور) باسم شخص معروف لديه يذهب فعلياً إلى المدرسة. وهذا ما يسمَّى بـ “التسييق”، أي توطين النصوص الخارجة عن السياق في سياق معاش.
حين كنتُ أدرِّس مادة المفردات، كنتُ أشجِّع الطلاب على شطب جميع الأسماء الإنجليزية في الكتاب ومن ثمَّ إحالتها إلى أسماء مألوفة لديهم تتناسب مع السياق والمثال المدروس. فبدلاً من (يبعث جون بعزاءاته إلى أسرة سميث بعد وفاة والده)، يستبدل كل طالب “جون وسميث” بشخصين مألوفين بعث أحدهم فِعلياً بعزاءاته للآخر. والمثير في الأمر أن بعض الطلاب – بعد تطبيق هذه الطريقة – بدأ في استخدام عبارة (يبعث بعزاءاته)، مع أنها لم تكن سلفاً في معجمه اللفظي الخاص، والسبب أن الكلمات السلبية التي طوَّقتها الأسماء المجهولة تحوَّلت إلى كلمات نشطة حين وُطِّنت في سياقها الثقافي المعروف وصارت في عداد المتداول والمألوف، وهذه الطريقة تسمَّى “نظرية القراءة بتوظيف المعرفة الشخصية”.
الطريقة الثانية: ربط الكلمة المراد تعلُّمها بكلمة نشطة في اللهجة الأم، فالربط تقنية من تقنيات تذكر المعلومات. ومن الأخطاء التي يقع فيها متعلِّمو اللغة الإنجليزية أنهم يربطون/يترجمون الكلمة الإنجليزية المراد تعلُّمها بكلمة عربية فصحى ليست نشطة لديهم من البدء. فيترجمون مثلاً (I can’t make it) بـ “لا أستطيع المجيء”، في حين أن جملة “لا أستطيع المجيء” لم تجرِ على ألسنتهم سلفاً.
ولتجاوز هذا المأزق، تكون مهمة المتعلِّم أن يترجم الكلمات الإنجليزية بربطها بكلمات نشطة تجري على لسانه وإن كانت من لهجته الخاصة، فيستطيع المتعلِّم ترجمة (I can’t make it) بـ “مَقْدَر أجي” أو نحوها، ولكلِ متعلِّمٍ لهجتُه الخاصة التي يجب توخيّها. فكلما كانت الكلمة أنشط في لهجته الأم، يمكن استغلالها لتنشيط الكلمة الإنجليزية الخاملة المراد تعلمها. ويمكن توظيف هذه الطريقة لتطوير اللغة العربية أيضاً، فيمكن تذكُّر عبارة (يعدل عن رأيه) حين نربطها بـ “يبدّل رأيه” ويمكن تذكر (يرتاد) حين نربطها بـ “يجي”؛ فحين يريد المتعلِّم قول “بدّلت رأيي، ما بجي هذاك المقهى” يتذكَّر مباشرة “عَدلتُ عن ارتياد ذلك المقهى”.
المؤسف في هذه الطريقة أن لهجة المتعلِّم قد لا تسعفه دوماً بكلمات مرادفة لكل كلمة إنجليزية يريد تعلُّمها. فثَمَّة كلمات تفتقر لمقابل من اللهجة المحكية، ككلمة (supervise) التي قد تُربط بـ (يُشرف على). ربما يعجز المتعلِّم أن يجد مرادفاً لتلك الكلمة من لهجته، حينها يتعيَّن عليه القيام بمهمة استباقية: عليه أن يقوم أولاً بتنشيط كلمة (يُشرف على) بوضعها في أمثلة عربية واقعية معاشة، فتنشط هذه الكلمة في لغته الأم أولاً، ومن ثمَّ تنشط كلمة (supervise) بالارتباط معها كنتيجة فرعية.
يبقى السؤال: هل الترجمة مفيدة في تعلُّم اللغة؟ نعم وإلى حدٍّ كبير، ولعلنا في المستقبل نستعرض الأدلة المؤكدة لذلك.


مقالات ذات صلة

يقول الممثل روبرت دي نيرو، إن فن التمثيل هو “ذلك العالم الذي يتيح لك أن تحيا حياة الآخرين، من دون أن تكون مضطراً لأن تدفع الثمن”. وبفعل عيش حياة الآخرين ودراسة شخصياتهم في العمق، تتكوَّن لدى بعض السينمائيين وجهات نظر وأفكار على مستوى من دقَّة الملاحظة والحِكْمة يرى البعض أنها ترتقي إلى مشارف الفلسفة.

رغم انتشار ترجمات معلّقات الشعر الجاهلي وشهرتها في الثقافات الغربية، واعتبارها مصدراً للشعر العربي والغربي، إلا أن هناك عدداً قليلاً من الترجمات الكاملة والمتسقة لهذه المعلَّقات، بل لا تخلو هذه الترجمات من بعض الملاحظات السلبية، كعدم تمكُّن المترجم من الوصول إلى معنى النص أو بقائه في حيز أكاديمي بحت.

يُفاجأ الذي يدلف إلى محترف الفنّان التشكيلي السّوري سعود العبدالله، في العاصمة الأردنية عمَّان حيث يقيم، بحجم تلك السّكينة التي تجلّل المكان. صالة واسعة بأثاث بسيط ومتناسق، طاولة ومزهريّة من الورد، عود يرتاح على أحد المقاعد، ومجموعة من اللوحات يطغى عليها موضوعان: الطبيعة الموشومة بالكثبان والعامرة بالحياة بكل ما فيها، والمرأة التي كان لها النصيب الأكبر من الحضور.


0 تعليقات على “المفردات النشطة والسلبية”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *