مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
عدد خاص | سبتمبر - أكتوبر 2022

السينما السعودية بين ما تحقق والمأمول


رجا العتيبي

بين البدايات الأولى البطيئة للسينما والاعتراف الرسمي المتأخر بها، ومن ثم توفير الدعم لها، تمتد فصول حكاية تستحق أن تروى وأن نتعرف على بعض جوانبها وأوجهها بالتعريج على الماضي البعيد وتسليط الضوء على الحاضر الواعد بالكثير لصناعة السينما السعودية، التي بدورها يُنتظر منها الكثير.

تعود بدايات السينما في المملكة العربية السعودية إلى أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، وكان أوائل المستفيدين منها موظفو شركة كاليفورنيا أرابيان ستاندرد أويل كومباني (أرامكو فيما بعد)، في المجمعات السكنية التي كانوا يقطنونها. ثم انتشر الأمر إلى بيوت المواطنين الذين تربطهم بأرامكو وموظفيها علاقة صداقة أوعمل، واستمر الأمر على هذا النحو حتى بدأت أرامكو بإنتاج أفلامها السينمائية في الخمسينيات الميلادية، وتبعت ذلك محاولات لإنتاج وعرض الأفلام على أيدي عدد من الشغوفين، وتزامن ذلك مع تقبل المجتمع للأفلام السينمائية وإقباله على مشاهدتها، حتى أن الأندية الرياضية كانت تعرض أفلامًا أجنبية يقبل مرتادوها على مشاهدتها.

وطوال العقود اللاحقة، استمر الشغف بالسينما على هذا النحو، مجرد شغف، رغم كل العوائق التي اعترضتها ووقفت في طريقها، حتى العام 2018م، تاريخ صدور قرار إطلاق السينما بشكل رسمي. فأسهم هذا القرار في تسريع وتيرة العمل السينمائي، محرزًا تقدمًا ملحوظًا، وإن كان الطموح أبعد، والهمة أكبر، والمأمول أوسع.

ولا ننسى ما للمهرجانات التي باتت تُنظم بشكل سنوي، مثل مهرجان أفلام السعودية ومهرجان جدة للأفلام، من دور في دعم الحراك السينمائي المحلي وتحفيز المواهب والكفاءات السينمائية السعودية الواعدة والمقبلة على الصناعة السينمائية بشغف منقطع النظير.

السينما بين زمنين
على الرغم من الفاصل الزمني الكبير بين بدايات نشأة السينما في المملكة، وبين اتخاذ القرار رسميًّا بإطلاق العنان لها في عام 2018م، إلا أن السينما كانت قد أصبحت واقعًا معاشًا ومألوفًا خلال سنوات قليلة، والسؤال هنا هو: ما الذي تحقق في بحر هذه السنوات؟ سنوات السينما “الرسمية”، مقارنة بالسينما “غير الرسمية”خلال العقود الماضية وهل هناك مجال للمقارنة؟ أم أن لكل زمن ظروفه ولكل عصر معطياته؟

في أبريل الماضي من العام الحالي 2022م، حلّت الذكرى الرابعة لإطلاق السينما السعودية، بدءًا من صدور القرار بإنشائها بشكل رسمي. وقد وصفتها الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع بـ “النجاح الكبير” حسب موقعها على الإنترنت، وأكدت أن معدلات مبيعات التذاكر في السينما السعودية تجاوزت خلال السنوات الأربع الماضيةمعدل مبيعات التذاكر في الشرق الأوسط، إذ وصل عدد التذاكر المباعة في السعودية إلى 30,8 مليون تذكرة.

بين المتحقق كمًّا والمأمول نوعًا
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو: ترى ما طبيعة هذا النجاح؟ هل هو مجرد النجاح في أن تكون المملكة “نقطة بيع” إقليمية كبرى، أم أن له دلائل أخرى؟ سواء أبلغت مبيعات التذاكر 30 مليون تذكرة أو أكثر من ذلك.

وبما أننا في سياق الحديث عن الأرقام، فلا بد من الإشارة إلى أنه يوجد في المملكة في الوقت الراهن 56 دار عرض، و 518 شاشة في 20 مدينة، عُرض فيها 1144 فلمًا غير سعودي من 38 دولة، و22 فلمًا سعوديًّا.

صحيح أن هذا النمو “الكمي” الكبير الذي أُنجز في أربع سنوات، يؤشر على وجود طفرة اقتصادية، ويحفز المستثمرين المحليين والدوليين على الاستثمار في قطاع السينما. ولكن ما تأثير ذلك على صناعة السينما في السعودية؟ وما الذي أسس لها؟

حتى هذه اللحظة، لا يتجاوز متوسط ميزانية إنتاج االفلم السعودي مليوني ريال، وهو رقم لم تعلن عنه الهيئة بشكل رسمي، ولم تفصح أي شركة إنتاج حتى الآن عن ميزانية إنتاج فلمها، ولم تلزمها هيئة الإعلام المرئي والمسموع بذلك، ولكن الميزانيات التقديرية لإنتاج الفلم السعودي معروفة ومتداولة بين أصحاب المهنة. وما دام هذا الرقم هو أحد “المدخلات”، فماذا يمكننا أن نتوقع من “المخرجات”؟ هل نتوقع فلمًا ينافس دوليًّا، بمثل هذه الميزانية الضئيلة والمحدودة؟

هذه المنطقة هي منطقة قياس نجاح أو فشل السينما في المملكة خلال السنوات الأربع الماضية؛ فنجاحها يعتمد على حجم المدخلات ونوعيتها وشكلها، أما المخرجات التي تتلقى دومًا النقد والدراسة والبحث، فهي في النهاية مرتبطة بالمدخلات. فإذا كان الفلم ضعيفًا، فعلينا أن نوجه “النقد” للمدخلات وليس للمخرجات. وتشمل المدخلات: الميزانية، وكفاءة المخرج، وكفاءة الممثلين، وقيمة الفكرة … إلخ.

انحسار وهج السينما؟
من جانب آخر، يشير بعض النقاد إلى أن السينما جاءت في “الوقت الضائع”، إذ إنها لم تعد تحظى خلال السنوات الأربع الماضية بالقدر نفسه من حالة الشغف التي كانت تتمتع بها خلال العقود الماضية التي سبقتها، ولم تعد مثيرة للاهتمام كما كانت في السابق؛ فالناس اليوم منصرفة إلى اهتمامات أخرى غير السينما.

رغم تعدد منصات عرض الأفلام فإن الصورة ليست قاتمة، ومقياس نجاح السينما السعودية يبقى مرتبطًا بنوعية المدخلات.

المستثمرون في صناعة السينما بنوا “الجدوى الاقتصادية” على الصوت العالي الذي طالب بالسينما منذ عقود طويلة مضت، لكن هل يمثل هذا الصوت كافة شرائح المجتمع وأفراده؟ فهناك أناس مناوئون ومعارضون، كما أن الاتجاه العام حاليًّا يشير إلى “انشغالات” متنوعة لدى كثير من أفراد المجتمع تصرفهم عن الذهاب إلى دور السينما، حتى ولو ذهب أحدهم مرة أو مرتين إلى إحدى الصالات، فإن ذلك لن يكون ديدنه في كثير من الأحيان، إذ لربما آثر المشاركة في مباريات الألعاب الإلكترونية أو التزلج، أو الذهاب إلى الحفلات الغنائية أو ارتياد صالات الرياضة…

وما يستدعي الإشارة إلى ضبابية الجدوى الاقتصادية هو كثرة دور العرض والصالات التي تقدر بالمئات، وهي أعداد كبيرة قد تفوق الطلب، في ظل وجود خيارات أخرى لمشاهدة الأفلام مثل: نتفليكس، والقنوات الفضائية، والسينما المنزلية، والأجهزة الذكية، عطفًا على انشغال الناس باهتمامات فنية وترفيهية ورياضية أخرى.

ولعل ما يزيد من قلق المشتغلين والمهتمين بالسينما التقليدية أن شركة نتفليكس كمنصة عرض على الشبكة العنكبوتية، وغيرها من المنصات المماثلة القائمة على نظام الاشتراكات، بدأت في احتكار نجوم السينما لسنوات طويلة، وهذا أمر مغر جدًّا للنجم السينمائي، لأن مشاهدته ستتسع لتصل إلى كل أنحاء الكرة الأرضية في غضون دقائق معدودة، ما يجعل المشاهدين يتحولون إلى مشاهدة نجومهم المفضلين وأفلامهم المفضلة عبر الأجهزة الذكية أو عبر أي منصة عرض أخرى قريبة منهم.

من جانب آخر، ثمَّة من يلفت إلى أن الفلم السينمائي حضر بقوة بظهور القنوات الفضائية، منذ العام 1994م، واتسع نطاقها بمجيء الإنترنت العام 2000م، وأن ما جاء الآن، وتحديدًا عام 2018م، هو (دور العرض)، ومجيء دور العرض واللوائح المنظمة لها ليس سوى إضافة إلى ما سبق ليس غير. الجيل الجديد، وفق هذه الرؤية، ليس لديه هاجس السينما بمعناها التقليدي؛ فقد جاء إلى الوجود وتشكل وعيه وهو يشاهد الأفلام عبر أكثر من منصة ووسيلة، بل إن كثيرًا منهم أصبحوا منتجين ومخرجين لها، ولم يعد الواحد منهم يهتم بالفلم الأجنبي بقدر اهتمامه بفلمه الذي صنعه بيديه. وثمَّة آخرون على الرصيف الآخر لهم منتجاتهم عبر اليوتيوب تصل مشاهداتها إلى الملايين.

غير أن الصورة لا تبدو قاتمة تمامًا، بل إن هناك ما يغرس بذور الأمل في تشكيل صناعة سينمائية سعودية متقدمة تحقق لها حضورًا في المحافل والمهرجانات السينمائية العربية والعالمية على أيدي الجيل الجديد من صنّاع السينما من شباب وشابات الوطن، ممن يدفعهم شغفهم وينهض بهم طموحهم ليكون اسم المملكة حاضرًا بصورة مشرّفة في المهرجانات التي تعقد في كافة أرجاء العالم.


مقالات ذات صلة

يتخذ المعتزل هيئة البعيد عن الجماعة، رافضًا متبرئًا من خطاياها ونواقصها، يهندس عزلته ويأسه بعيدًا عن ثقافتها. وقد يبدأ من أصغر حلقات المجتمع، فيسفّه الانخراط فيها، وينأى عن مواصلة الوجود عبر سلالتها، برفض الزواج أو الخروج على الأسرة.

قبل عدة عقود من تاريخنا الوطني، وقع حدثان مختلفان في الشكل، متكاملان في الدلالة. يتحقق بُعده الفلسفي بشروط ثلاثة أساسية كلها، فلا بُدَّ من أن يكون غير متوقع، وأن يكون أثره عميقًا وشموليًا.

بداية، إن غياب القصة القصيرة عن الواجهة الإعلامية في المملكة لا يعني غيابها عن الواقع الأدبي، فهي حاضرة بقوة ومستمرة بغزارة. وفي مقابل الأسماء التي توقفت عن كتابة القصة القصيرة أو تحولت إلى الرواية، ظهرت أسماء جديدة تفوق في عددها أولئك، واستمر عدد من الكتاب السابقين في مواصلة إنتاجهم، فزاد حجم المنتج من المجموعات القصصية بصورة موازية ومقاربة لحجم المنتج الروائي.


0 تعليقات على “السينما السعودية بين ما تحقق والمأمول”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *