مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مارس - أبريل | 2019

الفلسفة
في الحياة والتعليم


وليد الحارثي

إثر إعلان وزارة التعليم في المملكة عن استحداث مادة جديدة يدرسها طلاب وطالبات المرحلة الثانوية، وهي “مهارات التفكير الناقد والفلسفة”، ونظراً لما يُتوخى من الفلسفـة أن تؤديه من تطوِّر على الصعد الفكرية والعلمية ليصبّ في النهاية  لصالح المجتمع، نظمت القافلة في الرياض جلسة نقاش بعنوان “الفلسفة في الحياة والتعليم”، شارك فيها عدد من المتخصِّصين في هذا الموضوع. وقد هدفت القافلة، من خلال طرق هذا الموضوع الجديد والمهم أن يتعرَّف أفراد المجتمع على أهمية الفلسفة وما تضيفه للفكر المجتمعي، عبر إثارة الأسئلة الأكثر حيوية، من أسباب التقدُّم وبناء الفكر الناقد.

تصوير: فتحي العيسى

كيف يمكن للفلسفة أن تساعدنا وتجعلنا نعيش حياة أفضل؟ كان هذا السؤال حجر الزاوية في موضوع الجلسة.

تولَّى المهندس عبدالله النفيعي مهمة إدارة الحوار، فثمّن للحضور المميّز تجشم عناء مشاركتهم في هذا النقاش الفكري ورحَّب بالمشاركين واصفاً الندوة بالفريدة لحدث فريد ولموضوع مستجد ومهم، وهو تعليم الفلسفة في مدارس المملكة. وأضاف: “فعلى أثر قرار وزارة التعليم، بدأ حوار كبير ومتنوِّع سواء في الصحف أو الإعلام المرئي أو وسائل التواصل الاجتماعي حول هذه الخطوة وما أثرها، وما الإيجابيات المنتظرة منها”، منوهاً أن هناك من لديه استدراكات حول هذه الفكرة ولكنها بلا شك خطوة كبيرة جداً ومتَّسقة مع التغيرات الكبرى التي تتوالى منذ إعلان رؤية المملكة 2030م.

الفلسفة باعتبارها فنّاً للعيش
كان سقراط ينزل إلى عامة الناس، ويجادل ويحاور كل من يقابله في الشارع، أما أفلاطون فقد وضع الواقع نفسه نصب عينيه عندما كان يتحدَّث عن نظرية المُثل، محاولاً تقديم حلول للمشكلات آنذاك. هكذا استهل الأستاذ شايع الوقيان عضو حلقة الرياض الفلسفية الجلسة محاولاً تصحيح بعض المفاهيم الشائعة حول الفلسفة، مشيراً إلى أن الفلسفة اشتهرت في تصوُّر أغلب الناس كعلم تجريدي منعزل عن الواقع الحي، أو الوجود المعيش، وأن الفلاسفة يهيمون في مفازات التجريد. وقد يكون لهذا التصور ما يبرِّره، علماً أنه خطأ، لأن الغاية من الفلسفة والتجريد هي فهم الوجود اليوم كما كان يفعل سقراط وأفلاطون.

شايع الوقيان
الوعي النقدي ليست له علاقة بكم المعلومات بل بطريقة التفكير. فالشك منهج ضروري لكل تفكير علمي أو فلسفي على ألا يكون مَرَضياً بل شك منهجي نستخدمه بشكل مؤقت لتتحرَّر عقولنا من أغلال الأفكار السائدة.

وأضاف: “في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ظهرت فلسفات حديثة ضاقت ذرعاً بتلك التي كانت سائدة في ذلك الوقت والتي تجاوزت الواقع الحي، تسمى فسلفات الحياة، كما هو الحال عند نيتشه، وعند فلاسفة الوجودية أمثال هايدغر وجان بول سارتر وغيرهما، وحال الفلسفة البراجماتية مع وليم جيمس، حيث ظهر نوع من العودة إلى عالم الأشياء نفسها ومحاولة فهم الوجود اليومي”.

تعريف الفلسفة
استهل الدكتور عبدالله المطيري أستاذ فلسفة التربية بجامعة الملك سعود وعضو حلقة الرياض الفلسفية مداخلته بالتعريف اللغوي المباشر للفلسفة وهو حب الحكمة. وهي تعنى بالشغف الإنساني بالمعرفة. هذا الشغف الذي انطلق مع بداية وجود الإنسان وتطوّره مع التاريخ فأصبح هناك ما يمكن تسميته بالمنهج الفلسفي وهو طريقة التفكير الفلسفية وكذلك المضمون الفلسفي وهو مجمل الموضوعات والأسئلة والمباحث في المعرفة والأخلاق والماورائيات والجمال. والواقع أن تحديد الفلسفة هو من الصعوبة إلى درجة أنه أصبح هو نفسه مادة نقاش فلسفية.
أما المنهج الفلسفي فيقوم على التساؤل والمناقشة والجدال بالمنطق وتقديم الحجج في نسق منتظم.

تعريف التفكير الناقد
التفكير النقدي هو العناية النشطة والمستمرة والدقيقة بأي اعتقاد أو معرفة مفترضة في ضوء الأسس التي تدعمها والنتائج التي تؤدِّي إليها، وهو تعريف فيلسوف التربية جون ديوي. ولذا تهتم مناهج التفكير النقدي بأنواع المنطق، مثل: المنطق الاستنباطي، والمنطق الاستقرائي، وتصنيف الحجج، وكيفية تحديد المقدِّمات من النتائج في الحجج، وإعادة ترتيب الأطروحات، ودراسة الحيل والمفارقات، وتمييز الحجج من الدعوى، وبهذا المعنى يسمى التفكير الناقد المنطق العملي (Practical logic) أو المنطق غير الرسمي (Informal logic) إذ يستخدم الأمثلة الحياتية البسيطة في حين أن المنطق الصوري يستخدم الرموز في تفسير الظواهر.

حياة أفضل مع الفلسفة
إذاً، هل يمكن للفلسفة أن تساعدنا على أن نعيش حياة أفضل؟ وكيف؟ كان هذا السؤال حجر الزاوية في الجلسة، ومنه انطلق الوقيان ملاحظاً أنَّ كثيراً من الناس يحملون موقفاً سلبياً من الفلسفة، في الوقت الذي ظهرت فيه تطوُّرات مهمة على مستوى علاقة الإنسان المعاصر بالفلسفة مثل ظهور عيادات فلسفية على غرار العيادات النفسية، وهذا شيء غريب وجديد علينا، أن تذهب إلى فيلسوف ليحل لك مشكلاتك بدلاً من الطبيب أو المعالج النفسي. لكن لدينا ثقة بأن “الفيلسوف الأصيل” يستطيع مساعدة الإنسان الذي يعاني من مشكلات في الحياة العامة، أو في تصوّره لذاته وللآخرين وللوجود عموماً، من أن يضع نفسه ضمن سياق طبيعي معقول ومفهوم.
لتوضيح ذلك، عدّد الوقيان خمس نقاط مهمة حول ما الذي يمكن أن تقدِّمه لنا الفلسفة؟ وما الفوائد التي سنجنيها منها في حياتنا:
العيش بشكل أصيل، بمعنى أنّ الوجود الإنساني هو وجود مع الآخرين، وهي مسلّمة نبهنا إليها هايدغر الذي حاول تجاوز ما كان يقوله ديكارت من قبله، بأنه موجود ولكنه لا يدري هل العالم الخارجي موجود أم لا، وهو لا يلام على ذلك؛ لأنه استخدم منهجاً معيَّناً للوصول إلى الوجـود هو منهج “الشك المعرفي”، فقد كان هايدغر يقول إنه لا بد من البدء من مسلّمة أكيدة وهي أنني موجود في العالم وموجود مع الآخرين، ولذا فإنه يجب علينا عندما نتفلسف أن ننطلق من هذه المقولة. 

د. عبدالله المطيري
تطوَّرت الفلسفة إلى شقين: التفكير الفلسفي والمضمون الفلسفي. التعقّل هو الأساس في التفكير الفلسفي، حيث يحاول الفلاسفة تقديم حجج عقلانية للكشف عن الجوانب اللاعقلانية لدى الإنسان.

الوجود نوعان: وجود أصيل، ووجود مزيَّف. فالمزيَّف هو نوع من الوجود الاتكالي، بمعنى أن يضيق الإنسان ذرعاً بنفسه، فيكسل ويعجز، ويتابع الناس، ويذهب معهم في مذاهبهم الفكرية، يشتغل بنفس أشغالهم، وليست لديه قناعة ذاتية فيسقط في الثرثرة دون أن يكون لكلامه معنى. أما الوجود الأصيل فهو أن يتحمَّل الإنسان وجود نفسه ومسؤولية ما يفعله، وحين يتشبع الإنسان بالفلسفة فإنه يبدأ بالجنوح إلى هذا النوع. 
الوعي النقدي، الفلسفة عموماً هي علم شكّي نقدي لا يبدأ من تصورات أو مسلّمات مسبقة، بل من “وضع قناعاتنا جانباً” ولو بشكل مؤقَّت كما يقول ديكارت وأبو حامد الغزالي، بمعنى أننا لا ننكرها تماماً ولكننا نضعها جانباً لكي نرى الواقع كما هو، وليس كما يصوِّره لنا الآخرون. والشك المنهجي غير المرضي مهم جداً ويقي من الوقوع في الخرافات.

بينما تهتم مناهج التفكير النقدي بأنواع المنطق، فإن الفلسفة تهتم بالمناقشة والتساؤل والجدال بالمنطق وتقديم الحجج في نسق منتظم.

احترام الآخرين،  فالفلسفة تُعلّم احترام الآخرين إذا قرأها الإنسان وتشبَّع بها. والقراءة الصحيحة هي أن تقرأ وتتفلسف أثناء القراءة، بمعنى أن تحاجج الكاتب وتناقش أفكاره. فعدم انعزال الإنسان يفرض عليه احترام الآخرين؛ لأنهم يشكِّلون جزءاً من ماهيته.
حُب المعرفة، إذا كانت الفلسفة تقوم على إثارة الأسئلة، أكثر من تقديم الأجوبة فإنها بالضرورة ستدفع الإنسان إلى أن يواصل المعرفة وألاَّ يتوقف، وستظل كل صغيرة وكبيرة تثير عنده الأسئلة، لكن من دون الوصول إلى حالة الوسوسة، وأن يعرف كيفية طرح السؤال الصحيح إزاء الظواهر اليومية، والكون، والعالم. الأسئلة التي تثيرها القراءة الفلسفية تجعل العقل متوثباً دائماً باحثاً عن إجابة وهذا يدفع إلى الاطلاع والبحث والقراءة.
تعليم الحرية والكرامة، حيث على الفيلسوف أن يعرف ذاته بشكل جيِّد، ويعطيها قدرها من دون تعظيم أو تحقير، لأنه لن يرضى بالانحطاط إلى الحالات التي تنتهك كرامته وحريّته، إذا حمل التصوُّر الحقيقي عن نفسه وعن الآخرين.

داليا تونسي
“اهتمت الوزارة بفكرة أساسية وهي: “ما الذي سوف يُقدَّم للطلبة من خلال منهج وعادات التفكير الفلسفي التي أسميها “الإمكانات”؟

الفلسفة وعلاقتها بالتفكير الناقد
وانطلق الدكتور عبدالله المطيري في شرح مستفيض عن تلك العلاقة من خلال إعلان وزارة التعليم في المملكة أخيراً استحداث مادة جديدة يدرسها طلاب وطالبات المرحلة الثانوية، هي: “مهارات التفكير الناقد والفلسفة”. هذا الإعلان أحيا الأسئلة حول علاقة الفلسفة بأشياء كثيرة، ومن ضمنها علاقتها بالتفكير الناقد تحديداً؛ لأن الناس ليسوا على اتفاق حول هذه العلاقة، بين مَنْ يرى أنها أساسية ومهمة، وبين مَنْ يرى إمكانية تدريس التفكير الناقد من دون اللجوء إلى تدريس الفلسفة، في وقت وضعت وزارة التعليم الفلسفة والتفكير الناقد في مقرر واحد وكتاب واحد وكأنها تقر هذا الارتباط بينهما.

ضحى المعتاز

فهل هذه العلاقة موجودة فعلاً؟ وإذا كانت كذلك، فهل هي علاقة متميزة، وأفضل من أي شيء آخر؟
قال الدكتور المطيري “ثَمَّة نوعان من العلاقة تجمع بين الفلسفة والتفكير الناقد، هما: العلاقة العملية والعلاقة المفهومية. فالعلاقة العملية هي ممارسة تدريس التفكير الناقد أو تدريس الفلسفة. والفلسفة ترفع احتمالات التفكير الناقد عند المتعلّم. أما من حيث العلاقة المفهومية فهي علاقة ضرورية ولا يمكن ممارسة الفلسفة بدون النقد؛ لأن النقد جوهري في أي أطروحة، إذ لا تُعدّ فلسفية إلاَّ إذا تضمَّنت نقداً فلسفياً. وهذا ما يقودنا إلى سؤال آخر أيضاً: هل العلاقة تبادلية بين تعلّم الفلسفة وتعلّم التفكير النقدي؟ والجواب هو أنها ليست تبادلية، لأن الإنسان قد يتعلَّم التفكير النقدي، ولكنه لا يتعلَّم الفلسفة بسبب وجود منهج ومضمون خاص بها”. ويبقى السؤال: هل للفلسفة امتياز على غيرها من العلوم في تدريس التفكير الناقد؟ خلف هذا السؤال أطروحات تقول إنَّ تعليم التفكير السليم مبثوث في كافة العلوم وشرط أساسي من شروطها وبالتالي فلا امتياز للفلسفة على غيرها في هذا المجال. الجواب عن هذا السؤال حسب الدكتور المطيري هو أن الفلسفة تمتاز على غيرها من العلوم في علاقتها بالتفكير الفلسفي من وجهين: أولاً، أن الفلسفة لا تتطلب التفكير السليم فقط ولكنها تشترط أن يكون التفكير السليم نقدياً كذلك. التفكير السليم قد يحصر عمله في تطبيق القواعد المستقرة بشكل سليم ولكن التفكير النقدي يتطلَّب عمليات مراجعة للمبادئ والأسس، وهذا ما تختص به الفلسفة. شهادة الدكتوراة حسبما هو مستقر في الأكاديميا العالمية تسمى شهادة الفلسفة في مجال معيَّن. وهذا يعني أن حامل أو حاملة هذه الشهادة قد تمكّن ليس فقط من تطبيق المناهج العلمية (فهذا قد تحقق مثلاً في الماجستير) ولكنه أيضاً قد تمكن من ممارسة النقد للمبادئ والمنطلقات الأولى في مجال تخصّصه.

تعليم التفكير الفلسفي منهج يدخل في تدريس كل المواد عبر تحويل الأفكار إلى أسئلة.

ولكن يمكننا الاعتراض على النقطة السابقة بالإشارة إلى أن الفلسفة ليست العلم الوحيد الذي يدرس التفكير، فلدينا مثلاً علم النفس يدرس التفكير البشري بأنواعه وأشكاله المختلفة. هذا صحيح ولكن هناك فرق جوهري يفصل بين طبيعة دراسة علم النفس للتفكير ودراسة الفلسفة للتفكير. يمكننا القول إن علم النفس يدرس التفكير الإنساني بينما تدرس الفلسفة ماذا يجب أن يكون عليه التفكير الإنساني. بمعنى أن علم النفس علم وصفي والفلسفة معيارية. الجانب الفلسفي المعني بمعيارية التفكير هو المنطق وهنا تتضَّح الصورة أن التفكير الناقد ليس في الحقيقة إلا تدريساً للمنطق ولكن هذه المرة ليس من خلال رموز ولكن من خلال أمثلة الحياة المباشرة.

تعليم الفلسفة في المدارس
وتميَّزت مشاركة الأستاذة داليا تونسي، مؤسسة مركز بصيرة لتعليم الفلسفة للأطفال في جدة، في الجلسة بأنها كانت ضمن الفريق الذي شارك في وضع منهج الفلسفة والتفكير الناقد في وزارة التعليم. وقالت في كلمتها: “اهتمت الوزارة بفكرة أساسية، وهي: “ما الذي سوف يُقدم للطلبة، من خلال منهج وعادات التفكير الفلسفي، التي أسميها “الإمكانات”. فمقدِّمة المنهج الذي يدرسه الطلاب اشتملت على العودة إلى المنهج السقراطي الذي يختلف عن المنهـج المدرسـاني الذي يهتـم بالمحتوى الفلسفي. وهناك فروق أساسية بين الفلسفة في المنهجين. فهي في المنهج المدرساني تُعدُّ محتوى متكاملاً للتعلُّم، ودوغمائية تبدأ بنظريات كلية، وتنحصر في الأكاديميين. بينما هي في المنهج السقراطي عملية فاعلة، تبدأ بالسؤال، وهي للجميع”. 

منيرة القحطاني
إذا كان تعليم الفلسفة هو وسيلة لتحقيق هدف الارتقاء والتقدُّم والابتكار، فسيحتاج الأمر إلى منظومة كاملة تبدأ ببيئة محفّزة تعطي مساحة للإبداع والابتكار.

واستعرضت تونسي تجربة أكاديمي في الستينيات اسمه ماثيو ليبمان Mathew Lipman المعروف بمؤسس الفلسفة للأطفال Philosophy for Children، كان أستاذاً في الجامعة، وقرَّر أن يعود بالفلسفة من المرحلة الجامعية إلى مرحلة رياض الأطفال، وعمل على ذلك بذكاء شديد، حيث إنه حوّل المحتوى الفلسفي إلى عملية تفكير فلسفي، وقدَّمها في خطوات بسيطة، تُناسب المعلِّم العادي. وقالت: هذا يقودني إلى التأكيد على أن فكرة تعليم التفكير الفلسفي ليست محصورة في الأكاديميين في الجامعة، بل إنها تصلح أيضاً للتعليم العام العادي. لكننا سنواجه عديداً من التحديات الكبيرة، منها: سُمعة الفلسفة، والمحاورات المرتبطة بها، والمحتوى التعليمي وإدخاله في المناهج عموماً أم كمادة مستقلة، وعلاقة المعلِّم بالمتعلِّم. 

جانب من الحضور

أنواع مناهج التفكير الفلسفي
وتناولت تونسي مناهج تعليم التفكير الفلسفي، فقالت: “هناك ثلاثة أنواع من المناهج: نوع متمركز حول المعلِّم وهو المنهج المهتم بالمحتوى، ونوعان متمركزان حول الطالب، وهما: المنهج المهتم بالأهداف، والمنهج المهتم بالعملية التعليمية. بالنسبة للمنهج المتمركز حول المعلِّم يكون فيه  الطالب أشبه بعبوة فارغة، يمتلك المعلّم فيه سلطة كاملة، والمحتوى دائماً محدّد ومنفصل، حيث تكون مادة التعبير منفصلة عن مادة الأدب. أما في ما يتركَّز حول الطالب من المناهج التي تهتم بوضع أهداف لا منهجية، يبقى المعلّم هو من يملك السلطة الكبرى. ولذا فإن المناهج التي تتمركز حول المعلِّم تطرح سؤالاً، والإجابة عنه هي عبارة عن نفق طويل يسير فيه الطالب حتى يخمِّن إجابة محدَّدة وفقاً لما يريده المعلِّم. هذا الأمر يقودنا إلى الدراسة البريطانية التي وجدت أن المعلِّم يسأل 400 سؤال في اليوم، لكن %60 منها أسئلة إجرائية، والـ %40 الباقية أسئلة من المراتب الدنيا (مثل: من هو ومتى)، لأنه توجد أسئلة محدَّدة تسمى: أسئلة المراتب العليا حسب تقسيم العالِم لون (مثل: كيف يمكن)، وهذه أسئلة تخمينية يسألها المعلِّم بنسبة %6 فقط خلال اليوم الدراسي. هذا المنهج يٌهمل الاختبارات أو النتائج، ويهتم بما يحدث أثناء العملية التعليمية في الأخير، وهي طريقة تؤسس لعلاقة مختلفة بين المعلِّم والمتعلِّم”.

د. فارس بوخمسين

تجربة تونس مع الفلسفة
بعد ذلك، تحدث الدكتور نور الدين بن محمد السافي أستاذ الفكر الإسلامي بجامعة الملك فيصل عن التجربة التونسية، وتجربته شخصياً في تعليم الفلسفة. إذ بدأ التدريس الجامعي عام 1984م، وخاض تجارب عديدة جداً وصعبة. فقال إن في النصف الأول من القرن العشرين، تبيَّن أن مادة الفلسفة مادة أساسية في تكوين الطالب أياً كان، وأياً كان تخصصه العلمي، فوضعت وزارة التربية والتعليم التونسية المنهج الأول للفلسفة، وكان الدكتور السافي قد تعلَّم الفلسفة في فرنسا، ويتحدَّث باللسان الفرنسي. ومن حُسن حظّ جيله في ذلك الوقت أنه درس في كلية الآداب بجامعة الزيتونة على أيدي فلاسفة فرنسا.
ثم صدر في عام (1975-1976م) قانون تعريب الفلسفة في تونس ضمن موجة تعريب التعليم تعريباً كاملاً. وظهر أول برنامج متكامل للفلسفة وأول كتاب للطالب والأستاذ يتكوَّن من ثلاثة مجلدات يحتوي على نصوص الفلاسفة وملخصات الدروس حسب البرنامـج الرسمـي وقتهـا. كما كان هناك تجديد وتطوير لبرنامج الفلسفة، تضمَّن الابتعاد عن تاريخ الفلسفة ومدارسها وتوجيه التعليم إلى التفلسف نفسه من خلال مسائل فلسفية. إضافة إلى ظهور القانون التربوي الجديد للمنظومة التربوية عام 1991م، وظهور القانون التوجيهي المنظم للحياة المدرسية عام 2002م، وإعادة تنظيم التعليم في تونس وإعادة بناء برنامج الفلسفة من جديد بناءً مغايراً في التدريس وهندسة الكتاب ومحتوى المقرَّر.

كان لا بد للكتاب المدرسي في ذلك الوقت أن يتكوَّن من شيئين:
• النص الرسمي الذي يحدّد أهداف التدريس وغاياته في البلاد التونسية.
• الواقع البيداغوجي كما هو ممارس في فصول التدريـس، وكما هو ملاحـظ في العمــل اليومي عند المدرّسين.
وكان المسعى في ذلك الوقت أن تتم دراسة المدرسة الوجودية، والمدرسة الماركسية، والفلسفة الإسلامية، والفلسفة السكسونية، ويخرج الطالب عارفاً بكل المدارس الفلسفية، فقد كان الطالب يدرس الفلسفة 7 ساعات في الأسبوع.
وعرض للأهداف العامة من برامج الفلسفة في التعليم الثانوي التي تركِّز على فكرة الحرية والتحرير، وأن بلوغهما يتم بفضل ممارسة التفكير من خلال أعمال كبار الفلاسفة والمفكرين، إضافة إلى مساعدة التلميذ على الارتقاء ذاتياً من موقف عفوي إلى موقف واعٍ يسند اختياراته فكراً وسلوكاً، ويحمله على الإبداع، ويقيه التسطيح الفكري والوجداني والاستسلام إلى المجهود الأدنى. أما القدرات الواجب أن يكتسبها الطالب، فكانت كالتالي:
• تحليل المسائل من خلال النصوص.
• التعبير فنياً عن الإشكالية التي يطرحها النص.
• تبيّن طرق الاستدلال في النص.
• التأليف.
• إعادة استخدام المعارف المكتسبة والتصرّف فيها.
• التعبير وتدريب التلاميذ على أساليب الكتابة (المقال الفلسفي).

د. نور الدين السافي
“يجب تدريس قول الفيلسوف نفسه، وليس ما قيل عن الفيلسوف، ويجب أن يتعلَّم الطالب كيفية التعامل مع المصدر لا مع المرجع، وكيف يتحاور مع الفيلسوف نفسه وليس مع من كتب عن الفيلسوف”.

أنا أفكِّر

واستعرض الدكتور السافي بعض الكتب التي درس فيها أو درّسها مثل كتاب: “أنا أفكِّر” الذي يشتمل على عدد من نصوص الفلاسفة التي لا تستخدم الشرح. وذكر أن ما أفسد الفلاسفة وأعطى للفلسفة سُمعة سيئة هم الذين يدرسون الفلسفة من تاريخها وليس من أصحابها. ولذا يجب تدريس قول الفيلسوف نفسه، وليس ما قيل عن الفيلسوف، ويجب أن يتعلَّم الطالب كيفية التعامل مع المصدر لا مع المرجع، وكيف يتحاور مع الفيلسوف نفسه وليس مع مَنْ كتب عن الفيلسوف، وكمثال على ذلك هيجل هو الفيلسوف ولكن الهيجيليين ليسوا فلاسفة، وماركس هو الفيلسوف، أما الماركسيين فليسوا فلاسفة.. إلخ.

وأضاف: “قبل عام 2002م أضيف كتاب آخر خاص بالصف الثانوي الثالث، لسنة التخرج للآداب والعلوم، وهو كتاب “الحياة والتفكير” الذي يعلّم الطلاب كيفية رصد الحياة بمعناها البيولوجي الجسمي أولاً والطبيعي والفيزيائي ثانياً، ليفهم معنى الحياة والعيش والعادة، حيث يدرس الطالب كيف نسلّم بالموروث الفكري والعقلي، كيف نفكِّر في القضايا القصوى، وكيف نفكِّر في الحرب، وكيف نفكِّر في الموت، وكيف نفكِّر في المرض، وكيف نفكِّر في الألم”.
ومن ثم ذكر السافي كتاباً آخر “لا مثيل له”، مكوّناً من 800 صفحة، وكان يُدرس في 8 ساعات أسبوعياً، تم تأليفه بالتعاون مع وزارة التعليم في فرنسا، ويتناول “قضية الحياة والتفكير”. وقد ركَّز هذا الكتاب على ما يسمى بالمغالطات الفكرية الموجودة في المجتمع، وفي الفكر السائد، بمعنى كيف تفهم أن المتحدث يغالطك، أو أن ما يسمى حجة ليس حجة. 

تحسين صورة الفلسفة
واقتراحات وملاحظات عديدة

وأعقب هذه الكلمات حوار استهله الدكتور فارس بوخمسين بالسؤال: كيف يمكن لنا أنّ نحسن من صورة الفلسفة عند المجتمع، ونقنع من يشكِّك فيها وفي أهمية التفكير الناقد بدورهما في حياتنا اليومية والفكرية؟ فحصل على عدة أجوبة. إذ قال الأستاذ شايع الوقيان إن أفضل حل لتحرير العقول من الصور النمطية عن الفلسفة هو أن تقترب منها، وأن يتم تدريسهـا. بينما لفـت الدكتور عبدالله المطيري أنّ الفرصـة مهيأة اليوم للاتصال المباشر مع الناس عبر وسائــل التواصـل الاجتماعـي مثـلاً، وتقديم المنتج الفلسفي يجب أن يتم بطريقة مقنعة باعتباره تحدياً قائماً.
من جهته، بيّن الدكتور نور الدين السافي ضرورة إفهام الطالب منذ صغره أن المعلِّم ليس مصدراً للمعرفة، وإنما تبنى المعرفة في الفصل الدراسي بشكل دائري بين معلِّم ومتعلمين ووسيط معرفي هو الكتاب والتمارين وغيرها. هذا من شأنه أن يوجد جيلاً ذا عقل تربَّى على أن يكون عاملاً يُجيد التفلسف الذي هو عملية ذهنية راقية جداً.
وتساءلت ضحى المعتاز، عن تخصص ومؤهلات المعلِّم المهيأ لتدريس مادة الفلسفة التي استحدثتها وزارة التعليم والتي مكّنته من تدريسها؟

وأجابتها الأستاذة داليا تونسي بأن طريقة تعليم التفكير الفلسفي موجَّهة إلى كل أنواع المعلمين والمعلمات. والمفترض أن باستطاعة المعلِّم تطبيقها مع طلابه في معظم المواد الدراسية، فمثلاً معلِّم اللغة العربية يستخدم أدوات التفكير الفلسفي كالخروج بجمل قابلة للدحض، أو تحويل الفكرة إلى سؤال فلسفي أو تفكير مفاهيمي. ولذا، ليست المسألة أن يكون لديك محتوى فلسفي جيِّد، بل أن يكون لدى المعلِّم رغبة في تطوير نفسه، بحيث يستخدم المواد الموجودة في تعليم التفكير الفلسفي ويدمجها في المواد الدراسية الموجودة بكل سهولة.

م. عبدالله النفيعي
تعليم الفلسفة والتفكير النقدي لطلاب المرحلة الثانوية خطوة كبيرة ومهمة تتسق مع التغيرات الكبرى التي تحدث منذ إطلاق رؤية 2030.

د. فوزية البكر

واقترح الدكتور نور الدين السافي على وزارة التعليم أنّ تستثمر العدد الكبير من خريجي الجامعات السعودية في أقسام التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع، بعد حصولهم على تدريبات معيَّنة سواء في طرق التدريس، أو في بعض المحتويات الفلسفية، بحيث يكونوا مؤهلين مؤقتاً للقيام بهذه المهمة، ريثما تقرِّر الوزارة فتح أقسام للفلسفة في جامعاتها، الذي سيكون قريباً بإذن الله، وتكون الفرصة مهيأة لابن الوطن والبيئة والأرض للقيام بمهمة مخاطبة العقلية القائمة بطريقة جميلة تحقق أغراضها الفلسفية.
كما طرح الدكتور راشد العبدالكريم أستاذ مناهج طرق التدريس بجامعة الملك سعود سؤالاً حول مدى إمكانية تدريس التفكير الناقد من دون الخوض في الفلسفة. فأجابه الدكتور المطيري على ذلك بأن تعليم مهارات التفكير بمعزل عن الفلسفة يشبه سلوك من يستطع أن يسافر بالسيارة أو الدرَّاجة، فيختار الدرَّاجة بدلاً من السيارة. أما الدكتور السافي فأضاف أن أهم العلوم قامت على أيدي الفلاسفة. فعلى سبيل المثال، علم النفس أسسه الفيلسوف الألماني فونت فيلهم، وعلم الاجتماع أسسه الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت مؤسس المدرسة الوضعية، حتى إن ميلاد الرياضيات المعاصرة كان بفعل سؤال فلسفي. ومن غير الفلسفة لم يكن للرياضيات والطبيعيات والأيديولوجيا وعلم النفس وعلم الاجتماع، وعلم المناهج أيضاً أن تتطوَّر!

تجربة فلسفية شخصية
روى فارس الفرزان، وهو أحد الطلاب الجامعيين الذين حضروا الجلسة، تجربته مع الفلسفة عندما كان يدرس في المرحلة الثانوية، وقال: “كانت لدي أسئلة في مادة الفيزياء تحديداً، وكنت اُلحُّ على أستاذي بالسؤال: أنت تقول إن الإلكترون له طبيعتان فما هو الإلكترون نفسه؟ هل سأقتنع أن الإلكترون هو شيئان في الوقت نفسه؟ وكان يتحاشى الإجابة؛ لأنه كان هو نفسه متورطاً في هذا السؤال! غضبت، وبدأت أبحث عن الأجوبة، واتضح لي فيما بعد أن العلم لا يستطيع الإجابة عن السؤال. واتضحت لي أشياء كثيرة جداً، واكتشفت أهمية الفلسفة، والذي أرجوه نشر الوعي بأهمية الفلسفة، وتدريس التاريخ الفكري والفلسفي في المدارس. فأنا كنت أحاول أن أنشر بين أصدقائي ذلك”.

فارس الفرزان

وعبّر الدكتور موسى الفيفي، أستاذ تعليم الكبار بجامعة الملك سعود عن رأيه بوجوب تحديد هوية واضحة للفلسفة من خلال تعريفها تعريفاً شاملاً. وأبدى الرأي نفسه الأستاذ محمد النفيسة الذي طالب بضرورة تعريف الفلسفة، قائلاً “إن في تاريخها الإنساني ما هو أبيض وأسود”.
كما اقترحت الأستاذة منى الحمود، المشرفة التربوية بوزارة التعليم تقديم الفلسفة للطلاب في سياق تاريخي، يحفظ للطالب فكره بعيداً عن التشتت.
ورأت الدكتورة فوزية البكر، المتخصصة في السياسـات التربويـة عن اعتقادهـا بأن القدرة على فهم اللغة العربية، سيساعدنا على الفهم الفلسفي بشكل كبير.
كما أبدت الأستاذة منيرة القحطاني رئيسة قسم الترجمة في أرامكو السعودية ملاحظة مفادها أنه إذا كان تعليم الفلسفة هو وسيلة لتحقيق هدف الارتقاء والتقدُّم والابتكار، فسيحتاج الأمر إلى منظومة كاملة تبدأ ببيئة محفّزة تعطي مساحة للإبداع والابتكار!

لمشاهدة مجريات الندوة:

لمشاهدة مجريات الدورة

مقالات ذات صلة

مرّة جديدة نقف نحن العرب عند مُنعطفٍ تاريخيّ مصيريّ. المُنعطف الأوّل تجلّى، خلال القرن التاسع عشر والنصف الأوّل من القرن العشرين، في ما حمله التجديد ببعده الكوني من حوافزَ على الخروج من الوقت الذي كانت تتنامى فيه أطماعُ الدول الأوروبيّة الغربيّة بثروات بلداننا، مانحةً لنفسها الحقّ في الوصاية على أراضينا وعقولنا بذريعة أنّنا قاصرون. ففي […]

هل يمكن للذكاء الاصطناعي الذي كثر الحديــث عنــه في الآونــة الأخيرة أن يحاكي العمليات الذهنية المعقَّدة التي يمر بها الدماغ البشري لتكوين اللغة وتفكيك رموزها؟ وهل بإمكان الآلة حقاً أن تحاكي البشر لغوياً؟ وما هو أثر ذلك على لغتنا العربية؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، وبمناسبة الاحتفاء باليوم العالمي للغة العربية الذي يصادف 18 ديسمبر من […]

مرتبة المفكِّر تأتي بعد خبرة ومعرفة تراكمية عبر السنين نورا أحمد هبة – اليمن كاتبة وباحثة المفكِّر رجل غاص في بحور الفكر الإنساني من ثقافة شرقية إلى ثقافة غربية، ولديه أكثر من لغة، وهو متتبع لتاريخ الفلسفة وسياقها الحضاري، ومتعمق في تاريخ الأديان والمذاهب. ومن خلال هذا المحصول المعرفي؛ يمكنه أن يكوّن رؤية عامة كاملة […]


رد واحد على “الفلسفة في الحياة والتعليم”

  • احمل دكتوراه فى المناهج وطرق تدريس الفلسفة من مصر عملت كثير فى مبادرات مع الطلاب حول تنمية مهارات التفكير النقدى مع ورش عمل بالاضافة انى قمت بتدريس الفسفة لمدة 20 عاما كيف استطيع المساعدة والانضمام الي


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *