مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مارس – أبريل | 2024

المحولات الضوئية الجزيئية

هل تُحدث ثورة في تخزين الطاقة الشمسية؟


أمجد قاسم

طوّر الإنسان العديد من الطرق لتخزين الطاقة الشمسية للاستفادة منها في الليل أو أثناء انحجاب الشمس بسبب الأحوال الجوية، أو حتى لتصدير الطاقة إلى الدول التي تعاني قلة سطوع الشمس فيها، ومن أهمها: التخزين في البطاريات، أو إنتاج الهيدروجين الأخضر، أو تحويلها إلى طاقة حرارية، أو تحويلها إلى طاقة كامنة بضخ المياه.

التخزين في البطاريات

يُعد التخزين في البطاريات إحدى أكثر الطرق انتشارًا وتنوعًا لتخزين الطاقة الشمسية، بعد أن يتم تحويلها إلى تيار كهربائي؛ إذ تخزّن البطاريات القابلة لإعادة الشحن، التي تتميز بسعاتها التخزينية العالية مثل بطاريات الليثيوم أيون، الكهرباء الزائدة الناتجة من الألواح الشمسية خلال فترات السطوع الشمسي العالي.

ويعتبر حاليًا تخزين البطاريات أمرًا شائعًا ومهمًا، وبخاصة في المساكن المجهزة بأنظمة للألواح الشمسية؛ إذ توفر تلك البطاريات لأصحاب تلك المنازل القدرة على تخزين الطاقة الفائضة لاستخدامها خلال الليل أو في الأيام الغائمة.

إن التقدم الذي تحقق في تكنولوجيا بطاريات التخزين، وما واكبه من انخفاض نسبي في أسعارها، جعل من تخزين الطاقة الشمسية في البطاريات حلًا أكثر قابلية للتطبيق والانتشار، لكن للبطاريات محدوديتها ومخاطرها.

إنتاج الهيدروجين الأخضر

يحظى إنتاج الهيدروجين الأخضر حاليًا باهتمام متزايد. إذ يتميز الهيدروجين بكونه ناقل طاقة متعدد الاستخدامات ويمكن نقله من خلال تحويله إلى أمونيا سائلة، ما يسمح بتطبيقات كثيرة داخل الشبكة الكهربائية وخارجها. وهو حل محتمل لتخزين الطاقة الشمسية على المدى الطويل.

ويعتمد إنتاج الهيدروجين الأخضر في إحدى صوره على عملية التحليل الكهربائي للماء إلى الهيدروجين والأوكسجين باستخدام التيار الكهربائي الذي يجري توليده من الألواح الشمسية، أو من أي مصدر للطاقة المتجددة. وفي هذه الطريقة تُستخدم الكهرباء الشمسية الزائدة لإجراء عملية التحليل الكهربائي للماء لإنتاج غاز الهيدروجين، الذي يمكن استخدامه لاحقًا في خلايا الوقود ولتوليد الكهرباء، كما يمكن تصديره للدول التي تعاني نقصًا في إمدادات الطاقة.

تخزين الطاقة الحرارية

يعتبر تخزين الطاقة الشمسية بوصفها طاقة حرارية أسلوبًا فريدًا، ويُستخدم بشكل أساس في أنظمة الطاقة الشمسية المركّزة. ففي هذا النظام، تعمل مئات المرايا الموجودة في صفوف دائرية على تركيز ضوء الشمس على جهاز استقبال، ما يؤدي إلى توليد حرارة عالية جدًا، تُستخدم لإنتاج البخار وتشغيل توربينات توليد الكهرباء.

وفي هذا النظام، يمكن تخزين الطاقة الحرارية الفائضة خلال فترات سطوع الشمس لصهر بعض الأملاح أو غيرها من المواد الممتصة للحرارة. وتُخزن الأملاح الذائبة في أوعية معزولة حراريًا لحين الحاجة إليها؛ إذ يمكن بعد ذلك استخدام هذه الطاقة الحرارية المخزنة، لتوليد الكهرباء خلال فترات الليل أو عند انخفاض سطوع ضوء الشمس.

التخزين بضخ المياه

على الرغم من بساطة هذه الطريقة، فإنها تعتبر طريقة فعالة للاستفادة من الطاقة المولّدة من الشمس والفائضة عن الحاجة. وتعتمد هذه الطريقة استخدام الكهرباء الشمسية الزائدة لضخ المياه من خزان سفلي إلى خزان علوي خلال فترات سطوع الشمس العالي. وعندما يزداد الطلب على الكهرباء أو عندما تكون أشعة الشمس محدودة، تُطلَق المياه المخزنة من الخزان العلوي إلى الخزان السفلي، حيث تمر المياه عبر توربينات لتوليد الطاقة الكهربائية. وهنا يعمل التخزين المائي كشكل من أشكال بطارية الجاذبية، وهذا يوفر حلًا موثوقًا لتخزين الطاقة الشمسية، وبذلك يسهم في استقرار البنية التحتية لشبكات توليد الكهرباء من الشمس.

مسار جديد للطاقة

إن التطورات المستمرة في تقنيات تخزين الطاقة والأبحاث التي يجريها العلماء حاليًا، بالإضافة إلى زيادة الطلب العالمي وزيادة الاستثمارات والدراسات، أدّت إلى تطوير حلول جديدة لتخزين الطاقة الشمسية، تعتمد على تخزين الطاقة الشمسية في مواد حساسة للضوء، ثم إطلاقها بحسب الحاجة.

وتُعرف هذه المواد الحساسة للضوء باسم “المحولات الضوئية”، وهي تحظى حاليًا باهتمام كبير مدعومًا من الاتحاد الأوروبي ضمن ما يُعرف بنظام تخزين الطاقة الحرارية الشمسية الجزيئية (Molecular Solar Thermal Energy Storage)، بحيث يمكن تخزين الطاقة الشمسية في درجة حرارة الغرفة من دون انبعاثات غازية.

ما هي المحولات الضوئية؟

 تعتبر المحولات الضوئية من أحدث الطرق التي يجري تطويرها حاليًا لتخزين الطاقة الشمسية. وهي عبارة عن جزيئات كيميائية تتبدل بين شكلين متميزين أو أكثر عند التعرض للضوء، وهذا التبدل يكون قابلًا للعكس، ويحدث بواسطة أطوال موجية محددة من الضوء.

لقد حددت عدة دراسات حديثة، أهم تلك المحولات الضوئية الجزيئية التي يمكنها تخزين الطاقة الشمسية. وباستخدام الحوسبة الكمومية، استطاع الباحثون العثور على جزيئات ملائمة لهذه التكنولوجيا. وهذا يمثل خطوة مهمة في استخدام المحولات الضوئية.

لقد درس الباحثون ضمن نظام (MOST) عددًا كبيرًا من المركّبات الكيميائية بلغ أكثر من 466,000 مركّب. وهي جزيئات عضوية ومركّبات معدنية عضوية، من أبرزها مركّبات الدَيين ثنائية الحلقة (نوع من الهيدروكربونات تحتوي على رابطين مزدوجين). إذ أجرى فريق بحث من جامعة كوبنهاغن في الدانمارك بقيادة كيرت ميكلسن، وفريق آخر من جامعة التقنية في كاتالونيا بإسبانيا بقيادة كاسبر موث بولسن، اختبار المحولات الضوئية الملائمة أكثر من غيرها لهذه المهمة. ثم درسوا عددًا كبيرًا من الجزيئات ثنائية الحلقة التي تتحول إلى حالة طاقة عالية عند سقوط الضوء عليها.

ويبلغ عدد مركّبات الدَيين ثنائية الحلقة 466,282 مركّبًا، حيث استطاع الباحثون في نظام (MOST) من فحصها لمعرفة أنماط استبدالها عند تعرضها للضوء، ولمعرفة قابليتها للتطبيق، آخذين الجدوى الاقتصادية بعين الاعتبار.

المحولات الضوئية من أحدث الطرق الجاري تطويرها لتخزين الطاقة الشمسية، وتُظهر إمكانات تعد بتفوقها على بعض وسائل التخزين الحالية.

ولم تكن مهمة فريق البحث سهلة نظرًا للعدد الكبير من المركّبات التي يجب فحصها؛ لأنها تتطلب جمع كثير من البيانات والتجارب العلمية. لذلك طوّر فريق العمل خوارزمية خاصة لتقييم تلك الجزيئات ولبناء قاعدة بيانات، ولإدخال تعديلات في البناء الجزيئي لإيجاد جزيئات جديدة ذات تخزين طاقة أكبر، كما هو الحال في نظام نوربورنادين كوادريسيكلان (Norbornadiene quadricyclane، نوع من الهيدروكربونات)، حيث أُجري تغيير هيكلي بين حلقتي الكربون في الجزيء ثنائي الحلقة.

البطارية الحرارية الشمسية

تعمل المحولات الضوئية على تحويل ضوء الشمس إلى هيئة طاقة كيميائية كامنة تُخزّن فيها الحرارة، في عملية مغلقة ديناميكيًا. بمعنى آخر، تعمل المحولات الضوئية كبطارية تلتقط الطاقة الشمسية، وتخزنها فيها وتطلقها عند الطلب على شكل طاقة حرارية. وتُعرف هذه العملية بتخزين الطاقة الحرارية الشمسية الجزيئية، أو البطارية الحرارية الشمسية الجزيئية.

ترتكز عملية تخزين الطاقة الشمسية على مبدأ تخزين طاقة الفوتون في مركّبات المحولات الضوئية ضمن عملية كيميائية تُعرف باسم الأيزومرية الضوئية (تحويل الجزيء إلى جزيء آخر مع الاحتفاظ بعدد الذرات فيه بواسطة الضوء)، ثم يجري إطلاق الحرارة أثناء الأيزومرية العكسية الناتجة عن التنشيط الحراري، أو عملية الأكسدة والاختزال، أو بواسطة أحد المحفزات.

بمعنى آخر، إذا كان الأيزومر (الأيزومرات هي جزيئات لها نفس الصيغة الكيميائية لكنها تختلف بترتيب مجموعات الذرات داخلها) شبه المستقر خاملًا بدرجة كافية في درجة حرارة الغرفة؛ فإن تحويله ضوئيًا يوفر وسيلة لتخزين الطاقة الشمسية، وهذه الطاقة المخزنة تُستعاد عن طريق تحفيز التحويل الحراري الخلفي الذي يطلق الطاقة الحرارية للأيزومر شبه المستقر ويتحول إلى أيزومر مستقر.

وعلى النقيض من التخزين الحراري الشمسي التقليدي، الذي يُستخدم فيه ضوء الشمس لتسخين الماء أو بعض المواد أو الأملاح لإذابتها، فإن تخزين الطاقة الحرارية الشمسية الجزيئية لا يتطلب عزلًا حراريًا لمنع التفريغ الحراري.

أمَّا ما يتعلق بمدة تخزين الطاقة، فإنها تتفاوت من محول إلى آخر. فبعضها يبلغ نحو 4 أيام فقط، مما يحد من وقت تخزين الطاقة. بينما مشتقات الأريلازوهيتروارين (Arylazoheteroarene) مثلًا، فهي تزيد على ألف يوم، وهذا يتيح تخزين طاقة مدةً زمنية طويلة نسبيًا.

إنجازات مهمة

أتاحت هذه التطورات الحديثة، التي تحققت في مجال تصميم المحولات الضوئية الجزيئية، إمكانية تخزين الطاقة الشمسية ضمن المركّبات الأيزومرية. وقد بلغت ذروتها في كثافة تخزين الطاقة الحرارية الشمسية الجزيئية نحو 0.3 ميجا جول لكل كيلوغرام مع إمكانية إطلاق تلك الطاقة الحرارية عند الحاجة.

وفي الواقع هناك عدة عوامل تحتاج إلى التحسين عند تصميم نظام (MOST) من أهمها: كثافة تخزين الطاقة، وتطابق الطيف الشمسي؛ أي قدرة الجزيء الكيميائي على امتصاص جزء كبير من الطيف الشمسي، والإنتاج الكمي للتحويل الضوئي، وكفاءة عملية التحويل الخلفي، التي هي عملية استعادة الطاقة المخزنة في تلك المحولات الضوئية.

إن نجاح تكنولوجيا تخزين الطاقة الحرارية الجزيئية في المحولات الضوئية، مرتبط بمدى النجاح الذي سوف يتحقق خلال السنوات القليلة المقبلة في مجال تطوير محولات طاقة مثالية، تستطيع أن تتفوق على الطرق التقليدية الموجودة حاليًا. وقد استطاع الباحثون خلال العقد الحالي، جمع مجموعة كبيرة من الملاحظات التجريبية التي سوف توفر العديد من نقاط البداية ذات القيمة المحتملة لمثل هذه الأبحاث المهمة في مجال تخزين الطاقة الشمسية، والآفاق الواعدة لهذه التكنولوجيا في مجتمعات المستقبل.


مقالات ذات صلة

الدراسات التي تتناول الإنسان القديم، وما طرأ عليه عبر التاريخ من تغيّرات جسدية وسلوكية ونفسية، كانت تتعثر نظرًا لصعوبة توثيق السمات المتعلقة بأفراد الحضارات السابقة وشعوبها وأنشطتها المختلفة بالطرق التقليدية. ولكن وسائل الذكاء الاصطناعي المتعددة أسهمت في إعادة النظر في كثير من الأبحاث التاريخية المعنية بدراسة الحضارات السابقة؛ بغية التعرُّف على عادات شعوبها، ووسائل معيشتهم، وطرق تفكيرهم، ومناهج إدارتهم لأمورهم المعاشية، إضافة إلى الكشف عن الاتجاهات النفسية التي سادت في تلك الحقب الماضية. وقد حُدَّ من سيل التكهنات والتخمين والتصور الخاطئ، الذي كان يرافق فيما مضى تدوين التاريخ القديم.

لم يكن العالم صاخبًا كما هو الآن. كانت الأصوات الاصطناعية، التي يحدثها البشر عبر التاريخ مقصورة على بعض الآلات الموسيقية والطبول والأبواق وغير ذلك من الأدوات، التي كانت تُستخدم في مناسبات محددة. لكن عالمنا يشهد اليوم مجموعة كبيرة من أصوات الآلات والمركبات، والأجهزة التي تنقل الأصوات عبر الأثير من كل زاوية في الكرة الأرضية، حتى إنها طغت على الطبيعة نفسها وحاصرت البشر من كل صوب. وإن كان كل هذا قد بدأ مع الثورة الصناعية وتطور التكنولوجيا، فإننا نعوّل اليوم على هذه التكنولوجيا نفسها لحماية البشر والطبيعة من أضرار التلوث الضوضائي.

لأن الممارسات الزراعية الحديثة بعد الثورة الصناعية قد أثرت سلبًا في البيئة، وتسببت في تآكل التربة ومشكلات بيئية عديدة، ظهرت الزراعة العضوية في النصف الأول من القرن العشرين بديلًا للزراعة الرائجة، بهدف إيجاد بدائل مستدامة لاستخدام المبيدات الكيميائية والأسمدة الصناعية والحرث العميق. بمعنى آخر، الزراعة العضوية هي نموذج متطور للنشاط الزراعي يُسهم في الحفاظ على التوازن البيئي. ومن أهم الأهداف التي تسعى إليها الزراعة العضوية، الحفاظ على سلامة التربة وحيويتها.


0 تعليقات على “المحولات الضوئية الجزيئية”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *