مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر – ديسمبر | 2018

العربيّةُ أيسَرُ اللغاتِ فَهْماً وحِفظاً


د. غازي مختار طليمات

أغرب ما يطالعك به دعاة التغريب ادعاؤهم أن اللغة العربيّة عسيرةٌ عصيّة، يشقّ على الطلاب فهم مفرداتها وحفظها. وبهذا الادعاء يريدون أن يُبغِّضوا أبناءنا بلغتهم وأن ينفِّروهم منها، ليقدِّموا عليها اللغات الأجنبيَّة عامةً، والإنجليزيّة خاصةً. ولما كانت الإنجليزيّة أشيع اللغات بين المفتونين بالتغريب، فإنك تستطيع أن تبرهن بالدليل القاطع على أن هذا الادعاء صادر إمّا عمَّن يجهلون طبيعة العربيّة، وإمّا عمّن يكيدون لها. ولهؤلاء وأولئك تستطيع أن تقول غير متردِّد: إن العربية من أسهل اللغات فهماً وحفظاً، إن لم تكن أسهلها على الإطلاق.
وسر سهولتها طبيعتُها الاشتقاقيّة، وفطرتُها الولود. وفحوى ذلك كله أن الألفاظ العربيّة تشبه القبائل أو العشائر أو الأسر، فكل مجموعة من الألفاظ المتحدرة من ثلاثة أحرف تشترك في الدلالة على معنى أصيل، ثم ينفرد كلُّ لفظ بالدلالة على معنى فرعيٍّ، يكتسبه من الاشتقاق، أي من صياغته على وزن من أوزان الصرف المطَّردة.
فلفظة (عِلْم) تدل على المعرفة مجرَّدة من زمن العرفان وصحابه، وطريقة تحصيله. فإذا سلكت هذه اللفظة في الأوزان الصرفيّة فقلت: (تعلّمَ وأعلمَ واستعلمَ وتعالم… إلى آخره)، وهبت كل فعلٍ من الأفعال المذكورة معنى خاصّاً. فتعلّمَ يدلُّ على تحصُّل المعرفة بالجهد، وأعلَمَ على أن شخصاً منح المعرفة سواه، واستعلَمَ طلب العلم، وتعالَمَ على ادعائه والتباهي به.
فإذا سلكت ثلاثة الأحرف السابقة (ع.ل.م) في أوزان الأسماء تحصِّل لديك (عالم ومعلوم وعلّامة وإعلام واستعلام… إلى آخره) وكل اسمٍ منها يتضمَّن معنى المعرفة، ثم يتفرَّد بمعنى فرعيّ. فالعالِمُ: الذي حاز العلم، والمعلوم: المعروف، والعلّامةْ: المتضلِّع المتفقِّه، والإعلام: تبليغ المعلومات، والاستعلام: طلبها. وهكذا تستطيع أن تحفظ كلمات كثيرة متى فهمت معنى جذر واحد، تفرَّعت منه الأغصان.
قد يُحمَلُ هذا الكلام عل مَحْمَلِ التعصُّب فيقال: ما الدليل على شرفِ النسب والحسب في ألفاظ اللغة العربيَّة، وهل يعني هذا القول ضياعَ الأنسابِ في المفردات الإنجليزيّة، فتقول: إن الإنجليزيَّة وأمثالها من اللغات الإلصاقيَّة تولِّد أكثر ألفاظها بضمِّ كلمة إلى أخرى. أو إضافة لاحقة إلى سابقة، وقد يكون أحدُ المقطعينِ يونانياً، والثانـي رومانياً، فتأتـي اللفظة المولَّدةُ مزدوجة الانتماء، مثل: Geography وAntibiotic.
وحَسْبُكَ دليلاً على هذا التحليل أن تقارن ألفاظ
أسرة عربيّة واحدة بما يماثلها من أشتات المفردات الإنجليزية. فإنك تستطيع، على سبيل المثال أن تصوغ من الجذر (ك/ ت/ ب): الكاتب والكتاب واكتتاب والمكتوب والمكتبــة والكتَّاب والمكتب… وأن تدرك معانيها إدراكــاً دقيقــاً، لأن معرفتك للأصل الثلاثي والأوزان الصرفيَّة عرَّفتك المعاني الخاصَّة بالفروع.
أمّا ما يقابل هذه الكلمات في اللغة الإنجليزيّة فمجموعة غيرُ متجانسة لا يربط بين أفرادها عرقٌ من نسب، أو واشجةٌ من قرابة، لأن كل لفظ منها تحدّر من مجهول أو مغمور، كالكمأة التي لا أشجار لها ولا أغصان. وهذه الألفاظ: كاتب: Clerk، كتاب: Book، أو رسالة: Letter، مكتبة: Library، كتَّاب أو مدرسة ابتدائية: School، مكتب: Desk.
وقد يقال: إن العرب قد ينحتون الكلمة الواحدة من بضع كلمات، فنقول: إن هذا النحت ينفي عن اللفظة الجديدة ما يشوب الألفاظ الأجنبيّة من ثقلٍ. فقد نحتوا (حَوْلَق) أو (حوقل) من قولهم: لا حول ولا قوَّة إلّا بالله، ونحتوا (بَسْمَلَ) من قولهم: بسم الله الرحمن الرحيم، فجاء المنحوت صقيلاً جميلاً، يريح اللسان، ويطرب الأُذن، ويحافظ في الوقت نفسه على أصالة الدلالة، أو يزيدها جمالاً وحركة.
أمّا الألفاظ الإنجليزيّة فإلصاق بعضها ببعض قد يطيلها إطالة تُفْنِتُ المتكلم، وتُرْبِكُ الكاتب، فلا تسوغ في فم ولا يخطُّها قلم إلّا بعد حشرجة ومشقّة. فكلمة طائفيَّة العربية تقابلها كلمة طويلة وهي: Demominationalism، فأين السهولة في النطق، والسرعة في الفهم، والدوام في الحفظ.


مقالات ذات صلة

عند مطالعة أي بحث يطمح إلى أن يقدّم لنا نظرة سريعة إلى فن الكاريكاتير، سنجده في الغالب يقول: “فن الكاريكاتير فن قديم”، أو: “الكاريكاتير صاحب الإنسان منذ فجر الحضارات”. وربما وقعنا على من يرجعه إلى ما قبل أربعة آلاف عام؛ إلى بداية معرفة الإنسان بالفن والرسوم والنقوش التي سجّلها داخل مساكنه الأولى في الكهوف، فهي تحتوي على العناصر الثلاثة التي تمثِّل المقومات الرئيسة للكاريكاتير: صورة ومبالغة وتأثير ساخر. كما قد نجد من يبرز أنه كان معروفاً عند الآشوريين واليونانيين.

عند ترشيح فِلْم “أُخرج” (!Get out) لمخرجه جودان بييل لأربع جوائز كبرى من جوائز الأوسكار وهي: أحسن إخراج، أحسن فلم، أحسن ممثل وأحسن سيناريو، برز تساؤل: “هل بإمكان أفلام الدرجة الثانية ذات التكلفة البسيطة منافسة أفلام الدرجة الأولى؟ وهل بإمكان أفلام الرعب، التي لم تُرشح غير ست مرات لجوائز الأوسكار على مدار التسعين سنة الماضية، […]

مهند شونو فنّان سعودي من مواليد مدينة الرياض، يتوزَّع اهتمامه بين الرسم وسرد القصص والتصوير، مولع بحل الحبكات القصصية المتقلبة، مثلما يهوى السفر، إذ لا يستقر في مكان إلا لينتقل إلى غيره. ويُقيم منذ مارس 2018م في كونستلرهاوس بمدينة برلين، حيث يقضي معظم وقته في محترفه الأبيض.


0 تعليقات على “العربيّةُ أيسَرُ اللغاتِ فَهْماً وحِفظاً”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *