مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مارس - أبريل | 2019

العمل في اليوم الماطر


عبدالعزيز الزهراني

لكأنها قطرات المطر، الكلمات الحاكية عن المطر، المحاكية للمطر. لا تدري من أين تجيء، ولا أين تقع. كل كلمة تلحق أختها، كل حرف يتلو أخاه، رذاذ، ورشَاش، وهطل، ومزن، وودق، وغيث، وسيل من البهجة والفرح، وثجّ من الكلمات والتواصيف الغارقة في بحر اللغة، ونداوة التشابيه.
من ذَا لا يحبّ المطر؟
من ذَا لا يودّ أن تمطر؟ أن يتبلل طير، ويخضرّ غصن، وتزهو يمامة، وتميس وردة؟
من ذا لا يحـبّ أن تهتــز الأرض وتربــو، وترقـص طفلة وتثغو؟
كلنا مدينون للمطر بوقت أفراحنا، وذكريات الطفولة التي لا يقدر على طمرها غبار.
أمطري حيث شئتِ، سيأتينا فرحك. هذا ما يقوله الكبار والصغار، لليوم الغائم، منسك الفرحين، وشعيرة المبتهجين، ذاك الذي رأى شاعر فرنسا الكبير جاك بريفير، حُرمةَ “أن يُهدى إلى ربّ عمل”، وأن التسكّع فيه أولى.
كان سيـد البشريـة، محمد -صلى الله عليه وسلم-، يوم المطر، يضع عنه أواصر القيادة، وكلل الأمر والنهي والتوجيه، يخلع رداءه، ويخرج حاسر الصدر والرأس، يبصره الأطفال بألفة المعتاد، لكن الكبار يدهشون بملمح الإكبار، فيجيبهم -عليه السلام-: “حديث عهد بربه”.
وليس البشر وحدهم، من تغير طِباعهم سحابة عابرة قررت إمطاراً لفجأةٍ، بل ترى الجبال المهيبة، هامدة، يعلوها الجفاف، ويشقّق ملامحها الغبار، وتكسوها الوحشة، فإذا أمطرت، حسبت الجبل الشامخ حضناً كبيراً، يخاصر المدينة. أباً رؤوماً، مبلل اللحية والرأس، يضع كفه على كتف ليالي الحارات القريبة. ولكأنها أيام يسيرة، وإذ تلك الشقوق المغبرة، مملوءة أزاهير، وفراشات، واخضراراً عجيباً.
وليس هذا حكر الفرِحين، وذوي البهجة الحالمين فحسب، بل لو صادفتك ضرّاء أو خالطتك بأساء، وجعلتك شاكياً باكياً، غياب قريب أو هجر حبيب، أو لوّعتك الحياة أمراً من مكر الليالي وصـروف الأيام، ففي المطر لك مؤنس، وفي الغيم لك عزاء. تكفهرّ السماء معك، تغيم وتدمع، تختلط دموعك بالمطر، فلا يستنكر أحدٌ مرآك، ولا يعـرف أيكمـا الباكـي الشاكي، أنت البائس، أم السماء المؤازرة بكاك. كل شيء يبكي الليلة، وفي الصباح، قد يغسل المطر أحزانك فيما غسل.
كل مطر، هو ذكرى. كل مطر حكاية. في اليوم الماطر، أذكر ابتسامات جدي الراحل، الوقور الذي لا يكاد يضحك إلا نزراً، بعدما أرته الدنيا ما أرته دهراً. أذكر أي بهجة تصيب ذكريات العطش، في قلب الرجل الذي كانت القافلة تقطع به الفيافي أياماً وليالي، فلا يكاد يجد قطرة. أذكر بهجة عامل الحي المعتاد على الأمطار والإمطار في بلاده، حتى إذا جاء، لم يكد يرى في السماء غمامة، ولا ما يُظلّل يمامة، وفجأة، إذ بها تهطل، ومن فمه تتدفَّق الكلمات، بلغته التي أفقه، وبفرحه الذي أفقه ويفقه جدّي كثيراً.
هذا الطريق الذي أسلك كل يوم، تسوط ظهره العربات، وتحزّ ملامحه الأقدام، يغدو لامعاً، بهيجاً متنهداً مع كل ضوضاء إطار يعبره آن المطر. لكأنه يغسل عنه حزن الليالي، لكأنه يمسح عنه كآبة النهارات، لكأنه يستطيل، لكأنه يحيّي العابرين فرداً فرداً، لكأنه يقول للسحابة العابرة: أمطري حيث شئتِ، ففي الأرض أخوة لي، عذّبتهم الجفافات، والطرقات التي لا توصل نحو شيء.
مطر، مطر، وتهطل الكلمات، حتى لا تكاد تتوقف. كلمةً كلمة، وقطرةً قطرة، احملوا مظلّاتكم، أو دعوها، بائس من لم يبلّله يوماً مطر.


مقالات ذات صلة

للمعلّقات مكانتها الاستثنائية، ليس في تاريخ الشعر العربي فحسب بل العالمي أيضاً. ولكن من المسلّم به أن قراءة الشعر الجاهلي عموماً، والمعلّقات خصوصاً، ليست سهلة على غير المتخصِّصين. إذ إن كثيراً من المفردات والصور المجازية الواردة في هذا الشعر أصبحت موضع التباس منذ قرون من الزمن، الأمر الذي أدَّى في عصرنا إلى ما يشبه وجود قطيعة، مفهومة الأسباب ومؤسفة في الوقت نفسه، بين شباب اليوم وقراءة المعلّقات.

محمد الشافعي
مهندس بترول

أنا البحرُ في أحشائه الدرُّ كامنٌ
فهل ساءَلُوا الغَوَّاصَ عن

يلتصق هذا البيت في ذاكرتي منذ رأيت طلاباً يكبرونني يؤدونه أداءً مسرحياً، وكان قد حرص معلمهم على تجذير الشعور بالمرارة في نبراتهم.
كبرت والبيت لا يفارقني، استحضرت ما جاوره من الأبيات التي باتت تتداعى تباعاً كلما تفلّتت كلماتي العربية، من لساني الذي اعتاد غيرها.

الأميال الحجرية
تأليف: د. عبدالله القاضي
الناشر: المؤلف، 2020م
يُعدُّ كتاب الأميال الحجرية خلاصة عمل علمي وميداني طويل للدكتور عبدالله حسين القاضي، الذي أمضى نحو عشرين عاماً من العمل على اكتشاف 55 ميلاً حجرياً من الأميال التي كانت توضع على الطريق قديماً لإرشاد المسافرين. وتركَّز عمل القاضي على المنطقة الواقعة ما بين مكة المكرمة والمدينة المنورة.


0 تعليقات على “العمل في اليوم الماطر”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *