مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين

الذكاء الاصطناعي ومستخدمه: من يفاجئ الآخر؟


رئيس التحرير

ثَمَّة عبارة تُنسب للروائي المُعاصر كارل شرودر، المعروف بأعماله التي تتوقَّع مستقبل تقنيات الذكاء الاصطناعي تقول: “الذكاء لا يعني توقّع المستقبل، بل القدرة على تَقليل الشعور بالمفاجأة”.
في عام 1987م، نشرت مجلة “رسالة اليونيسكو” الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة موضوعاً بعنوان “عالَم الذكاء الاصطناعي الجديد” جاء في مقدَّمته: “نحن ننتقل الآن إلى عصر الآلات الذكية والذكاء الاصطناعي، ذلك الفرع من المعرفة ذي المكانة المهمة في المعلوماتية”.
وبعد إحدى وثلاثين سنة، نشرت المجلة نفسها عدداً يسلِّط الضوء على تطوُّرات الذكاء الاصطناعي، كتب فيه أربعة عشر متخصِّصاً، أشاروا إلى أن هذا الذكاء تقدَّم تقدُّماً مذهلاً، وأفرز اختراعات لم يكن أحد يتوقَّعها، وأجمعوا على أنه سوف يغيِّر المستقبل بطريقة لا يمكن التنبؤ بها بدقة. ولكن، لماذا اليونيسكو مهتمة بهذا الأمر؟ لقد أكَّد هذا العدد الأحدث أن للمنظمة دوراً حقيقياً في هذا المجال، كون تطبيقات الذكاء الاصطناعي تقع في مجال عملها، ومهمَّتها اليوم هي وضع آلية دولية لضبط معاييره.
وفي حين أن كلمة الذكاء هي تعبيرٌ مجازي ذو تعريف واسع، فإن طبيعة المستقبل غير مرئية كذلك. فهي تعتمد على تصوُّرنا لها. تبدأ مع الأفكار الجديدة التي تحتويها المختبرات العلمية والبحثية قبل أن تصبح متاحة ومألوفة، أو تستوعبها عقول الجيل اليافع الأكثر انفتاحاً والأقل اهتماماً بالقيود القائمة. ومع ذلك فإن تشكُّل المستقبل متعلِّق باختيارات الناس وأعمالهم الحالية كما يذكر مؤلِّف كتاب “خمسون فكرة عن المستقبل”. 
ومع علماء المختبرات وعقول الناشئين، ثَمَّة حالمون دائماً يتعاملون مع المستقبل مبكراً، وهنا مثالٌ واقعي عنهم: في عام 1948م، توقَّع عددٌ من الباحثين في مؤسسة راند – وهي جهة بحثية تبحت عن حلولٍ للمشكلات عبر ترجمة المفاهيم النظرية إلى تطبيقات مبتكرة باستخدام العلوم والرياضيات التطبيقية – عدداً من تقنيات الذكاء الاصطناعي الخيالية التي نرى وجودها اليوم بديهياً.
إذاً، هذه هي طبيعة مستقبل الذكاء الاصطناعي؛ أن تتعامل معه مبكراً أو أن يفاجئك! ولكن ماذا يعني تجاهله؟ ثَمَّة أمور كثيرة أصعب من الشعور بالمفاجأة بالطبع، أحدها مخاطر الفجوة الرقمية بين الدول، حين لا تتمكَّن الدول النامية من الاستفادة من مخرجات الثورة التكنولوجية الحالية والمستقبلية لا سيما من حيث الابتكار والمعرفة. ومن أجل ذلك، فإن نائب رئيس جامعة جوهانسبرغ، وهو أحد الخبراء الأفارقة في مجال الذكاء الاصطناعي، يحثُ اليوم – عبر مجلة اليونيسكو وغيرها – واضعي السياسات في إفريقيا على أن يستوعبوا أهمية الثورة الصناعية الرابعة للذود بالقارة عن دائرة الفقر ودفعها نحو مستقبلٍ أفضل. 
ونظراً لهذه الأهمية، أوضحت القمَّة العالمية للذكاء الاصطناعي التي نُظِّمت مؤخراً في المملكة تحت شعار “الذكاء الاصطناعي لخير البشرية” أن السعودية مستعدَّة لمواجهة تحديات المستقبل واستثمار فرصه الواعدة، وترى أن تطوُّرات الذكاء الاصطناعي المتسارعة هي خيرٌ للبشرية ولمستقبل أفضل للجميع. ويتطلَّب هذا الأمر أن يكون الجميع مستعدين – وعلى وجه الخصوص مستخدميه – لإمكاناته وتطوُّراته ومستقبله.


مقالات ذات صلة

يزداد تفاعل قرّاء القافلة مع موضوعاتها على شبكة التواصل الاجتماعي، إضافة إلى ما يصلنا من خلال البريد الإلكتروني، وما يشارك به القرَّاء من مقالات ورسائل يحتفون من خلالها بالمجلة وموضوعاتها. كما نشكر كل الذين تواصلوا معنا سواء بإرسال إسهاماتهم، أو بالتعليق على بعض ما نشرته سابقاً. فمع ترحيبنا بما يردنا من الأخوة القرّاء والكتَّاب من […]

الخط العربي ورقمنة المُنْتِج فتحت مجلة القافلة في عددها الفائت (مايو/يونيو 2021م) ملف الخط الذي تناوله الكاتب السينمائي إبراهيم العريس وفريق القافلة، حيث تحدّث بدايةً عن زمن الكهوف والرسومات وبداية اكتشاف الإنسان للخط، ونستطيع القول من خلال ما يوحي به هذا الملف المتميِّز، بأنه لا يمكن لإرث حضارةٍ ما أن يندثر خلف ضبابية الزمن وتطوُّره؛ […]

يصف الكاتب والشاعر الصيني الفرنسي الجنسية فرنسوا تشنغ، ترجمة الشعر في اللغة الصينية بقوله إن الفنون في هذه اللغة لا تتجزأ، إذ يمارس المترجم الفنان ثلاثة أنواع من الفنون: الشعر والكتابة والرسم. الترجمة هنا فنٌّ مكتمل، يستثمر كافة الأبعاد الروحانية للفنان من الغناء الإيقاعي والتصوير المكاني والإيماءات الطقوسية إلى الكلمات المرئية.


0 تعليقات على “الذكاء الاصطناعي ومستخدمه: من يفاجئ الآخر؟”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *