مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
يوليو – أغسطس | 2020

القراءة رقميًا:
من الغلاف إلى الغلاف


رئيس التحرير

مُنذ أكثر من ثلاثمئة سنة، لاحظ الفيزيائي والفيلسوف بليز باسكال، “أننا” عندما نقرأ بسرعة كبيرة أو ببطء شديد فإننا لا نفهم شيئاً. وفي عام 1940م، صدر كتاب بعنوان “كيف تقرأ كتاباً” شبَّه مؤلفاه قراءة الكتب بالتعلُّم من دون معلِّم، وبفنِّ إمساك المعلومات حين يقذفُها كُتّابهَا.
وقبل عقودٍ قليلة، ازداد عدد الكتب التي تتناول نتائج دراسات أو تأمُّلات متخصصين متنوّعين في سلوك القراءة وأنواعها ومستوياتها. فمثلاً، يقول علماء النفس الإدراكي عن عملية القراءة بعد أن حلَّلوا أدق تفاصيلها، مثل حركة العينين وحديث النفس إنها نشاطٌ إيجابي مُعَقَّد يجري في الذهن. ويصفها التربويون بأنها مهارة مطلوبة للنجاح في المجتمع، تعطي صاحبها قدراً كبيراً من المعلومات وبالتالي فهماً واسعاً للعالم. أما الأدباء فيُوجز تعبيرهم الرافعي بقوله: “بالقراءة تكتسب قريحة مستقلّة، وفكراً واسعاً، ومَلَكَة تقوِّي الابتكار”.
تتبنَّى لغاتٌ عديدة مُصطلَح “من الغلاف إلى الغلاف” الذي يُشير إلى دفّتي الكتاب اللتين تكتنفان جانبيه. وترتبط هذه العبارة حرفياً بالمطبوعة الورقية؛ مثل الكتاب أو المجلة، وتعني قراءة المطبوعة كُلّها. وحينما تسبقها جملة (قرأتُ…) تُوحِي أن القراءة كانت ناجحة ومُفَصّلة، ومُعَمَّقة ومستمرّة. فالغلاف يظهر دائماً في خيال القرُّاء كباب يفضي نحو المعرفة، ووصلٍ وفصلٍ، بين القارئ والكاتب وبين الجهل والعلم. ومع أن عبارة جورج إليوت “لاتحكُم على الكتاب من غلافه” في روايتها “الطاحونة على النهر فلوس” منتشرة انتشار النارِ في الهشيم منذ زمن، إلاَّ أنَّ القرّاء يعرفون أن الغلافَ يَشَي بما وراءه في أحيانٍ كثيرة.
المشكلة التي ذَكَرَها باسكال – وأكدتها الدراسات اللاحقة – هي مقدار سرعة القراءة، والمعيار الذي استندت إليه نتيجته (لا نفهم شيئاً)، هي كمية المعلومات التي تبقى في ذاكرة القارئ. واليوم، في ظل الواقع التقني المتسارع، ظهرت مشكلة أخرى، وهي الاستمرارية الفاعلة التي تُوحِي بها عبارة “من الغلاف إلى الغلاف”. فها هي نعومي بارون، مؤلفة كتاب “مصيرُ القراءة في العالَم الرقميِّ” تشير إلى نتائج دراسة أجرتها عام 2015م أظهرت تغيُّر طريقة القراءة اليوم. وبالتالي أصبح كثير من المؤلفين ينشُرون أعمالاً لا تتطلَّب تفكيراً عميقاً أو قراءة متصلة متأنية. وتقول في المقدِّمة: “فكِّر بسرعة! هكذا كنا نقول بصوت عالٍ عندما كنَّا صغاراً ونحن نلقي بالكرة بعيداً، والآن أصبحنا نقول هذه العبارة ونحن نقرأ”.
تتطلَّب القراءة الناجحة موازنة بين السرعة والاستمرارية بلا إفراطٍ أو تفريط. وإن كان الإفراط في السرعة والتفريط في الاستمرارية قد يبدوان مألوفين بالنسبة لنا، فهنا مثالٌ عن الإفراط في الاستمرارية: قبل عدّة سنوات أمضى الكاتب الأمريكي أمِن شي عاماً كاملاً يقرأ لعشر ساعاتٍ يومياً قاموس أكسفورد الضخم الذي يزيد على 20,000صفحة (59 مليون كلمة)، وبعد هذا الجهد، وصف التجربة كفيضانٍ لغوي “كنتُ كمن يحاول تذكرّ كل الأشجار التي يراها من نافذة قطارٍ مسرع”.
واليوم، من غير المتوقّع أن تكون عبارة “من الغلاف إلى الغلاف” ضمن مصطلحات الوسائط الإلكترونية، فطبيعة هذه المنصات فرضت محتويات بلا أغلفة، وحفّزت الإفراط بالسرعة والتفريط بالاستمرارية بعدما ألقت بفيض من المعلومات أسرع ممّا قد يتخيله مؤلفا كتاب الأربعينيات وربما بارون. وما يحتاجه القارئ الآن هو تسخير هذه الإمكانات التقنية الرائعة الفائقة، ومعرفة كيف يقرأ بتوازن. عندما سأل فولتير مَنْ سيقود الناس؟ قال: “أولئك الذين يعرفون كيف يقرأون”.


مقالات ذات صلة

ثَمَّة عبارة تُنسب للروائي المُعاصر كارل شرودر، المعروف بأعماله التي تتوقَّع مستقبل تقنيات الذكاء الاصطناعي تقول: “الذكاء لا يعني توقّع المستقبل، بل القدرة على تَقليل الشعور بالمفاجأة”.
في عام 1987م، نشرت مجلة “رسالة اليونيسكو” الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة موضوعاً بعنوان “عالَم الذكاء الاصطناعي الجديد” جاء في مقدَّمته: “نحن ننتقل الآن إلى عصر الآلات الذكية والذكاء الاصطناعي، ذلك الفرع من المعرفة ذي المكانة المهمة في المعلوماتية”.

تنوَّعت الرسائل التي تلقتها القافلة خلال الشهرين الماضيين إلى حدٍّ كبير، كما تنوَّعت التعليقات على محتوياتها على موقعها الإلكتروني، إضافة إلى طلبات الاشتراك المصحوبة دائماً بكلمات رقيقة تعبِّر عن محبة القرَّاء لمجلتهم، وقد أحلنا هذه الأخيرة إلى قسم الاشتراكات ليُصار إلى تلبيتها كلها بإذن الله. ومن الرسائل التي وردتنا نذكر ما ما كتبه الدكتور إياد […]

بيوت الذكريات اجتاحتني ذكريات البيوت المتعاقبة التي سكنتها وأنا أقلِّب صفحات مجلة القافلة لشهر مايو/يوليو 2020م من خلال ملفها المنشور تحت عنوان “البيت بناءً وقيمة”، مشاهد ظننت أنها سقطت سهواً من ذاكرتي، إلا أنها عادت وهي محمَّلة بتفاصيل دقيقة من بيت الطفولة ذي الأبواب الخشبية والنوافذ البيضاء، أشجار الليمون ورائحة الجدَّات، ومشاهد كثيرة متأصلة في […]


2 تعليقات على “القراءة رقميًا: من الغلاف إلى الغلاف”

  • القراءة السريعة ضرورة للقارئ النهم ، ورقياً كان أو إلكترونياً والاستمرار في ذلك- القراءة السريعة- ولمدة طويلة سيستفيد القارئ لا محالة.

  • صحيح، أو كما قال جاك دريدا: ليس المهم عدد الكتب التي تقرأها بل أن تقرأها جيدا حتى لو كان كتابا واحدا


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *