مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين

بين ثنائية الهدم والبناء..
الفن في مواجهة الحروب والأزمات

د. ريم المالكي
المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس، دكتورة في علوم و تقنيات الفنون

تصدّرت الحروب والأوبئة والأمراض واجهات التاريخ البشري منذ القدم. وشكَّلت محطات مظلمة في تاريخ الإنسانية، ما زالت آثارها راسخة في الذاكرة العالمية إلى يومنا هذا. وليس وباء كورونا الذي اجتاح وأرعب العالم اليوم إلا مثالاً حياً لتلك الأوبئة التي غزت التاريخ، وخلَّفت مآسيَ وهزاتٍ عنيفة في العالم، كانت سبباً في القضاء على أعداد هائلة من البشر، متخطية بذلك الحدود الجغرافية والانقسامات السياسية.

من أشهر تلك الأوبئة، على سبيل المثال لا الحصر، “الطاعون الأسود” الذي ضرب أنحاء أوروبا بين عامي 1347 و1352م، وتسبَّب في موت ما لا يقل عن ثلث سكان القارة، ثم انتشر في آسيا والشرق الأدنى. و”طاعون مصر”، الذي امتد بين عامي 1347 و1349م، وحصد أرواح ما يزيد على مئتي ألف مواطن مصري، حيث يذكر الكاتب المصري محمد أمير في كتابه “حكايات منسية”، أن الطاعون الأسود “حصد كثيراً من أرواح المصريين، حتى إن الطرق امتلأت بجثث المصابين، وكانت تخرج من القاهرة يومياً نحو 800 جثة لتُدفن خارج العاصمة، حتى إن الأكفان نفدت من الأسواق، وأصبح الدفن من دون غسل أو صلاة أو تكفين”.

تجاوز اللغات والجغرافيا
من جانب آخر، كان لعديد من الحروب التي شهدها العالم دور مباشر في انتشار هذه الأوبئة، إضافة لما خلَّفته من دمار، وأشهرها كانت، في مطلع القرن العشرين، الحربان العالميتان: الأولى والثانية. فهما تعدّان من أكبر حروب التاريخ التي عاشتها الإنسانية، وأكثرها شراسة من حيث الخسائر البشرية.

كان لعديد من الحروب التي شهدها العالم دور مباشر في انتشار الأوبئة، إضافة لما خلَّفته من دمار، وأشهرها كانت الحربان العالميتان الأولى والثانية.

وفي خضم كل هذه الآفات والدمار، كان الفن أهم وسيلة تعبير وتواصل بين مختلف الشعوب والحضارات. وهذا ما جسَّدته ريشة الفنانين عبر العصور القديمة والحديثة في تاريخ الفن، حتى يومنا هذا. فحاولت الفنون بمختلف أنواعها إيصال رسائل ثورية ناقدة ورافضة لما يحصل في العالم، متجاوزة في ذلك حدود اللغات والجغرافيا. ومثَّلت الفنون التشكيلية بالخصوص، إلى جانب الروايات الأدبية والشعر والغناء، وصولاً إلى المسرح والسينما، مجموعة وثائق بصرية من صميم الواقع، وشهادات مرئية على الكوارث والأحداث التي صنعها الإنسان، وأدت لموت كثيرين، فالفن التشكيلي يُستلهم دائماً مما يحدث في سياقه الاجتماعي والثقافي والسياسي، إذ لا يمكن فصل الفنون عن الحياة وما يحدث فيها من أحداث كبرى، سواء أكانت حروباً أم كوارث طبيعية أم انتشاراً لمرض أو وباء ما. ونتيجة لذلك، أسهمت تلك الأحداث في بروز كثير من التيارات والمدارس الفنية والنقدية، ومنها: الدادائية، والعبثية، والسريالية، التي نشأت بفعل كوارث الحروب وما خلفته من دمار.

فما أبرز دلالات هذا النوع البصري من الفن القائم على الموت والهدم؟ وما أبعاده الثقافية والاجتماعية والسياسية؟ وما الآليات التي مكَّنت الصورة والفن التشكيلي عبر التاريخ من اقتحام العالم وسيادة التواصل الإنساني وإبداعاته في ظل تلك الأحداث؟

رسومات الإنسان البدائي في العصر الحجري وعادة ما كانت ذات طبيعة رمزية

ما قبل التاريخ
كان الموت، ولا يزال، أحد أبرز الأسئلة الوجودية التي تساءل حولها الإنسان، وعبّر عنها بشكل رمزي أو مباشر، فكل الثقافات في مختلف الأزمنة والأماكن، قام أبناؤها بتجسيد الموت بشكل أو بآخر. وكثيراً ما وُجد رسم الجمجمة مع رموز أخرى للدلالة على الموت. ومن هنا نلاحظ أن التعبير الحسي والبصري والخطاب الصوري، قد لازم الإنسان منذ البدء بمختلف أبعاده الرمزية والدلالية. فالإنسان البدائي، مثلاً، عمل على تمثيل تخوّفاته وأحاسيسه عندما تتراءى له فاجعة الموت بشتى الوسائل، ومن أبرزها كانت نقش صور ورسوم رمزية على الصخور وعلى جدران الكهوف والمغارات، للتعبير عن صورة الموت البشعة وعن رغبته في البقاء، مستخدماً في ذلك الطين الأصفر والبني ودرجات الأحمر والفحم أو العظام المحروقة للحصول على الأسود، والكاولين أو الكالسيت للأبيض، وكان يتم تطبيقهم على الجدران مباشرة بأصابع اليد من خلال نسخ كفوف الأيدي، وهو فعل مكرر بكثرة في ذلك الوقت. وأكثر ما كان يميز تلك الرسوم – التي يطلق عليها فن ما قبل التاريخ – أنها كانت ترسم بشكل تجريدي لا يميل للواقعية، رسوم ذات طبيعة رمزية، ذات خطوط بسيطة، تميَّزت بعفوية التصوير للأحداث المراد توثيقها على جدران الكهوف.

يقول محمد الكردي في دراسته التي حملت عنوان (مع ريجيس دوبري في كتابه حياة الصورة وموتها): “تنبثق الصورة زهاء ثلاثين ألف عام قبل الميلاد وسط قحط العصر الحجري القديم الموحش، في نقطة تلاقٍ بين الهلع وبداية التقنية، وطالما كان الفزع أقوى من وسائل التقنية وأدواتها، كانت الغلبة للسحر وإسقاطاته المرئية التي تبرز عبر الوثن”.

بيتر برويجل الأكبر، “انتصار الموت”، 1562، ألوان الزيت، 117 x 162 سم، بلجيكا

علاقة خوف دائم
ومن هذا المنطلق كانت الصورة في ذلك الوقت من أهم الوسائط البصرية والتعبيرية بين الإنسان البدائي ومحيطه الطبيعي. فمنذ نزول الإنسان إلى الأرض وهو في علاقة خوف دائم من الطبيعة، من تغيّراتها وتهديدها لحياته في كل لحظة، ولذلك كثيراً ما سعى لفهم تحوّلاتها لعله يكسب شيئاً من القدرة تمكنه من أن يحقق لنفسه غايتين: البقاء والخلود، والسيطرة على القوى الطبيعية وهو ما ولد لديه الشعور بقدرته على مواجهة هذه التهديدات اليومية والتخفيف من شدتها بالسحر.

ومن المعروف أن الفنون تولَّدت في مرحلة من التاريخ من أحضان السحر والشعوذة، وذلك بالتأثير على الآخرين سلباً أو إيجاباً بالمشابهة، فكان الإنسان البدائي يسعى للتأثير في الخطر الذي يهدِّده من خلال مشابهته بالرسم، ثم يقوم بالتأثير على الصورة بالترانيم والأدعية والتضرّع، أو من خلال التشويه. ومع تطوُّر الفكر الإنساني، وبالانتقال من السحر إلى الكهانة ثم الفلسفة؛ ظهرت نظرية المحاكاة الأرسطية لتحقيق السعادة والطمأنينة من خلال تمثلات النموذج والمثال.

حالة جنائزية
ومع بداية القرن الرابع عشر، بدأ الفن يلتحف لحاف الظلمة والحزن، حيث تم تقديم رؤى مختلفة ومتعدِّدة عن الموت، خاصة مع ظهور الوباء الذي عُرف بالموت الأسود، وانتشر في أصقاع أوروبا، وكان شبيهاً بنهاية العالم. وعُدّ في علم الأوبئة أحد أكثر الجوائح المفجعة في تاريخ البشرية، حيث شهدت تلك الفترة كثيراً من اليأس والخوف، انعكست على الصناعة والتجارة والأدب والفن التشكيلي والعمارة. فظهر تأثير الوباء في نمط تحصين العمارة ونوافذها والرموز التي نُقشت على جدرانها وتوزيعها الداخلي وأبوابها، وهيّأت لظهور الفن القوطي في أوروبا، الذي عُرف بقلة الضوء والفراغات. كما انعكس الخوف على أفكار الناس باعتقادهم قرب نهاية الإنسان، وتجلت مثل هذه الأفكار في موضوعات اللوحات التي لم تعد تكترث للبطولة وشخوص الفرسان، وإنما التفتت إلى الضحايا والموتى، لتبدو الأعمال الفنية على جدران الكنائس تصويراً للحالة الجنائزية التي يظللها الموت والسكون واللون القاتم. وكان من أهم ردود الفعل على جائحة “الموت الأسود”، بث عقيدة “هروبية” من العالم، فاصطبغ الفن بالروح الدينية، فالفنانون الذين كانوا يرسمون لوحات مبهجة، تحوَّلت رسوماتهم إلى مشاهد الموت. أما مشاهد الجنازات، التي كثيراً ما كانت تصوِّر آنذاك جنازات الملوك والوجهاء أو القديسين، فلم تعد تُرسم كما في السابق، بل تحوَّلت إلى لوحات لضحايا مجهولين في طريقهم إلى القبر.

وفي هذه الفترة أسهم الموت الأسود في عودة الواقعية بشدة إلى الفن الأوروبي. فانتشرت اللوحات الواقعية عن مرضى يتم معالجتهم في المستشفيات والمنازل، خاصة خلال عصر النهضة.

فرانشيسكو دي غويا، لوحة “الثاني من مايو 1808″، 1814م، زيت على قماش، متحف ديل برادو مدريد

انتصار الموت
من جانب آخر، تُعدُّ لوحة “انتصار الموت” للفنان بيتر برويجل الأكبر، أحد أهم لوحات عصرها وأكثرها تمثيلاً لوباء “الطاعون الأسود”، جسَّدت مأساة الموت والخراب في صور مروعة في وحشيتها، صور ذات تعابير قاسية، حيث تتحلل الجثث وتعبث في مشهد حرب بين البشر وجيش من الهياكل العظمية كرمز للموت. والملاحظ أن لا أحد من البشر في هذا الحشد كانت لديه القدرة على الفرار، فالجميع كان تحت رحمة هذا الجيش الزاحف الذي يقود ضحاياه نحو وجهة حتمية وهي الموت. ويعدّ مشهد الموت من الخاصيات النادرة في الفن الإيطالي. فقد صرحت إحدى المقالات المنشورة في صحيفة (وول ستريت جورنال)، بأن “الوحشية في هذه اللوحة، تعطي لعمل برويجل أهمية حزينة مستمرة. وبدا كما لو أن برويجل طمس كل ملامح العصور الوسطى ليدمجها في لوحة واحدة. يمكننا أن نرى حرفياً مئات الرموز وأوصاف الحياة اليومية في اللوحة، تلعب كل منهم دوراً أخلاقياً صغيراً موضوعه الموت”.

البحث عن المعنى
ولعل أبرز ما يجمع بين فن ما قبل التاريخ وفن ما بعد الحداثة، حالة الخوف والضياع التي عاشها الإنسان في كلا العصرين. ففي كليهما كان الإنسان في حالة بحث عن معنى للعالم في خضم معارك يومية من أجل البقاء. فإذا كان إنسان ما قبل التاريخ يصارع من أجل البقاء في ظروف طبيعية وبيئية شديدة القسوة، فإن الإنسان الحديث يصارع بدوره في خضم حروب عالمية محاولاً الوقوف على معنى يبرِّر الوجود نفسه. وكلاهما أرادا أن يعبِّرا وأن يقولا عن طريق الرسم “نحن كنا هنا، لقد شهدنا على هذا وذاك”.

ومن هذا المنطلق نلاحظ كيف أن عديداً من الفنانين تأثروا بالأحداث السياسية والاجتماعية التي عاصروها وشكَّلت علامات فارقة في تغيير مسار بلدانهم، فحاولوا من خلال أعمالهم نقل صور حية وحالات وأحداث وقعت في مجتمعاتهم، أو حتى معاناتهم الإنسانية الخاصة.

فرانشيسكو دي غويا، لوحة “الثالث من مايو 1808″، 1814م، زيت على قماش، متحف ديل برادو مدريد

الملك كارلوس وعائلته
ويُعدّ الفنان الإسباني فرانشيسكو دي غويا، واحداً من الفنانين الذين تأثروا بالواقع المحيط به، وظهر ذلك جلياً في لوحاته. فكانت أهمية أعماله تكمن في واقعيتها، لدرجة جعلت منه أحد أهم فناني البلاط في ذلك الوقت. فقد أصبح غويا رسام الأسرة الحاكمة عام 1799م، إلا أن ذلك لم يمنعه من نقد فسادها وضعفها وعلاقتها بالكنيسة، وتظهر لوحته الشهيرة “الملك كارلوس الرابع وعائلته” – التي أنجزها عام 1800م – نقداً كبيراً للأسرة الحاكمة، حيث وضع الملكة وسط اللوحة، في إشارة منه إلى أنها مركز القوة، ورسم خلفية مظلمة، للتدليل على الغموض الذي يحيط بالأسرة الحاكمة.

وكانت ثورة “3 مايو 1808م” من أهم الأحداث التي عايشها فرانشيسكو دي غويا، حين قدَّم مجموعة من اللوحات التي لامس فيها الوجدان الإنساني، وصوَّر انتصار شعبه على أعدائه، حينما هاجم القائد الفرنسي نابليون بونابرت إسبانيا، وقتل صحبة جيشه كل إسباني اعترض طريقه، خاصة بعدما رفض الشعب الإسباني تحالف حكومتهم مع فرنسا. ونذكر له في هذا السياق ثنائية فنية وصفت أحداث الثورة، وتتألف من لوحتين، هما: “الثاني من مايو 1808م” و”الثالث من مايو 1808م”. الأولى موضوعها يحمله عنوانها الفرعي “مدريد، الثورة ضد المماليك”، فيما تحمل الثانية عنوان “الإعدام على جبل برينسيبيو” وتوضح دفاع الجنود ضد الفرنسيين. ويمكن اعتبار اللوحتين نوعاً من التوثيق الفني لأكبر حدث تاريخي، سيبقى عالقاً في مخيلة الشعب الإسباني إلى الأبد.

كشف المشعوذين
إلى جانب ذلك، رسم غويا كثيراً من الرسومات الحبرية بأسلوب تعبيري نقدي، حاول من خلالها كشف المشعوذين الذين ما فتئوا يبثون سمومهم في عقول الناس، واعتمد في ذلك على الخطوط الحادة والألوان القاتمة، كما ركّز على التفاصيل من خلال ملامح الوجه والعيون الجاحظة، والحركات غير المتزنة التي تكشف الوباء وتفضح المتأثرين به، وأحاط الشخوص بعدد من الرمزيات التي تتصل بالبيئة آنذاك، وظللها بالسواد. وبالتالي فقد جمع غويا في رسوماته بين ذاكرته البصرية وخياله والواقع الذي رآه، مما سبب له نوعاً من الخوف والفزع والاضطراب.

أما لوحة “غيرنيكا” فكانت واحدة من أشهر وأهم أعمال الفن التشكيلي في القرن العشرين، لوحة جدارية يبلغ طولها 3.5 متر، وعرضها 7.8 متر، لم تقتصر على تحقيق المتعة البصرية للمتلقي فقط، وإنما تفردت لتكون شاهدة على حقبة تاريخية مؤلمة، اختزل فيها بيكاسو مأساة الإنسان وبشاعة الحرب في قرية “غيرنيكا” الإسبانية، التي تعرَّضت للإبادة الجماعية، ولأقسى هجوم فاشٍ على مدى ثلاث ساعات من القصف من قبل الطيران النازي الألماني، وذلك سنة 1937م. واستحوذ ذلك الحدث المروع حينئذٍ على اهتمام الفنانين والشعراء والكتَّاب، ومن بينهم كان الرسام الإسباني بابلو بيكاسو، الذي تأثر بهذه الجريمة وقرَّر رسم صورة يمثل فيها القرية في لوحة “غيرنيكا”، التي أصبحت بدورها فيما بعد رمزاً للسلام . ومن هنا جاءت تسمية اللوحة.

بابلو بيكاسو، غيرنيكا، 1937م، رسم زيتي، 349 x 776 سم، متحف موزيو ريهينا صوفيا، مدريد

رؤية رافضة للحرب
اللوحة في كليتها توحي بالظلام، رغم أن القصف لم يحدث ليلاً، إلا أن بيكاسو اختار أن يعبِّر بالضوء والظلام والقِيَم الضوئية التي لم تخرج عن الأبيض والأسود والرمادي بسبب رمزيّتها المباشرة، وحاول من خلالهما التأكيد عن رؤيته الرافضة للحرب. والملاحظ أن بيكاسو غيَّب السماء والطائرات في لوحة غيرنيكا، على الرغم من أن السماء كانت مغطاة بالطائرات في ذلك اليوم، وهو ما يدل على أن الفنان ابتعد عن الرسم كتقرير سياسي، واصفاً آثار الوحشية والدمار التي يمكن أن تحدث في أي مكان بسبب الحرب، وتجلب الألم والمعاناة للإنسانية. واعتمد في رسمه للوحة على أسلوب فن الكهوف، فقد رأى أن هذا الأسلوب المجازي أكثر قدرة وبلاغة في التعبير عن التعقيدات الرمزية لأي عمل فني. كما اعتمد على أسلوب المدرسة التكعيبية التي كان متأثراً بها، من خلال توظيفه الأشكال الهندسية، وهو ما أعطى اللوحة عمقها الرمزي والمعنوي، حيث وثّقت من ناحية هول المجزرة، وعكست من ناحية أخرى ثورة بيكاسو ومشاعره وانفعالاته ورفضه لما حدث.

بدأ الفن مع بداية القرن الرابع عشر، يلتحف لحاف الظلمة والحزن، وقُدمت رؤى مختلفة ومتعدِّدة عن الموت، خاصة مع ظهور “الموت الأسود”.

وتجدر الإشارة إلى أن لوحة “غيرنيكا”، عبارة عن تمازج بين الرموز والأشكال الهندسية والألوان السوداوية القاتمة التي تدين بشدة وحشية الحرب وأحداثها، من جهة، مع اللون الأبيض الذي اعتمده بيكاسو رمزاً لبصيص الأمل للإنسانية، من جهة أخرى، فأضفى نوعاً من الانسجام رغم اختلاف مدلولاتهما، وانصهرا معاً ليقدِّما للعالم رسالة إنسانية رافضة للحرب، ومجسّدةً للسلام. كما تحتوي اللوحة على كثير من الرموز المعبِّرة عن المأساة: مبانٍ محترقة، أشلاء موتى، ضحايا يستغيثون، نساء ثكالى، أناس ما بين هلع من الموت وآلام من الجراح، أضواء لامعة، حصان، ثور إسباني، وفانوسٌ وشمعة. وبالتالي، فلوحة “غيرنيكا” تُعد واحدة من الأعمال المناهضة للحرب، التي تتمتع بقوة حركية مميزة، وهو ما عبَّر عنه جان جاك روسو بقوله “لقد توصلت إلى رؤية أن كل شي متصل جذرياً بالسياسة”.

الثور ثور.. والحصان حصان
لوحة “غيرنيكا” جسّدت ما حصل في إسبانيا، في وسطها يبرز الحصان الذي يرمز للشعب الإسباني الذي تعرَّض للقتل، على يسارها الثور الذي يجسِّد وحشية ما حصل، أما النساء الأربع بأجسادهن المقطّعة والمشوّهة، فيرمزن إلى الضحايا. في أسفل اللوحة جندي ملقى على الأرض، في إشارة إلى الهزيمة، في الأعلى بصيص الأمل يتراءى من خلال رمزية فانوس بنور خافت، وحمامة سلام تبدو ذاهلة من هول المصاب. وحاول كثير من النقاد تفسير الرموز الموجودة على اللوحة، في ظل رفض بيكاسو نفسه أي محاولة للتفسير من جهته. وعندما قال أحد النقاد إن بيكاسو أراد أن يمثل الحصانُ القوميةَ الإسبانية، وأن يمثل الثورُ الشعبَ الإسباني؛ أجاب بيكاسو بصرامة: “هذا الثور ثور، وهذا الحصان حصان.. ولكل متأمل الحق في التفسير بالشكل الذي يراه مناسباً”.

ومن الملاحظ، فإن بيكاسو لم يستخدم في الجدارية أي رموز سياسية مباشرة، عدا عنوانها الذي يشير إلى مكان الواقعة وزمانها “قرية غيرنيكا”، وبذلك فقد تجاوز النمط التقليدي في نقل الأحداث الذي نراه عادة في تصوير مشاهد الدمار في الحروب: كاميرا، تقرير سياسي، ونشرات إخبارية تخفي الصور الحقيقية وتظهر ما تفرضه اللعبة السياسية.

ثقافة المحبة والسلام
لطالما تفوّق الفن في حمل هموم الإنسانية، وفي بعث رسائل أمل وسلام للعالم، خاطبت المجتمع بجميع فئاته، إلى جانب إسهاماته المتعدِّدة في نقد الواقع، ولا أدل على ذلك من الأعمال الإبداعية التي تركت عبر التاريخ أثراً عظيماً في الثقافات، وما زالت خالدة إلى يومنا هذا، متجاوزة حدود الدائرة الفنية الضيقة، لتصبح جزءاً من الحياة في نشر ثقافة المحبة والسلام والتسامح بين شعوب العالم.

ولن يتمكن العالم من فهم حجم التغيير الذي تتركه الحروب والكوارث والأوبئة، أو ما نعايشه اليوم من مخلفات جائحة كورونا على تاريخ البشرية، إلا بعد إحصاء العدد النهائي للضحايا، واكتشاف حجم الدمار والكوارث التي كان فيها الإنسان عدواً لأخيه الإنسان، وطرفاً في اغتيال الإنسانية والحياة، فضلاً عن كيفية توظيف السلطة للجائحة في خطاباتها.


مقالات ذات صلة

يمثِّل المكان بُعداً دائم الحضور في صفحات الأدب بوجه عام، وبين سطور الشعر العربي بصفة خاصة. ويكفيك أن تُلقي نظرة خاطفة على بعض عيون القصائد العربية عبر العصور المختلفة، لتجد المكان يلوِّح لك بين الحروف، مُثقلاً بالرمز والحكاية والخيال تارة، ومتخفِّفاً منها تارة أخرى. وإن كان حضـور الأماكن والمدن العربية في الشعر قد أُشبِع دراسة […]

ظهرت الأسماء منذ الأزل، وظهرت ساكنة لا تتحرَّك، ولم تلقَ من يصف أشكالها ويُحرّك أحداثها، فجاءت الصفات لتُخبرنا عن أشكالها الساكنة، وجاءت الأفعال لتخبرنا عن حركتها الحيويّة، فصرنا نُنبئ عن كيفيات التشكل الوصفي والاتجاه الحركي، وعن أساليب وحيثيات وأسباب هذا التشكل وذاك الاتجاه. تشكيل الصفات للأسماء وتحريك الأفعال لها جاء ناقصاً، فمُلئ بالحروف المعدودة التي […]

تصوير: سيف الدين قدّوري “من دون ضوءٍ ليس للعالم وجود، من دون ضوء لن يكون هنالك ظلٌّ. الضوء يمنحُ للأشياء قيمتها المُطلقة، سواء ببُعدينِ أو بثلاثةِ أبعاد”. هكذا يعرّف الفنان الجزائري ابن مدينة وهران، في غرب الجزائر، رشيد طالبي الظل والضوء، وهذا ما ينعكس بشكل واضح في أعماله الفنية المعتمدة على نقل التراث الجزائري. مثل […]


0 تعليقات على “الفن في مواجهة الحروب والأزمات”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *