مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
سبتمبر – أكتوبر | 2020

اللغة العربية رافداً اقتصادياً.. فرصة من ذهب


د. بندر الغميز
أستاذ اللغويات التطبيقية المساعد بجامعة الملك سعود

قبل أيام وعلى كنبة مريحة جداً في معهدٍ لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها في إحدى الجامعات السعودية؛ ناولني أحد الموظفين كأس شاي “خادر”، شكرته ثم أطرقت متأملاً شكل المبنى الجميل الذي يصلح لأن يكون أي شيء إلا مكاناً لتعليم اللغة!
لا مكانَ للتفاعل ولا فناءَ للتعارف ولا فصولاً مفتوحة ولا قبولاً فورياً ولا أحدَ في المساء. كل ما يمكن أن تشاهدهُ هناك قاعات محصَّنة وطلاب مِنَح من جنسيات معيَّنة غلب عليهم الفقر أو حُب الإسلام فأتوا للتعلُّم والإفادة من التسهيلات المادية المقدَّمة لهم من السعودية.
لا يمكن لمجحف فضلاً عن منصف إغفال دور المملكة في دعم العربية وتعليمها، حتى إن اهتمامها سبق توحيد الكيان السياسي للمملكة. إذ تُظهر بعض النصوص النظامية التي وجهت بالاهتمام بالعربية عام 1346هـ، وذلك باعتبارها لغة رسمية للحكومة الحجازية النجدية إلى أن جاءت المادة الأولى من النظام الأساسي للحكم معزِّزة وداعمة لذلك بشكل صريح “المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية دستورها كتاب الله وسُنَّة رسوله ولغتها اللغة العربية وعاصمتها الرياض”.
وفي تعزيز مكانتها دولياً ونشرها لغةً أجنبية نجد السعودية صرفت عشرات الملايين لنشرها في الخارج، بإنشاء معاهد العلوم الإسلامية والعربية في موريتانيا 1399هـ، وفي إندونيسيا وجيبوتي عام 1401هـ، وفي طوكيو عام 1402هـ، وأخيراً في واشنطن عام 1410هـ، إلا أن هناك مشكلة جوهرية تكمن في الصرف على العربية بدلاً من الاستثمار فيها.
تشير الدراسات الإحصائية حسب الجمعية الأمريكية للغات بأن الإقبال على العربية زاد %126 في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها بين عامي 2002 و2009م. كما تشير دراسات نشرتها اليونيسكو إلى أن الدارسين للعربية لغةً ثانية على حسابهم الخاص في معاهد الأردن قد بلغ %83، وهذا ليس مفاجئاً للباحثين في مجال اللغويات السياسية كون العربية لغةً لا تحتاج لجهد كبير في تسويقها.
لا شك في أن العربية مستهلكة للعلوم مقارنة بغيرها من اللغات ذات الإنتاج العلمي والمعرفي العالي كالإنجليزية والألمانية والفرنسية، إلا أنه كان من حُسن حظ العربية لغةً أن ارتبطت بمشاعر ما يقارب المليار ونصف المليار مسلم على هذه المعمورة، كثيرٌ منهم يضع تعلُّمها ضمن اهتماماته أو أمنياته على الأقل، كما أنها لغةٌ رسمية لاثنتين وعشرين دولة مما يجعلها حاضرة بشكل لافت في التعاملات الدبلوماسية بين الوزراء والسفراء والملاحق العسكريين والثقافيين بخلاف اللغة الإندونيسية والهندية مثلاً، التي يتحدَّثها مئات الملايين إلا أنها لا تمثل لغة رسمية إلا لدولة واحدة أو دولتين.
هذه الحقائق قادرة على أن تجعل تعليم العربية ملفاً استثمارياً ورافداً اقتصادياً، بل قوةً ناعمةً لصناعة الصورة الإيجابية للمملكة العربية السعودية دولياً. وهذا المنظور الاستثماري في تعليم اللغة يُعد من المجالات البينية الحديثة الناتجة عن دراسة القضايا اللغوية من منظور اقتصادي يعرف بـ “اقتصاديات اللغة”. لذلك نرى الصين مستمرةً في إنشاء سلسلة معاهدها “كونفوشيوس” التي وصلت إلى خمسة وسبعين معهداً في الولايات المتحدة الأمريكية، وما يزيد على مئة معهد حول العالم، مما أثار حفيظة وزير الخارجية الأمريكي الشهر الماضي وعلَّق على ذلك بقوله: على الأمريكيين أن يعوا أن “كونفوشيوس” تنشر ثقافة الصين عبر الصينية.
وحسب المجلس الثقافي البريطاني فإن تعليم الإنجليزية داخل بريطانيا يسهم في تعزيز اقتصادها بما يتجاوز ملياري جنيه سنوياً، كما أنه وفر أكثر من 26 ألف وظيفة. والإحصاءات لحجم الاستثمار اللغوي خارج بريطانيا تتفاوت من سنة لأخرى إلا أن المدير التنفيذي للمجلس الثقافي البريطاني إدي بايرز يرى أن استثمار تعليم الإنجليزية في الخارج لا يحسب على المستوى المالي فحسب بل على المستوى السياسي أيضاً؛ فهي تسوِّق للثقافة البريطانية وتحسِّن صورة الإنسان البريطاني وتجذب السياح عبر المناهج والسلاسل التعليمية.
وفي لحظة تأملي لحال المعاهد لدينا، سرحت أحلم بسلسلة معاهد سعودية تُعلِّم العربية للناطقين بغيرها بمناهج حديثة تسهم في صناعة الصورة الإيجابية لوطننا الغالي، كما تعزِّز من مكانة الفصحى قراءةً وكتابةً، وتسوِّق لثقافتنا عبر تعليم اللهجة السعودية، معاهد لا تعرف البيروقراطية ولا الشروط المعقَّدة، فالجميع يمكنه التسجيل فيها من الداخل والخارج، وتعمل في النهار والمساء، والمباني ضاحكة مرحّبة بشكلها الزجاجي الحديث وفنائها التفاعلي، كما تعقد الدورات التأهيلية لتعليم العربية لغةً أجنبية لمئات السعوديين والسعوديات.
هنا تحديداً سمعت صوتاً كسر الهدوء في المبنى، إنه صوت أذان العصر، والتفتُّ حيث لا أحد في المبنى سوى بندر وكأس شاي بارد.


مقالات ذات صلة

في عام 1369هـ/1950م اكتملت خمسون سنة قمرية على استعادة الملك عبدالعزيز للرياض، وكان من المقرَّر أن تحتفل المملكة بهذه المناسبة، لكن وفاة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن قبل أسبوعين من تاريخ الذكرى الذهبية، وتحديداً ليلة الإثنين 25 رمضان 1369هـ/10 يوليو 1950م، أدَّت إلى إلغاء الاحتفال.وفي اليوم الوطني السعودي التسعين، نعود بالذاكرة إلى سيرة الأميرة نورة بنت […]

تشهد المملكة في الفترة الحالية حراكاً ثقافياً كبيراً يترافق مع حركة تغيير وإصلاح، وورشة من التجريب المستمر. وإلى أن تصل المملكة إلى العام 2030، سيكون هنالك كثير من الخطط الثقافية التي ستخرجُ من الأدراج، سينجحُ بعضها، وستضمرُ أخرى؛ ولكن الأهم أن يكون المثقف في صلبها، والمجتمع مختبرها الحقيقي، والفرد السعودي غايتها الأولى، لأنه لبنة التغيير […]

احترفت أزهار الصادق فن الخط العربي بعد مسيرة بدأت وهي طفلة في المرحلة الابتدائية في قريتها الصغيرة سنابس في محافظة القطيف، وتوَّجتها بالدراسة على أيدي أساتذة فن الخط، فنجحت في أن تكون من السيِّدات الرائدات في هذا المجال الفني الذي كان ولا يزال يهيمن عليه الخطاطون من الرجال. وأوصلها إخلاصها لهذا الفن وإبداعها فيه إلى […]


0 تعليقات على “اللغة العربية رافداً اقتصادياً..”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *