مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مارس - أبريل | 2019

الفلسفة مهارة متأنية


رئيس التحرير

معلومة طريفة تقول إن أول ساعة منبِّه عملية في العالم اخترعت عام 1876م، ومنذ ذلك الحين أحكمت قبضتها على أوقات الناس وانتباههم. قادت الساعة إلى السرعة، والسرعة إلى الإجهاد وتشتُّت الانتباه، وأثار اختفاء تنبيهاتها لوقت طويل التململ، وظهـرت في تلك الفترة لأول مرة كلمة الملل!
كتب الروائي ميلان كونديرا عن أثر السرعة: “عندما تجري الأمور بسرعة كبيرة، لا يمكن لأحد أن يكون متأكداً من أي شيء على الإطلاق، ولا حتى من نفسه”.
واليوم، فقد خبت الآراء التي تربط بين ألعاب الشباب مثل “بلايستيشن” وزيادة سلوك العنف لديهم، ولكن ظهرت مؤشرات عن تأثيرها في بحثهم المستمر عن “متعة السرعة” في كل شيء. هذا مثالٌ واحد. ولكن يبدو في الواقع أن “كل شيء” حولنا يقول: استعجل!
إن التوجه اليوم إلى تدريس الجيل الجديد بعضاً من المهارات العقلية العالية كالتفكير الفلسفي واللغات الأجنبية كالصينية، يضيف قيمة معرفية وتنموية كبيرة إلى مخرجات تعليمهما، ويُمثل أيضاً وسيلة لشحذ قدرات أساس لمتعلميها مثل فن التفكير المتعمق، والتأمل المُنتبه، والتأني السليم. وكما قال الحكيم الصيني كونفوشيوس: “لا يمكن للمرء أن يحصل على المعرفة إلاَّ بعد أن يتعلَّم كيف يفكِّر”، فقد قيل أيضاً: “فلسفة التأني تمنحنا الوقت الكافي لإنجاز الأمور بدقة”. وهذا الوصف ينطبق أيضاً على تعلّم المهارات المتأنية الأخرى مثل الرسم والموسيقى.
في نهاية جلسة النقاش التي نظمتها مجلة القافلة عن “تعليم الفلسفة، الفلسفة في الحياة”، علَّق الشاب فارس، الطالب في المرحلة الجامعية، قائلاً إنه كان يحاول أن ينشر بين أصدقائه منذ أن كان في المرحلة الثانوية أهمية الأفكار الفلسفية وما تقدِّمه من إجابات علميـة على الظواهـر التي تبدو كأنها في حالة فوضى، إلاَّ أنه يفاجأ برد بعض أقرانه: “إن تعلُّم الفلسفة طريق طويل ومعقَّد”.
لقد حظيت هذه الجلسة التي ننشر تغطيتها في هذا العدد، على تفاعل الحضور، الذي شمل مستويات ثقافية متنوعة في المجتمع، من أكاديميين وطلاب ومهتمين، وكذلك كان الأمر مع مستوى الطـرح والنقـاش، ممّا يدلِّل على مكانة الفلسفة وفائدتها. هذه المادة “المعقَّدة ذات الطريق الطويل” مهمَّة، خاصة في هذا الوقت الذي تماهت فيه حواسنا مع منتجات الإعلام والترفيه المرئي والمسموع طوال اليوم، واضطرت للتعامل معها بسرعة، وبانتباه مشتّت.
إنه وقتٌ مناسب لطرح مثل هذه المهارات للنقاش، وتعليمها لأصدقاء فارس؛ فهم في عين التحوُّلات المستقبلية المتسارعة التي تحمل كثيراً من التحديات والفُرص. وتعلُّم هذه المهارات -صديقة التأني- ستساعدهم على الاستعداد للمستقبل وما تتطلَّبه الأعمال في الغد من مهارات توصف أيضاً بالناعمة؛ مثل الابتكار والانتباه للتفاصيل والإقناع والقدرة التحليلية العالية، التي تدعم الصناعات الإبداعية وتكون مكمِّلة للمجال التقني الذي يميّز الثورة الصناعية الرابعة، وهذه هي المهارات المطلوبة في هذا الوقت والمتوقعة للمستقبل.


مقالات ذات صلة

نشرت قناة العربية مؤخراً تقريراً تلفزيونياً تحدَّث عن تطوّرات تحضير لقاح ضد فيروس الكورونا المستجد، طرح فيه مقدِّم التقرير سؤالاً للفت الانتباه، وقال: ماذا عن الإبرة؟ ليجيب إن اللقاح بحاجة إلى إبر، وصناعتها بحاجة إلى استثمار، والعالم يحتاج سبعة مليارات إبرة.قد تكون هذه هي المرَّة الأولى التي يُذكر فيها هذا الرقم الـذي يمثِّل عدد سكان […]

من أبرز ردود الفعل على ما تضمَّنه العدد السابق من القافلة، كانت النظرة الإيجابية والمتفائلة إلى مستقبل المسرح السعودي، التي أبداها الأستاذ فؤاد الذرمان المدير السابق لمركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) على موقع المجلة تعقيباً على المقال “نعم لدينا مسرح.. نعم لدينا جمهور”، فكتب يقول: “المسرح السعودي واعد جداً ويحتاج أن يتحوَّل إلى صناعة […]

جامعة إم آي تي تختبر تصميم دافينشي كانت القافلة قد تناولت في عددها لشهري نوفمبر وديسمبر 2016م، مشروع الجسر الذي صمَّمه ليوناردو دافينشي لمدينة إسطنبول، ليربط به بين الشطر الآسيوي من المدينة وإحدى الجزر الواقعة في الشطر الأوروبي منها. وهو المشروع الذي رفضه السلطان بايزيد الثاني؛ “لأنه لا يمكن بناء جسر من قوس واحد بهذا […]


0 تعليقات على “الفلسفة مهارة متأنية”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *