مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين

«المرشحة المثالية»
حول تطوُّر دور المرأة


خالد ربيع السيد

يقدِّم فِلم “المرشحة المثالية” للمخرجة السعودية هيفاء المنصور، صورة واقعية عما آل إليه وضع المرأة السعودية وحياتها اليومية، في ظل التحوُّلات الثقافية والاجتماعية التي أتاحت لها الانخراط في كافة ميادين العمل، ودعتها إلى أن تسهم بدورها في تحقيق التنمية المنشودة في كافة المجالات.

بدايةً، لم يغب عن مخرجة ومؤلفة قصة الفِلم إبراز التحوّلات التي حدثت في المجتمع السعودي، فعرضتها ضمن سياق قصة واقعية نشاهدها من خلال حبكة متوازنة تحتكم إلى المنطق بلغة السينما المعاصرة المجوّدة بكافة العناصر الأدائية للممثلين البارعين ميلا الزهراني ونورة العوض وخالد عبدالرحيم وضي الهلالي وراكان آل ساعد وشافي الحارثي؛ إضافة إلى العناصر التصويرية (مدير التصوير باتريك أورت) والمؤثرات الدرامية الصوتية، والمونتاج (أندرياس ودراستشك). فقد أتى كل ذلك ضمن سياق يرتقي إلى أعلى المستويات الفنية، وهذا ما أتاح للفِلم أن يخوض المنافسة على الجائزة الكبرى في مهرجان البندقية السينمائي في دورته السادسة والسبعين، واختياره كمرشح السعودية لأفضل فِلم بلغة أجنبية لجائزة الأوسكار، كما أنه كان أول فِلم سعودي يحصل على دعم من المجلس السعودي للأفلام، وذلك في عام 2019م.

سياق درامي واقعي
يروي الفِلم، في 104 دقائق، قصة “مريم” الطبيبة الشابة (تؤدِّي دورها الممثلة ميلا الزهراني) التي تعمل في مستشفى يقع في إحدى ضواحي مدينة الرياض، وهو الوحيد في تلك الناحية المزوّد بقسم طوارئ يُسعِف الحالات الحرجة التي ترد إليه من تلك الضاحية. وبالطبع، كثيراً ما يستقبل قسم الطوارئ هذا حالات مرضى أو مصابين من الرجال؛ وقد يصادف أن بعضهم لا يريدون أن تشرف على علاجهم طبيبة امرأة! فمفاهيم الذكورة ما زالت مسيطرة على أفكار البعض.
هذا العُرف أو السلوك الذكوري يأخذنا إلى الحدث الافتتاحي في الفِلم، فالدكتورة مريم تستقبل حالة مصاب (أبو موسى) في حادثة مرورية. وعندما تباشر بفحصه تسمع منه عبارات محبطة؛ فالمريض يرفض بتشنج وغضب أن تقوم بإسعافه طبيبة امرأة، يهتف: “لا تجيبوني لهذا المستشفى اللي فيه حريم، ما يفلح ناسٌ تولت أمرهم حرمة” وينهر الطبيبة “لا تعالجيني، لا تناظرين في عيني، ابعدها عني، جيب لي دكتور رجّال”.
بهذا الموقف يبدأ الفِلم أحداثه ويأخذ المشاهد إلى مسارات أخرى، وفق تصاعد درامي منطقي يمس حقيقة مرحلة التحوُّلات الاجتماعية الحاصلة.

أول فِلْم سعودي ينافس على جائزة أفضل فِلْم في مهرجان فينيسيا السينمائي كما شارك في منافسات أفضل فِلم في مهرجاني بلغراد ولندن.

واقع خاص يرمز إلى عام
يوضِّح البناء الدرامي الواقعي المحلي للقصة، الذي يحمل شيئاً من الرمزية ترمي للشأن العام، بأن الطريق المؤدية إلى المستشفى حيث تعمل مريم، غير معبَّدة. ومن الصعب إيصال المرضى إليها من دون عقبات. فمدخل المستشفى متَّسخ، لأنَّ الطين يصل إليه باستمرار من الطريق الترابية غير المكتملة، ويتفاقم الوضع بسبب انفجار أنبوب مياه فيزداد الأمر سوءاً… هذه العقبات تؤرِّق الدكتورة مريم، فتحاول إبلاغ المسؤولين عنها حتى يتدبروا حلولاً لها، ولكنها لا تجد من يسمع شكواها…
ويستمر سرد الفِلم، فتحاول مريم السفر إلى دبي لحضور مؤتمر طبي ولكن الإجراءات المتبعة تمنعها من السفر بسبب عدم وجود تصريح بالسفر، وبسبب عدم وجود محرم. فتسعى في مقابلة مدير المجلس البلدي لتحل هذا الإشكال، ويصادف أنه مشغول بمقابلة أصحاب الترشيحات للمجلس البلدي، ولا يقابل إلا من لديهم طلبات للترشيح؛ فتبادر على الفور في تقديم طلب للترشُّح، حتى تتمكن من مقابلته ومن ثم السفر، وفي ذهنها أن ذلك قد يساعدها في تعبيد الطريق المؤدية إلى العيادات. وهكذا تدخل الطبيبة إلى مسار لم تكن تخطط له وتخوض معركة صعبة في الانتخابات، حيث تُنافس شخصاً معروفاً سبق أن تولى المنصب وحقق إنجازات.
علاوة على ذلك فإنَّ ترشُّحها للانتخابات لا يتم التعامل معه بجدية. فيحاورها أحد المذيعين في مقابلة تلفزيونية عما يصفه بـ”موضوعات تثير اهتمامها كامرأة” مثل الحدائق وملاعب الأطفال، وكأن المرأة لا تستطيع أن تتعامل مع شؤون أهم من ذلك. فتقرِّر خوض المعركة وتصوِّر من أجل حملتها الانتخابية مقطع فيديو، يتم تداوله بسرعة، ولكنه يفشل في تحقيق الغاية المرجوة منه ويجلب لها مزيداً من السخرية.

عزيمة مريم وتلقيها الدعم
لو وقفنا على شخصية مريم؛ سنجد أنها تجمع كل الصفات التي لا يحبذها المجتمع الذكوري التقليدي في المرأة: فهي ابنة مغنية أعراس، ووالدها ما زال يعمل مغنياً، وهي طبيبة في مستشفى مختلط، ولا تجد حرجاً في تقديم العلاج للرجال، وتنافس الرجال في الانتخابات، وتقود سيارتها بنفسها، وتسافر من دون محرم وتتحدَّى مجتمعها.
ولكنها في المقابل تجد من يقدِّر دورها وشخصيتها، فهذا “عمر” (الممثل طارق الخالدي) الشاب الذي أحضر جده لقسم الطوارئ كي تنقذه مريم، يساندها ويقف معها. فقد جمع عمر الرجال في خيمة، لتتحدث إليهم المرشحة حول برنامجها الانتخابي.
كذلك لا يغفل الدعم الذي لاقته المرشحة الجديدة من شقيقاتها وبعض زميلاتها في العمل، ومشاعر القلق التي أبداها والدها تجاه ما تحمله ابنته من شغف حول مسألة تمكين المرأة وتعزيز دورها المدني المؤثر، مؤكداً أن والدتها لو كانت على قيد الحياة لسرَّها ذلك الإصرار الذي تتبعه ابنتها… هذا الوضع يدفع بمريم أن تقول في أحد المشاهد: “لم أعد أريد الترشح لأجل تعبيد الطريق، ولكن من أجل تغيير السلوكيات التي تستخف بكوني امرأة”.

مجتمع في مرحلة تحوُّل
كما يتبيَّن أن والد مريم فنان موسيقي ومطرب (الفنان خالد عبدالرحيم) مكتئب قليلاً بعد وفاة زوجته وتركها له ثلاث بنات في مرحلة الشباب. وعلى الرغم من أنه غير متحمّس لطموحات ابنته الطبيبة، لكنه يسمح لها بالمنافسة في الانتخابات، بل إنه يلوم نفسه لعدم وقوفه بجانبها بسبب انشغاله بفنه. ولكن لوم النفس هذا ينطوي على حقيقة شعوره وموقفه التقدُّمي ونظرته إلى مكانة المرأة ودورها في هذا الزمن.
إن مريم لم تتمرّد لمجرّد التمرّد، بل كانت تعلم أن عملها يمكن أن يساعد في جعل موطنها أفضل، لذا أرادت أن تتخلص من الحواجز التي تمنعها من إتمام مهمتها.
نهاية الفِلم لم تكن النهاية السعيدة بمعناها السطحي (أي فوز مريم في الانتخابات). نعم لم تفز، ولكن الحظ يبتسم لها. فقد أحدثت التغيير الذي ترغب فيه، تغيير فكر المواطنين ونظرتهم تجاه المرأة، وهو ما ظهر جلياً وواضحاً في بصمة الرجل المسن (أبو موسى)، الذي رفض مساعدتها في المشهد الأول، وتأكيده بأنه أعطى صوته لمريم في الانتخابات… مشهد نهائي بموسيقى تصويرية عذبة تحمل الأمل، ومريم تخرج من مقر عملها، تقود سيارتها على الطريق المعبد الجديد وتنطلق إلى حياة أرحب.


مقالات ذات صلة

عندما يجتمع حُبّ المغامرة ومحاولة تغيير نمط الحياة الروتيني والحظ الحسن، تتحقَّق تحوُّلات عديدة في حياة الإنسان. ويبدو أن هذا ما حصل للباحث الفرنسي تيري موجيه (1947 – 2017م)، الذي بدأ حياته مهندساً في مجال الحاسب الآلي، ثم انتهى باحثاً بارزاً في مجال الأنثروبولوجيا. فهو يُقر في كتبه التي ألَّفها عن الفنون وعلاقتها بالحياة الاجتماعية […]

عتيق رحيمي، روائي وسينمائي أفغاني، صاحب تجربة لعلاقته بأكثر من فن، وسعيه في تقديم رؤية للحياة عبر الكلمة والصورة الفوتوغرافية والفِلم السينمائي. وسبق أن عبّر رحيمي عن ذلك قبل عدَّة سنوات، عندما تحدث عن مشروعه المتضمِّن إنجاز رواية، يستتبعها بفِلم في العام الذي يليه، ومن ثم بمعرض صور فوتوغرافية في العام الثالث. ولد عتيق رحيمي […]

اللغة نظام تواصلي تقوم به الحياة الاجتماعية، ويسير مع الزمن، فيشتد ويلين، ويتسع ويضيق، ويعلو وينحدر، ويختلف باختلاف مستعمليه، فهو عند الكبير غيره عند الصغير، وعند المتعلِّم غيره عند الأمي.وهو نظام يتغيَّر من داخله ويبقى مبناه الخارجي، ويُقبل ذلك التغيُّر ما كان مستقيماً مع حيوية اللغة ومرونتها، متسقاً مع نظامها وقواعدها، فإذا خرج عن نظامها […]


0 تعليقات على “المرشحة المثالية”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *