مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو – يونيو | 2021

الكتابة اليدوية في مهب العاصفة الرقمية


قد يكون من المبكِّر القول إن لوحات المفاتيح في الأجهزة الرقمية قد قضت على الكتابة اليدوية. ولكن المؤكد هو أن الكتابة باليد، وهي واحدة من أعرق المهارات الإنسانية وواحدة من أعمدة الحضارات لأكثر من خمسة آلاف سنة، باتت مهدّدة. أو لنقل إن الاعتماد عليها من بين وسائط الكتابة، وكذلك الاهتمام بتنمية هذه المهارة يشهدان تراجعاً كبيراً مثيراً للقلق على مصيرها.

فهل ستتطوَّر الأمور وفق المنحى الذي تسلكه الكتابة اليدوية حالياً، إلى أن يُقضى عليها نهائياً كما ترى بعض التوقعات المتطرفة في تشاؤمها؟ وهل سيكون ذلك تطوُّراً طبيعياً أم سيشكِّل خسارة حضارية وإنسانية لا تُعوّض؟ أم أن عاصفة الكتابة الرقمية ستهدأ بمرور الوقت وتستعيد الكتابة اليدوية ما تستحقه من عناية، وخاصة في مرحلة تعليمها لصغار السن؟

القافلة حملت هذه القضية إلى ثلاثة اختصاصيين في الشأن التربوي، فتناولت الزميلة مهى قمر الدين أهمية الكتابة اليدوية بشكل عام، وركّزت الدكتورة هدى صباح على المفاعيل التربوية والنفسية الإيجابية للكتابة اليدوية، كما أجاب المشرف على مؤسسة الطفل القارئ فيصل سعيد بن سلمان على بعض الأسئلة حول واقع الحال عربياً.


قمر الدين: “للكتابة اليدوية
لغتها الخاصة.. وثمَّة مساعٍ عالمية
لإنقاذها من التدهور“

منذ أن بدأت الكتابة في بلاد ما بين النهرين في الألفية الرابعة قبل الميلاد، مرَّت بتغيُّرات تقنية عديدة، وتنوَّعت الأدوات والوسائط المستخدمة فيها، من المسمار والطين في الألواح السومرية في بلاد الرافدين، إلى الرسم في الهيروغليفية الفرعونية، ثم الأبجدية الفينيقية التي ظهرت في الألفية الأولى قبل الميلاد، ومن اختراع الورق في الصين بعد حوالي ألف عام، إلى أوَّل مجلَّدٍ مخطوط بخطِّ اليد حُزمت أوراقه وجُمعت مع بعضها لتشكِّل كتاباً واحداً، وصولاً إلى اختراع الطباعة في القرن الخامس عشر، وظهور أقلام الحبر في الأربعينيات من القرن العشرين.
 
للوهلة الأولى، قد تبدو “المعركة” القائمة اليوم بين لوحة المفاتيح الرقمية والأقلام، ليست أكثر من تطوّرٍ في قصّةٍ طويلة، تشكّل اللّوحات الرقمية فيها أداة جديدة أخرى، سننتهي بالتعوّد عليها واعتمادها بشكلٍ دائم. 

أهميتها المستقلة عن مضمون النص
يقال لنا إن جودة النصّ ومحتواه وما يتضمّنه من أفكار هي الأهمّ. ولكن يُقال أيضاً أن للكتابة اليدوية لغتها الخاصّة التي تعكس شخصية الكاتب وسلوكه ومزاجه، وهي تشبه بصمة الإصبع الخاصّة بكلّ فرد. من هنا جاء الاهتمام بدراسة الكتابة اليدوية أو ما يُسمّى بـ “تفسير الخط”، الذي يهتمّ بتحليل خطّ اليد وطريقة كتابة الحروف. فمثلاً، إذا كانت الحروف مائلة نحو اليسار، فهذا يعني أن الشخص لا يُعبِّر عن مشاعره بشكل جيّد، وإذا كانت مائلة إلى اليمين فيكون أكثر انفتاحاً وقدرةً على التعبير عن مكنوناته، أما إذا كانت الأحرف مستقيمة ولا تميل يُمنةً أو يسرة، فهذا يعني أنّ الشخص يفكّر بقلبه وعقله معاً، أي إنه يستخدم عواطفه إلى جانب المنطق لفهم موقفٍ معيّن. 

من ناحية أخرى، يُعدُّ التوقيع الشخصي مسألةً جوهرية في الكتابة اليدوية، إذ تعتقد إيلين نيس، المتخصِّصة في تحليل الخطوط اليدوية، أن التوقيع يعكس مهارات الاتصال لدى الأفراد، فإذا كان التوقيع سهلاً ومقروءاً فهذا يعني أنّ الشخص يعبّر عما يريده بارتياح، بينما يشير التوقيع غير المقروء إلى أن صاحب التوقيع يرغب في إخفاء شخصيته. وبينما كان تفسير الخط مادةً درامية في الدعاوى القضائية طيلة السنوات الماضية، وكانت المحاكم الغربية تستعين بخبراء تحليلٍ للخطوط لكشف جرائم معيّنة، تراجع الاهتمام بهذه المسألة اليوم، بل صار يُعتبر علماً زائفاً.

قد تبدو المعركة القائمة اليوم بين لوحة المفاتيح الرقمية والأقلام، ليست أكثـر مـن تطـوّرٍ في قصّةٍ طويلة، تشكِّل اللوحات الرقمية فيها أداة جديدة أخرى، سننتهي بالتعوُّد عليها واعتمادها بشكلٍ دائم.

ربما أن الكتابة اليدوية تعكس الهوّية الشخصية للفرد، وقد تكون الكتابة بواسطة الورقة والقلم عملية موحية بالنسبة للكُتّاب والشعراء. ومن المرجح أنه السبب في حرصهم على البقاء أوفياء للكتابة بخطّ اليد.

وللكتابة اليدوية قيمة كبرى، وخصوصاً عندما يتعلّق الأمر بكبار الكُتّاب وبالأعمال الأدبية المهمّة. وربما لهذا السبب بيعت مجموعة الدفاتر التي كان صموئيل بيكيت يكتب عليها روايته الأولى “مورفي” في العام 1935م، بحوالي مليون جنيه إسترليني، وقد امتلأت هذه الدفاتر بتفاصيل الرواية كلّها وما تمّ حذفه وإضافته بين السطور، وكلّ أفكاره المتدفّقة التي كان يخطّها بالقلم. 

أما كتابة الرسائل فلها قصّة أخرى. فهي تعكس شخصية كاتبها، أكثر من أي نصّ مكتوب على الآلات الرقمية، من خلال الكلمات المدوّنة فيها وشكل الرسالة وغلافها وطريقة التوقيع عليها، كما تقدّم لنا صورةً واضحةً عن مشاعر الكاتب وأساليب مخاطباته الخاصة، فضلاً عن المعلومات التي لا توفرها أي وسيلة كتابية أخرى.

في هذا الصدد، يمكن الإشارة على سبيل المثال إلى آخر رسالة كتبتها البريطانية آن برونتي في العام 1849م إلى صديق عائلتها، وقد أصبحت معروفة بـ “الرسالة المتقاطعة”. وكانت تحتوي على نصّ دقيق يترك فراغاً متساوياً بين كل كلمة، وعندما تمتلئ الصفحة كلّها، كانت برونتي تعمد إلى ملء الزوايا القائمة فيها بأسطرٍ جديدة داخل الفراغ الأيسر، لأنها أرادت توفير الورق الذي كانت تكلفته باهظةً في بدايات النظام البريدي في القرن التاسع عشر.

يوم عالمي للكتابة بخط اليد
ومبادرات لإنقاذ هذه المهارة

واليوم، وبعد أن أصبحت النصوص المكتوبة، سواء أكانت رسائل بريدية إلكترونية، أو نصوصاً أدبية أو أشعاراً أو مذكَّرات أو غيرها، تتميَّز بالطريقة غير الشخصية في كتابتها. وكي لا نتحوَّل إلى روبوتات تكتب بالحروف المطبوعة الخالية من الروح، ظهرت مبادرات عدّة من أجل إعادة إحياء الكتابة بخط اليد، قد يكون أبرزها تعيين يوم عالمي للكتابة بخط اليد في 23 يناير من كل عام، إلى جانب مبادرات أخرى مثل تنظيم دورات تدريبية في بعض الجامعات والمراكز الثقافية، لتشجيع التواصل عبر الكتابة بخطّ اليد. 

استقطبت هذه المبادرات اهتماماً واسعاً، مثل دورة “سْلِب آند سكريبت” (Sip & Script) التي ينظِّمها مركز تابع لجامعة هارفرد الأمريكية، وتأسيس ما يُعرف بـ “اتحاد كتَّاب الرسائل” في الولايات المتّحدة الأمريكية، الذي أصبح اليوم يضمّ حوالي 15 ألف منتسب، فضلاً عن تنظيم لقاءات شهرية في بعض المقاهي حول العالَم، حيث تُوَفَّر القرطاسية للزبائن كي يجلسوا ويكتبوا الرسائل إلى من يرغبون، ومن ثم إرسالها بواسطة خدمة بريدية متوفرة في المقاهي نفسها. كما ظهرت مواقع إلكترونية متخصّصة وتهدف إلى تعزيز مهارة الكتابة اليدوية مثل موقع “Handwritten” الذي يعرض نماذج لنصوص فريدةٍ مكتوبةٍ بخطّ اليد، وينظّم لقاءات مع شعراء وكتّاب يناقشون موضوعات تتناول الكتابة اليدوية وأهمّيتها.

أخيراً، ولأنّ التحدّيات نفسها قائمة بالنسبة للكتابة العربية، بعد أن أصبح النظام التعليمي يعتمد أكثر على التعليم الإلكتروني، وخصوصاً بعد جائحة كورونا، يمكن استلهام بعض الأفكار من تلك المبادرات التي تزدهر أكثر في المشهد الثقافي العالَمي، علّنا نستطيع المحافظة على الكتابة اليدوية في الخطّ العربي الذي يتميّز بجمالية حروفه وأناقتها.


د. صباح: “المهارات اليدوية
على المحك وأهميتها للطفل
تستوجب إنقاذها وتعزيزها“

يؤكّد المتخصّصون في مجالَي التربية وعِلم النفس، على أهمّية التعليم الرقمي ودوره في مساعدة الأطفال على كتابة موضوعات مطوّلة، بسرعة وجهدٍ أقلّ. وفي المقابل، فإنّ الاعتماد التامّ على الإنترنت يُضعف المهارات الأساسية لدى الأطفال، ويحدّ من قدرتهم على الكتابة. من هنا ينبغي العمل على تحقيق التوازن المطلوب بين التعليم الرقمي والتعليم اليدوي، وخصوصاً أن معظم الواجبات المدرسية وتدوين الملاحظات لا تزال كلّها بخطّ اليد، ما يؤكّد الحاجة إلى التعليم اليدوي، وضرورة تشجيع الأطفال على الكتابة بأيديهم، وعلى الرغم من أنها عملية مُجهدة، فإنها تبقى ضرورية للمحافظة على مهارات الأيدي ووظائفها. 

وفي السياق نفسه، خلصت الدراسات الحديثة في مجالَي العلوم والتكنولوجيا وعِلم النفس التربوي، إلى أن الطريقة التقليدية في الكتابة بخط اليد، تساعد بشكلٍ ملحوظ على تذكُّر المعلومات، وتُسهم في رفع معدلات الذكاء لدى الأطفال على نحو أفضل من استخدام لوحة الكمبيوتر، وهذا ما أكدته نتائج دراسة أجراها علماء من الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا أجراها علماء من الجامعة النرويجية للعلوم ونُشرت في شهر أكتوبر 2020م في مجلة “آفاق عِلم النفس” (Journal Frontiers in Psychology). 

بناءً عليه، أوصى الباحثون بضرورة توافر الحدّ الأدنى من الكتابة بخطّ اليدّ في التوصيات العالَمية لطرق التعليم، وخصوصاً مع التحوّل الرقمي في دولٍ عدّة. واعتمدت الدراسات الموصية بذلك على فحص نشاط الدماغ لدى مجموعتين من الأطفال، إحداهما تجيب عن الأسئلة بخطّ اليد، والثانية عبر لوحة الكمبيوتر، مع قياس نشاط موجات الدماغ لدى المجموعتين، عبر استخدام جهازٍ خاصّ. وقد أظهرت نتائج الدراستين تحسُّن نشاط الدماغ في حالة الإجابة عن طريق الكتابة باليد، بشكلٍ أفضل من استخدام لوحة الكمبيوتر. وثبُت أنّ التدوين عن طريق القلم والورقة، يزيد من قدرة الطفل على تذكّر المعلومات، وسماع وقع القلم على الورقة، إذ تعمل الكتابة اليدوية على استثارة أحاسيسٍ مختلفة تتّصل بالجهاز الحركي في الوقت نفسه.

خطّ اليد بداية التعلّم 
والتركيز والتذكّر

بناءً على هذه النتائج، شدّد الباحثون على أهمية الكتابة اليدوية كخطوة تمهيدية للتعلّم. فهي تعدّ من العوامل المهمّة في تنمية مهارات عدّة، ومنها: التنبيه، والتركيز، وتحفيز الذاكرة، وتنظيم الأفكار بشكلٍ منهجي، فضلاً عن استثارة المراكز الذهنية، وتطوير القدرات المعرفية لدى الأطفال. فالكلمات التي يكتبها الطفل بخطّ يده، غالباً ما يتقن تهجئتها بطريقةٍ أفضل من تلك التي يتعلّمها عبر استخدام الكمبيوتر، كما تساعده الكتابة اليدوية على تذكّر الحروف والرموز وتخيّلها بطريقةٍ أفضل، وتمكّنه من تقييم البيانات ومعالجتها وتنظيمها أيضاً، مما يجعل تثبيت الأفكار والمفاهيم في ذاكرته أجدى.

كما يؤكِّد المتخصِّصون في عِلم النفس التربوي على ضرورة تشجيع الأطفال على استخدام الورقة والقلم في الكتابة في عمرٍ مبكّر، وتركهم يكتبون ما يحلو لهم، أي ما يسمى بـ “الخربشة” على الورق، لتدريب دماغهم على هذه المهارة، وذلك بدل لمس الشاشات على أنواعها.

في هذا السياق، لفت الباحثون إلى أنّ الكتابة باليد تشكّل كلّ حرفٍ بمفرده، على عكس الكتابة الإلكترونية التي تستخدم الحركة نفسها في كلّ مرّة؛ ولذلك فإنّ الكتابة اليدوية تحتاج إلى سيطرةٍ أكبر على القدرات الحركية الدقيقة، وهو الأمر الذي يجعل الدماغ في حالة تأهّبٍ دائمٍ لاكتساب المعلومات وحفظها في ذاكرته اللّغوية. 

ذكاءٌ يحتاج إلى إذكاء 
ووسائل الترغيب والتدريب 

يحرص الأهل على تشجيع أطفالهم على اكتساب مهارات يحتاجون إليها في حياتهم، مثل القراءة والكتابة، لكن كثيرين لا يعرفون الطرق والأساليب الصحيحة لذلك، ولا المرحلة العمرية الأنسب للبدء في تعليمها. وقد أوضحت الدراسات أن بمقدور الأطفال اكتساب مهارات الكتابة في عمرٍ مبكّر (3 سنوات). ومن الأهمّية بمكان معرفة قدرات الطفل الحركية والذهنية، والتأكّد من تطوّرها بما يتناسب مع سنّه، وأن يكون الطفل قادراً على الإمساك بالأقلام والتلوين كي يتمكّن من التعلّم بشكلٍ صحيح.

إنّ ذكاء الطفل اللّغوي يحتاج إلى إذكاء، وبالتالي علينا أن نمهّد له الطريق نحو الإبداع اللّغوي. وفي هذا المجال، ينصح المختصّون أولياء الأمور بما يأتي: 

1 – استخدام وسائل الجذب والتشويق لتشجيع أطفالهم على الكتابة، من خلال التنويع في استخدام الأدوات، مثل الأقلام الملوّنة والطباشير. 

2 – تدريب الأطفال على ممارسة الكتابة، كأن يُطلب منهم إعداد قائمة التسوّق الأسبوعية، أو كتابة قائمة أمنيات الأعياد السنوية أو غيرها من المناسبات، وخطاباتٍ لأفراد الأسرة وعبارات الشكر، أو ببساطة توقيع رسوماتهم بأسمائهم وتدوين ما يدور في مخيّلتهم على الورق. 

3 – في المرحلة العمرية المبكِّرة، يكون من المجدي دفع الأطفال للكتابة والتخطيط وكتابة الحروف والأرقام على الرمل، وهي من الوسائل المحبّبة لدى الصغار، وتعدُّ تمريناً مهمَّاً لتحفيز أناملهم الصغيرة. الأمر نفسه ينطبق على استخدام الصلصال في تعليم الأطفال كيفية تشكيل الحروف والكلمات، فهي من المواد التي يرغب الصغار في التعامل معها، فضلاً عن الاستعانة بكتب التلوين الخاصّة بتعليم الحروف، التي تعدّ من أوجه النشاط الممتعة والمشوّقة لهم. وأيضاً مشاركة الطفل اللعب في استخدام ألعاب تعليم الحروف الأبجدية، وما شابه ذلك.

4 – بعد التأكد من قدرة الطفل على استخدام الأوراق والأقلام، يجب البدء بتعليمه كيف يرسم الأشكال والخطوط قبل الانتقال إلى الحروف والأرقام، عبر استخدام ألواحٍ قابلة للمسح، مثل السبّورة البيضاء أو سبّورة الطباشير، كي يتمكّن من تصحيح ما كتبه بسهولةٍ ويسر. ومن الضروري التنبّه إلى أيّ مشكلة قد تعوّق الكتابة، مثل فرط النشاط، ونقص الانتباه، وعدم القدرة على التنسيق بين اليدين والعينين، كي تتمّ معالجتها في الوقت المناسب.

لفت الباحثون إلى أنّ الكتابة باليدّ تشكِّل كلّ حرفٍ بمفرده، على عكس الكتابة الإلكترونية التي تستخدم الحركة نفسها في كلّ مرّة؛ ولذلك فإنّ الكتابة اليدوية تحتاج إلى سيطرةٍ أكبر على القدرات الحركية الدقيقة، وهو الأمر الذي يجعل الدماغ في حالة تأهّبٍ دائمٍ لاكتساب المعلومات وحفظها في ذاكرته اللّغوية.

الكتابة اليدوية لتنشيط وظائف الدماغ وتنمية المهارات الحركية الدقيقة
تعمل أعضاء الجسم المختلفة معاً وتشكّل الحركة الإجمالية للجسم، وتُعدُّ المهارات الحركية الكبرى هي الأساس الذي يقوم عليه بناء المهارات الأخرى، الأمر الذي يستدعي معرفتنا بماهيّتها وكيفية تنميتها. 

فمن الأهمّية بمكان دفع الطفل لإنجاز بعض المهام التي تساعده على تقوية عضلات أصابعه، وتدريبه على الإمساك بالقلم، وإعطائه كرةً للضغط عليها والإكثار من أوجه النشاط التي تستهدف اليدين والأصابع، مثل تمزيق الورق وتجعيده لزيادة القوّة العضلية وتحسين التآزر الحركي البصري، وكذلك التحكُّم بحركات الأصابع، وتدريب الطفل على نقل الأشياء بالملاقط من أجل تقوية أصابعه الثلاث التي يستخدمها في الكتابة عادةً. ومن المهمّ مكافأة الطفل بالهدية المفضّلة لديه كلّما أحرز تقدّماً في تعلّم الكتابة والقراءة، لأنّ ذلك سيشجّعه على الاستمرار في عملية التعلّم وتقبّلها. 

لقد ثبتت أهمّية الكتابة باليد لما لها من دورٍ إيجابي في تطوير النشاط الذهني، وهي مهارة يجب ألَّا نفقدها لمصلحة التكنولوجيا. لذا ينصح المتخصِّصون الأهل بوضع خطّة توازي بين التعليم الإلكتروني ونظيره التقليدي، وتستهدف تعليم أبنائهم مهارات الخطّ العربي، وخطّ الرقعة والنسخ، والمزج بين الألوان، فضلاً عن قراءة الكتب واستقاء المعلومات منها، وزيارة المكتبات بشكلٍ دوري. هذه الممارسات مجتمعةً تسهم في تحقيق فوائد عدّة منها: 
1 – تنشيط وظائف الدماغ: تساعد الكتابة بخطّ اليد على تنمية المهارات الحركية الدقيقة، وتطوير المهارات الوظيفية الدماغية، كما تساعد على فهم الأمور واستيعابها أكثر. وتُظهر نتائج دراسات تصوير الدماغ أنّ الكتابة باليد تنشّط الخلايا العصبية، وتطوّر التخصّص الوظيفي للدماغ الذي يدمج كلّاً من الإحساس والتحكّم بالحركة والتفكير، في حين أظهرت كتابة الأحرف نفسها عبر استخدام لوحة المفاتيح، نتائج أقلّ أهمية.

2 – معالجة عسر القراءة المعروفة بـ “ديسليكسيا”: فالكتابة بالقلم من اليمين إلى اليسار أو بالعكس، مفيدة جداً للأطفال الذين يجدون صعوبة في قراءة الكلمات بشكلٍ صحيح. 

3 – دعم القدرة على التعلّم وإدارة الأزمات: إن الأشخاص الذين يكثرون من الكتابة بأيديهم هم الأقدر على الفهم واستيعاب الأسئلة المركّبة، وتذكّر المعلومات. 

4 – إتاحة الفرصة لمزيد من التركيز: تتطلّب الكتابة باليد تركيزاً أعلى، مقارنةً بالكتابة الإلكترونية، مما يزيد القدرة على اكتساب معلوماتٍ جديدة واستدعائها بسهولة.

5 – إيقاظ المهارات الذهنية: يؤكّد العلماء على دور الكتابة اليدوية في تطوير القدرات العقلية، فهي تحافظ على اليقظة الذهنية، كلّما تقدّمنا بالعمر، وتتيح الفرصة للتفكير بتأنٍّ، وتساعد مستخدميها على اكتساب معارف أعمق. 

6 – تُساعد على تدوين الملاحظات بصياغةٍ أفضل: فقد أظهرت نتائج الأبحاث أنّ الطلّاب الذين يكتبون بالقلم، إنّما يكتبون أكثر من أولئك الذين يستخدمون الكمبيوتر، كما أنّهم يكتبون عبارات أفضل ومتقنة أكثر من غيرهم. فالكتابة اليدوية تسمح بتدوين 22 كلمة في الدقيقة، مقابل 33 كلمة في الكتابة الرقمية، ما يعني أنّ الكتابة اليدوية تعطي الوقت الكافي للكاتب كي يتعامل بشكلٍ انتقائي مع المعلومات. 

7 – تساعد على بلوغ الأهداف: أثبتت الدراسات أنّ الأشخاص الذين يدوّنون أهدافهم بخطّ اليد ويشاركونها مع الآخرين، تزداد لديهم فرص تحقيقها بمعدل %33 مقارنةً بالكتابة الرقمية.


الحال عربياً:
الأقلام لا تزال مستخدمة، ولكن..

يقول المشرف على مؤسسة الطفل القارئ فيصل سعيد بن سلمان: “إن الأطفال في العالم العربي لم ينفصلوا كلية عن الكتابة اليدوية واستخدام الأقلام حتى اليوم. بل ما زال أغلب الآباء والأمهات يحرصون على توفير الأقلام الخشبية والألوان لأطفالهم منذ مراحل مبكرة. صحيح أنها ليست بمعزل عن الأجهزة الإلكترونية وغيرها من الوسائل التقنية، وصحيح أن طبيعة بيوتنا اليوم ومقتنيات منازلنا تحدّ من أن يتعامل معها الطفل بحرية وسهولة ليعيش طفولته السابحة في الخيال والمتحررة من القيود، إلا أن الأقلام ما زالت موجودة ومستخدمة”.

الأطفال في العالم العربي لم ينفصلوا كلية عن الكتابة اليدوية واستخدام الأقلام حتى اليوم. بل ما زال أغلب الآباء والأمهات يحرصون على توفير الأقلام الخشبية والألوان لأطفالهم منذ مراحل مبكرة.

ويضيف: “إن التعليم في أغلب البلدان العربية إلى ما قبل جائحة كورونا، كان معتمداً بشكل أساسي، أو حتى كلّي على الكتابة اليدوية والطرق التقليدية بعيداً عن الرقمنة والأجهزة الإلكترونية. ومع الجائحة، فإن أغلب البلدان العربية، مثل معظم دول العالم، وعلى اختلاف قدراتها وتباين جهوزياتها اضطرت للجوء إلى الأمور التقنية لضمان استمرار العملية التعليمية، وكي لا ينقطع التلاميذ الصغار وحتى الطلاب الجامعيين عن التعلّم. وهنا ابتعد الأطفال كثيراً عن استخدام أيديهم في التعامل مع القلم والورقة والألوان، ليحل محل ذلك النقر على لوحات المفاتيح وشاشات اللمس”.

وجواباً عن سؤال حول ما إذا كانت الغلبة محسومة للكتابة الإلكترونية كخلف للكتابة اليدوية، قال: أحسب أننا أمام أمرين لا ينبغي أن نتعامل معهما على أنهما نقيضان لا يجتمعان، فكلا الأمرين مهم. فالكتابة بخط اليد تساعد على تذكر المعلومات بشكل أفضل، وتسهم في رفع معدَّلات الذكاء لدى الأطفال، أفضل من الكتابة على الكمبيوتر أو الألواح الإلكترونية، كما دلَّت عليه النتائج في أحدث الدراسات التي تناولت طرق التعليم. كما أن الكتابة باليد تساعد على تحسين وتطوير المهارات الحركية الدقيقة لدى الأطفال الصغار.

أما بالنسبة للكتابة والتعلُّم الرقمي فحياتنا اليوم تعتمد كلياً على الأمور التقنية، ومن غير الطبيعي أن ينشأ أطفالنا منقطعي الصلة تماماً عنها، ولا يمارسونها أو يتعلمون مهاراتها. لا بد من تحقيق التوازن بين تطوير مهارة الكتابة اليدوية واستخدام الأجهزة الإلكترونية.

وحول من هو القادر على تحقيق هذا التوازن، أو المخوّل بالقيام به، يقول: “هنا يأتي دور الأسرة في تحقيق هذا التوازن، وسد مثل هذه الفجوة والحرص على استمرار المهارات اليدوية في حياة أطفالهم وهم ما زالوا في مقتبل العمر. ينبغي أن ننشر الوعي بأهمية مثل هذه التنشئة في صفوف الأهالي، خاصة الجدد منهم، وأن نوضح الفائدة الكبرى التي ستعود على الأطفال عند اعتماد الكتابة باليد، ونؤجل ولو قليلًا الاعتماد الكلي على الأجهزة الإلكترونية“.


مقالات ذات صلة

بعدما سبق للقافلة أن تناولت موضوع التعليم العام عن بُعد عندما كان لا يزال في مهده، تعود بعد مرور أكثر من سنة على انطلاقة هذه التجربة تحت ضغط جائحة الكورونا، لتستطلع الخلاصات التي استنتجها بعض المعنيين مباشرة بالتعليم الجامعي عن بُعد، وما طرأ من جديد على رأيهم به.

كتب عربية تدوين المجون في التراث العربيتأليف: عبدالله بن سليم الرشيدالناشر: دار كنوز المعرفة العلمية، 2021م يمثِّل هذا الكتاب، الذي جاء في 750 صفحة، خلاصة دراسة عميقة عكف عليها عبدالله الرشيد لفترة طويلة، وحاول من خلالها الذهاب إلى فكرة التدوين في التراث العربي. فيقول إنه لم يعبأ بمجون الأدباء، ولم يكن يفتش عن اتجاه الشاعر […]

“الدبلوماسية الثقافية” أو “القوة الناعمة” مصطلح جديد في مجال السياسة الخارجية، ظهر في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، عندما أدرك السياسيون أن قوة الدولة لا تقاس بالقوة الاقتصادية، ولا بالتفوق العسكري، وإنما بمدى قدرتها الثقافية على إنشاء علاقات بالدول الأخرى، على صُعد تبادل المعلومات والتطوُّر المعرفي وترويج الفنون وغيرها من جوانب الثقافة. لذا، توجَّه المتخصِّصون […]


0 تعليقات على “الكتابة اليدوية في مهب العاصفة الرقمية”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *