مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين

الخجل


عزت القمحاوي

من غير الممكن أن يكون ثَمَّة إنسان لم يشعر بالخجل في لحظة من حياته، فهذا السلوك البشري، أو لربما الحيلة الدفاعية، يمثِّل غريزة طبيعية وشائعة جداً، وربما يمثِّل سلوكاً محبَّذاً ومحموداً لدى بعض المجتمعات، كما يمثِّل ظاهرة عامة لا يخلو منها مجتمع أو بيت أو عائلة، فيما تُقدِّر بعض الدراسات نسبة الخجولين بين أربعين وخمسين في المئة من الناس، خصوصاً لدى شريحة المراهقين. وهذا يعني أن الخجل ظاهرة اجتماعية، وهي ليست بشرية فحسب، بل تشمل حتى الحيوانات وبعض أنواع النباتات أيضاً.
ومن الملاحظ أن ثَمَّة اهتماماً متزايداً بموضوع الخجل ومعرفة مسبِّباته، وهناك ارتباط بين تصاعد الاهتمام بالخجل وتصاعد معدَّلات العزلة الاجتماعية في عصر الاتصالات الذي نعيشه، فالخجل يوصف بأنه مرض المدنية الحديثة، إذ لا يشكِّل معضلة لدى المجتمعات التقليدية أو القبلية، حيث الأواصر القوية والمترابطة والشعور بالقبول والانتماء وتزايد فرص اللقاء والمواجهة مع الآخرين.

في ملف هذا العدد، يأخذنا الروائي والكاتب عزّت القمحاوي، لنسبر أغوار هذا السلوك الإنساني، ونتعرَّف على مظاهره وبعض من مسبِّباته، كما نتعرَّف على آراء متباينة في تشخيصه وكيفية النظر إلى صاحبه، وكيف تعاطى معه الروائيون والشعراء، بل إننا سنتعرَّف على هذه الظاهرة لدى بعض الحيوانات وأصناف من النبات.

الخجل، واحدة من الكلمات المألوفة في حياتنا اليومية، وهذا أمر طبيعي جداً، ففي دراسات مسحية حول ظاهرة الخجل، تراوحت نسبة الخجولين في العيِّنات المبحوثة بين أربعين وخمسين في المئة، خصوصاً لدى شريحة المراهقين.

ومن غير الممكن أن يكون هناك من لم يشعر بالخجل في لحظة من حياته، وكلما تكرَّرت مثل تلك اللحظات يُصنِّف الفرد نفسه أو يصنِّفه الآخرون بالشخص الخجول أو شديد الخجل، أو شديد الحياء، على ما بين مفهومي الخجل والحياء من فروق.

هذه الظاهرة ليست بشرية فحسب، بل تشمل الحيوانات وبعض أنواع النبات، فحيثما وُجِدت الحياة، وُجِد الحياء. وقد رصد الأدب ظواهر الحياء والخجل مبكراً، مثلما نرى في روايات جين أوستين على سبيل المثال، خصوصاً فيما يتعلق بالشخصيات النسائية، بينما لم يلتفت العلم إلى هذه الظاهرة ويصنِّفها مرضاً إلا في وقت متأخر، حيث توقف دارون أمام الظاهرة في نهايات القرن التاسع عشر، وكان هناك عدد محدود من الدراسات في أربعينيات القرن العشرين، ولم يتصاعد الاهتمام به سوى في بداية الثمانينيات، وصار مجالاً للبحث في حقول علم النفس والاجتماع وعلوم الوراثة والطب، وهذا الاتصال مع علوم مختلفة أحد أسباب الخلافات الكبيرة حول مسببات ونتائج وعلاجات الخجل، لكنه أصبح محل جدل أكبر مع نهاية التسعينيات، بعد أن بدأ تسويق عقار لعلاج الخجل باعتباره مرضاً فسيولوجياً.

الظاهرة مراوغة في أسبابها وتوصيفها، ومن الطبيعي أن يكون تاريخها مراوغاً كذلك، لكنه تاريخ عصري، فبوسعنا أن نلحظ الارتباط بين تصاعد الاهتمام بالخجل وتصاعد معدَّلات العُزلة الاجتماعية في عصر الاتصالات. يرى راي كروزير أن زيادة الفردية وانخفاض وضعف الجوانب الاجتماعية لم يؤدِّيا إلى زيادة عدد الخجولين فقط، بل هناك من الدلائل ما يشير إلى أنهما سبب زيادة انتشار الرهاب الاجتماعي (الخجل، ترجمة أ. د. معتز سيد عبدالله – عالم المعرفة، مارس 2009م).

هو مرض المدنية الحديثة على أية حال، فعلى الضد من ذلك لا يشكِّل الخجل مشكلة كبيرة في المجتمعات التقليدية ولدى القبائل القديمة، حيث تتزايد فرص اللقاء مع الآخرين في المناسبات الاجتماعية وطقوس التنسيب، مثل احتفالات السبوع والأعراس التي تجعل الإنسان يألف الوجود وسط جمع كبير من الناس، ويعتاد عدم تهيُّب المناسبات التي يكون فيها بؤرة الاهتمام، وتلك التي تطالبه باجتياز عقبات بالغة أمام الآخرين كشرط للاعتراف بدخوله طور الرجولة، وهو طقس تمارسه بعض القبائل. يتماشى هذا الاستنتاج مع ملاحظة دارون، حيث يستبعد تعرض الشخص للخجل عند التفاعل مع أشخاص يعرفهم جيداً، ويكون على ثقة بأنه موضع قبولهم أو حبهم.

في الأصل والفصل
يتماس الخجل مع الحياء، وتحل إحدى الكلمتين محل الأخرى في استخدامنا اليومي والأدبي، لكن هناك فروقاً بينهما، فالحياء حالة تلازم الإنسان حتى في وحدته ويُنظر إليه في الغالب بوصفه طبعاً محبباً. كان الكاتب الصحافي الساخر جليل البنداري يصف حياء وأدب أماني ناشد، التي كانت نجمة في بدايات التلفزيون المصري، بأنها كانت تطرق دُرج/جارور مكتبها وتستأذنه قبل أن تفتحه!

صورة الحياء ألصق بالنبل وفضائل السلوك كافة، بينما الخجل سلوك اجتماعي يظهر عند مواجهة جمعٍ ما، ويعتقد البعض أن اليأس وشعور الإذلال الذي يُخلِّفه يمكن أن يدفع الشخص الخجول إلى العنف إذا ما واتته الفرصة. هناك من يتحفظ على ذلك الاستنتاج، لكن من يراجع سِيَر حياة كثير من أعضاء الجماعات المتطرفة سيكتشف أن نسبة كبيرة منهم يعانون من الخجل وأنواع أخرى من الإذلال (الفقر والعيش على الهامش كحال المهاجرين المسلمين في الغرب).

مظاهر جسدية
للخجل مظاهر جسدية ظاهرة يمكن أن يلاحظها ويتعرَّف عليها الجميع، ولا تبتعد هذه المعرفة عن التعريف العلمي الذي استقرَّ بين الباحثين باعتباره نوعاً من الكف السلوكي البالغ، عندما يجد الشخص الخجول نفسه بين الآخرين، وتبدو عليه علامات ظاهرة لا يمكنه التحكم فيها مثل احمرار الوجه والتلعثم في الكلام والارتجاف، وربما صدور بعض حركات غير مبرَّرة عن الجسم.

وهذا يعني أن الخجل ظاهرة اجتماعية، تحدث في وجود الآخرين، ولكن آثارها تمتد بعد انقضاء المناسبة، وعادة ما تستدعي مشاعر سلبية أخرى ثقيلة كالندم وتأنيب الذات: لقد كان بوسعي أن أتحدث بشكل أكثر لباقة، ما أعرفه أكثر كثيراً مما تمكنت من التعبير عنه، لماذا لا أتحكم في مشاعري هكذا؟ ثم هنالك الإحساس القاسي بأنه تعرَّض للإذلال. وتسوء الأمور أكثر إذا ما تعرَّض لتعليقات تنمُّر مباشرة في لحظات المواجهة.

والغريب أن تنبع دوافع الخجل من مصدرين متناقضين تماماً، الإحساس بالدونية الذي يجعل الإنسان يشعر بأنه متطفل غير مرغوب فيه، والتقدير المبالغ فيه للذات الذي يجعل الشخص قلقاً، بسبب حرصه على ألا يبدو بصورة سلبية وغير مقبولة، أو أن يخلّف انطباعات أقل إيجابية مما يريد أن يتركه في الآخرين. وإذا ما بحثنا عن جذور هذين الدافعين المتناقضين في التربية، فالإهمال والنبذ والإهانة في الطفولة تصنع النوع الأول من الخجل، بينما يؤدي الحنان الزائد والحماية العالية إلى زيادة تقدير الشخص لذاته، ما يجعله يخشى التواصل مع غرباء لا يضمن ولاءهم وحبهم الكامل.

نوعان من الخجل

وفي دراسة أجراها أرنولد باص، في عام 1988م، يميّز بين خجل الخوف وخجل الشعور بالذات، ويحدث النوع الأول عند وجود الشخص في مواقف اجتماعية غير مألوفة، ويظهر في مرحلة مبكِّرة، ويؤدي إلى الكف السلوكي وتجنُّب الغرباء، والنوع الثاني يحدث في المواقف الرسمية التي تُنتهك فيها خصوصيات الفرد، وعندما يُمعن الشخص النظر إلى ذاته مدركاً إياها بأنها متميزة عن الآخرين، ولهذه النظرة جانبها الارتقائي، حيث يلزم الشعور بالذات إمكانات معرفية مميَّزة. ويشير كروزير إلى نتائج دراسة أجراها شيك وكرازنوييرا عام 1999م خلصا فيها إلى نوعين من السلوك يحتمي بهما الخجول، الأول هو الكف السلوكي والصمت وتجنب المواقف الاجتماعية، والنوع الآخر هو الخجل الاعتمادي الذي يقود إلى مسايرة الآخرين والإذعان لما يريدون والحيادية.

تحاشي المواقف الاجتماعية من احتفالات ولقاءات في الفضاءات العامة هو الخيار الأول للخجول، لكن ضرورات الحياة تفرض على الخجول التعامل مع الآخرين في مجال العمل وعند قضاء حوائجه التي يلزمها التواصل مع الآخرين، وعند ذلك يلجأ إلى الخيار الثاني بأن يميل إلى سلوك دور الشخص السلبي الحيادي.

الوراثة والبيئة
يمكن ملاحظة استعداد الرضّع للخجل، فبعضهم يصاب بالهلع عندما ينظر إلى وجوه غير مألوفة له، والبعض بوسعه أن يتقبَّل الانفصال عن أمه والاستجابة ليد أخرى تمتد إليه، وهناك عديد من الدراسات التي تؤكد أن الصراعات التي تنشأ بين الطفل ووالديه في بداية حياته تؤثر في استعداده لكي يصبح راشداً خجولاً. ومن المهم أن يحاول المربُّون مساعدة الطفل على الارتقاء المعرفي بتقديم الألعاب المناسبة لسنِّه وتخصيص وقت لمشاركته اللعب، ويعتمد الأمر كذلك على سرعة تلبية الوالدين لمطالب طفلهما والتعامل بكفاءة مع احتياجاته، وأثبتت الدراسات أن التسلطية الشديدة على الطفل وضعف الحساسية لمتطلباته وإظهار الكراهية والمواقف السلبية منه تُعدُّ من المحدِّدات المهمة للخجل.

لكن اختلاف التربية وحده لا يجعل من شخص ما خجولاً وآخر جسوراً، بدليل أن هذه السِّمة لا تشمل أشقّاء تعرَّضوا لظروف تنشئة واحدة. وهنا كان لا بدّ من التفكير في العوامل الوراثية إلى جانب العوامل البيئية.

الخجل موروث؟
تعود دراسات الأسس البيولوجية للخجل إلى العام 1988م، وأثبتت بعض الدراسات وجود علاقة بين أنواع من الجينات والخجل والوسواس القهري، لكن الأمر بحاجة إلى مزيد من الدراسات. ولأن المولود يرث نصف صفاته الوراثية عن الأب والنصف الآخر عن الأم بشكل عشوائي، فإن تطابق الأشقاء غير وارد، بما في ذلك التوائم التي تولد من بويضتين، وليس من بويضة واحدة منقسمة والتي تكون فرص تشابهها كبيرة.

وتعتقد تاليا إيلي أستاذة علم الوراثة السلوكية في كينجز كوليدج في لندن، أن الوراثة مسؤولة عن %30 فحسب من صفات الخجل الوراثية، والبقية من عمل البيئة. وتتسع كلمة البيئة لتشمل البيئة الاجتماعية بما توفره من درجات الأمان والرفاه والتواصل، كما تشمل الظواهر الطبيعية من الطقس وخلافه. وقد تابع العلماء الظاهرة اعتباراً من الطفولة المبكرة، وهناك دراسة تقهقرت إلى الأجنَّة في طور النمو وأثبتت أن نسبة ساعات النهار إلى الليل أثناء الحمل لها دورها، حيث تزداد فرصة الخجل لدى الأطفال الذين قضوا شهور الحمل في بلاد طويلة الليل. شملت الدراسة عيِّنات من مواليد حمل شتوي وصيفي، وكشفت عن زيادة فرص الخجل بنسبة %1.52 لدى الأطفال الذين تعرَّضوا لأطوال نهار قصيرة خلال أشهر الحمل. وهناك دراسات تربط بين الوزن عند الولادة والخجل، حيث يكون مواليد الأوزان المنخفضة أكثر عرضة للحذر والخجل، مع ذلك يتحفظ الباحثون، ويعُدُّون أن هذه الفرضية يجب أن تكون محل دراسات جديدة!

إمكانات العلاج
ليس من المستحيل علاج الخجل أو التقليل من آثاره الضارة، البعض يفضِّل سلوك الطريق الدوائي، حيث تستهدف حبة الدواء الناقلات العصبية في المخ لتجعل أولئك الذين يعانون من الشلل النفسي يعودون إلى الحياة من جديد، على حدِّ ما نشرته صحيفة الديلي ميل في 23 يوليو 1999م.

ويصف الأطباء أدوية القلق في معالجة من يعانون الرهاب الاجتماعي، حيث تقوم مضادات بيتا بكف نشاط الأدرينالين والنورأدرينالين المسؤولين عن المظاهر الجسدية للقلق، من إفراز للعرق وسرعة ضربات القلب، لكن الأغلبية من العلماء تعارض العلاج الدوائي وتحفِّز التدريبات السلوكية والمعرفية، أي من خلال تغيير مفهومهم عن ذواتهم، ومقاومة استنتاجاتهم الخاطئة بشأن نظرة الآخرين لهم.

وهناك طريقتان للعلاج التدريبي أولهما المَنْحَى العقلي، ويعتمد على تحديد المفاهيم والمعتقدات الخاطئة لدى المريض وكشفها وإخراجها في النور بغية تعديلها. ويتم ذلك من خلال تشجيع المريض على الملاحظة الدقيقة لتسلسل الأفكار والمشاعر التي تجري في نفسه لحظة المواجهة وتؤدي به إلى الإحساس بالقلق، ومن ثم القيام بالاستجابة القلقة طبقاً لذلك، وجعله يحاول استبعاد تلك الأفكار والمشاعر.

وهناك ثانياً المنحى السلوكي من خلال تدريب الشخص على كيفية التعامل في المواقف المختلفة، من خلال تعويده على التعبير عن نفسه والاندماج مع الآخرين في حلقات تمثيل “السيكودراما” أو إعداد مواقف مشابهة للمواقف التي يخشاها الشخص ودفعه إليها بحيث تُفضي إلى نتائج تثبت له خطأ تصوراته عن نفسه وعن استقبال الآخرين له. ومن لا يتعلَّم من التدريب تُعلِّمه الحياة، حيث تفرض الأدوار الاجتماعية المستجدّة نفسها وتُجبر الخجول على التكيف معها، وتؤثر إيجابياً، على سبيل المثال ما يحدث للمرأة الخجول بعد الإنجاب إذ يتعيَّن عليها أن تحمي طفلها وترعاه.

عزيزي الخجول
لا تقلق..

لا يخرج بحث بيولوجي أو نفسي إلا ويجد ما ينقضه، والأمر كذلك لدى باحثي الاجتماع. في كتابه “الخجل.. كيف أصبح السلوك الطبيعي مرضاً – مطبعة جامعة ييل 2007م‮» يستنكر كريستوفر لين اعتبار الخجل وغيره من السلوكيات البشرية أمراضاً بيولوجية تستدعي العلاج الكيميائي من أجل ترويج تجارة الأدوية. ويحمل على الطريقة التي يصفها بغير العلمية والمتعسفة التي تم بموجبها تعديلات واسعة النطاق على “الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية DSM” المشهور باسم الكتاب المقدَّس للطب النفسي، وتحتكم إليه يومياً المحاكم والسجون والمدارس الأمريكية. ويكشف الكاتب اللعبة التجارية وراء التهويل من شأن الخجل. في العام 1999م اعتمدت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية دواء باكسيل لعلاج اضطرابات القلق الاجتماعي، رغم التفكير في وقت سابق في تعليقه بسبب فعاليته المحدودة وعدم كفاية الدراسات حول أعراضه الجانبية، ولكنه خرج مع ذلك إلى الأسواق وأطلق صانعوه حملة إعلانات قيمتها 92 مليون دولار، وكشف لين عن مذكرة بين المديرين التنفيذيين في الشركة المنتِجة تكشف أن عديداً من المعلومات حول السجل السيئ للدواء حُجبت عن الجمهور. وفي مقابلة مع مجلة Advertising Age قال منتج العقار: حلم كل مسوِّق هو العثور على سوق مجهولة وتطويرها.

نظريات متباينة
من حُسن الحظ أن الآراء حول الخجل صارت أكثر تنوّعاً الآن. في الماضي نظر دارون للخجل باعتباره حالة ذهنية غريبة لا تقدِّم أية فائدة للجنس البشري، كما اعتبره الكاتب آرثر سي بنسون صفة شريرة يجب اقتلاعها، معتبراً أنه شكٌّ بدائي بالغرباء، مشيراً إلى أن الخجول يمكن أن ينخرط في عدوان وحشي على أشخاص لم يتسببوا له في أية إهانة، والحل برأيه أن يحاول الخجول أن يكون لطيفاً ويتساءل عما يحب الآخرون.

اليوم، ترفض عالِمة الاجتماع سوزي سكوت النظر إلى الخجل باعتباره مرضاً فردياً، وتَعُدُّه مشكلة المجتمع بقدر ما هو مشكلة فرد، وبقدر ما نطالب الخجول بالتكيف مع حاجات المجتمع، يجب أن يتكيف المجتمع مع حاجات أولئك الأشخاص الرائعين الأكثر حساسية والأجمل من الآخرين.

وطبقاً لنظرية التعلُّم الاجتماعي، يواجه الخجولون صعوبات في التعلُّم نظراً لعدم رغبتهم في التعامل مع معلميهم وأقرانهم، بينما يعتقد توماس بينتون أن ميل الخجولين إلى النقد الذاتي وقدرتهم المميَّزة على الإنصات يجعلهم متفوقين في أغلب الأحوال.

من جانبه يقدِّم جو موران مرافعة هادئة لصالح الخجل في كتابه “انكماش البنفسج” Shrinking Violets يقول فيها إن ذلك الانطواء يمكن أن يكون هبة عظيمة، ويقدِّم مرافعته من خلال المزاوجة بين علمي البيولوجيا والاجتماع والتاريخ الاجتماعي والأدبي، مؤكداً أن الانطوائيين يمكنهم أن يُنجزوا ما لا يمكن للمنطلقين أن يحققوه خصوصاً في مجالات الإبداع. ويقدِّم عرضاً لعدد من السِيَر الذاتية لمبدعين كبار عاشوا تحت تأثير الخجل. وعلى سبيل المثال فإن أغاثا كريستي، كاتبة الروايات البوليسية المخيفة على الورق، كانت خجولة بشكل يسبِّب لها الألم، كذلك كان شارل ديغول خجولاً برغم أدواره القيادية الجبارة، كما كان قنصل روما القديمة ومعلِّم شيشرون لوسيوس ليسينيوس كراكسوس خجولاً، لكن خجل أوليفر ساكس، الطبيب والكاتب الإنجليزي الذي قضى حياته في الولايات المتحدة كان حالة نادرة، فلم يَرَ كتابه الأول النور، لأنه أعار مخطوطته الوحيدة لزميل انتحر، ولم يستطع ساكس الخجول جداً طلب المخطوطة من زوجة المنتحر!

الخجل شرقاً وغرباً

تختلف النظرة الغربية للخجل عن النظرة الشرقية اختلافاً كبيراً، ويعود ذلك إلى البنية الاجتماعية والثقافة السائدة في الحالين. في المجتمع الأكثر فردية هناك اهتمام بقوة الفرد وثقته بنفسه، يتم النظر إلى الخجل باعتباره خللاً في وظيفة الفرد الاجتماعية. ونظراً لتقدير المجتمع الغربي للصراحة في إبداء المشاعر والمواقف يُساء فهم الشخص الخجول، ويُنظر إليه باعتباره متعجرفاً وبارداً.

على العكس من ذلك يميل المجتمع الشرقي إلى توجيه جهود الفرد نحو الجماعة، لذلك يتم تقدير الخجل بوصفه منظماً سلوكياً يجعل الفرد يتناغم مع قِيَم الجماعة، ويُعدُّ ميزة أخلاقية، كما يتم النظر إلى الخجول باعتباره شخصاً رزيناً يجيد الاستماع ويفكِّر جيداً قبل أن يتحدث.

في دراسة شملت أطفالاً من كندا والصين سعى الباحثون إلى قياس علاقات الأقران والسمعة الاجتماعية عبر استبيان يقيِّم فيه الأطفال أقرانهم من خلال محدَّدات متعدِّدة بينها الخجل. وجاءت النتيجة على طرفي نقيض، كانت حساسية القلق مقدَّرة سلبياً لدى الكنديين وإيجابياً لدى الصينيين.

هذا الاختلاف في النظرة يجعل الخجول الغربي أقل حظاً من الشرقي، النظر إليه كمتعجرف يؤدي به إلى مزيد من التثبيط ومزيد من العُزلة، بينما يُنظر إلى الخجول الشرقي بوصفه أكثر اتزاناً وأكثر قدرة على التفوق، خصوصاً الأطفال الذين ينالون ثقة معلميهم بأن فرصهم أكبر في التفوق.

الشعر يومئ
في الشعر العربي، طالما كان الخجل نوعاً من مكارم الأخلاق لدى الرجال، وتاجاً للجمال ورفعة للنساء، نلحظ إكبار الخجل ابتداءً من العصر الأموي، أي من بداية تشكُّل مجتمع المدينة بمعناه الحديث، المجتمع الأوسع من القبيلة. والحياء شُعبة من شعب الإيمان، في حديث رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم -.

وهذا الإمام الشافعي يقول:
الناس بالناس مادام الحياء بهم
والسعد لا شك تارات.. وهبات

ويرى العرجي، الأموي الحياء صوناً عن القبيح:
إِذا حُرِمَ المَرءُ الحَياءَ فَإِنَّهُ
بِكُّلِ قَبِيحٍ كانَ مِنهُ جَديرُ

بينما يعلن دعبل الخزاعي، العباسي حيرته، كيف يحتفي بضيفه ليخرجه من خجله:
كَيفَ اِحتِيالي لِبَسطِ الضَيفِ مِن خَجَلٍ
عِندَ الطَعامِ فَقَد ضاقَت بِهِ حِيَلي
أَخافُ تَردادَ قَولي كُلْ فَأَحشِمَهُ
وَالصَمتُ يُنزِلُهُ مِنّي عَلى البَخَلِ

ويحظى الخجل المتوِّج للجمال بالمنزلة الكبرى في الشعر العربي، يصف أبو نواس علامات الحياء المحبب:
وَمُتَرَّفٍ عَقَلَ الحَياءُ لِسانَهُ
فَكَلامُهُ بِالوَحيِ وَالإيماءِ
لَمّا نَظَرتُ إِلى الكَرى في عَينِهِ
قَد عَقَّدَ الجَفنَينِ بِالإِغفاءِ

وعند الأندلسيين، في المجتمع العربي الأكثر انفتاحاً، يزداد تاج الحياء قدراً، فهذا أبو الفضل الوليد:
من حمرةِ الوردِ أم من حمرةِ الخجلِ
هذا المقبّلُ بين الشوقِ والوجَل
قولي أخِفَّةُ هذا المشي في خفرٍ
من طفرةِ الظَّبي أم من دَرجةِ الحجل
لا تعجَبي إن غزلتُ اللطفَ من غَزَلي
إني لآخذُ أشعاري من الزَّجل
ما جئتُ ألمسُ كفّاً أو أُقَبِّلها
إلا رأيتُ عَليها زلةَ العجل
الحبُّ في الوصلِ لذاتٌ لها أجَلٌ
وفي التَّشوُّقِ لذاتٌ بلا أجَل

في مقارنة ابن الوليد للذَّات الوصل التي تنتهي مع لذَّات الشوق التي بلا نهاية يُذكرنا بالشعراء العذريين الذين أهداهم الخجل خلوداً.

خجل الياباني
كما العرب، يستنجد اليابانيون بالإيماء والمجاز لقول ما لا يجب أن يقال صراحة. نلحظ ذلك الالتفاف في الرواية والسِيَر الذاتية والأفلام بشكل كبير، نذكر على سبيل المثال سيرة يوكيو ميشيما المعذبة “اعترافات قناع” التي نشعر فيها بمعاناته بينما يستعين بكل أشكال الإخفاء للحديث عن رغباته الجنسية، ويمكننا تأمل الخجل نفسه في رواية جونيشيرو تانيزاكي “اعترافات خارجة عن الحياء”. ويبدو أن لكلمة “اعتراف” سطوتها في مجتمع كثير التكتم.

وقد شاء غابرييل غارسيا ماركيز أن يضع أمامنا المقارنة بين الشرق والغرب عندما كتب روايته “ذكريات غانياتي الحزينات” في تتبع لخطى ياسوناري كاواباتا في “الجميلات النائمات” وعلى الرغم من الاشتراك في الموضوع، فالتناول مختلف تماماً بين الكاتبين، من حيث الإيماء والتخفي وراء المجاز لدى كاواباتا مقابل صراحة الحسية لدى ماركيز.

دوستويفسكي..

في الرواية الأولى لدوستويفسكي “الفقراء” نرى نوعاً من الخجل مصدره الإحساس بالعجز، وسيظل ذلك النوع من الخجل ملمحاً عاماً في كتابته حتى النهاية.

كتب دوستويفسكي روايته الأولى في شكل رسائل بين موظف كهل فقير هو ماكار دييفوشكين، وشابة شديدة الفقر تسكن بالقرب منه هي فرفارا دوبروزيولوفا، بينهما نوع خاص من الحُبّ لا نجده سوى في روايات دوستويفسكي، فالحُبّ عاطفة من التضامن والتضحية المتسامية فوق طبائع البشر، كلا الحبيبين يشعر بالخجل من فقره ويضحِّي من أجل الآخر ويسليه بحكايات عن زملاء في السكن أكثر فقراً.

تحكي فرفارا لماكار عن بوكروفسكي، الرجل الهرم الذي يأتي أحياناً لزيارة ابنه باتنكا الذي يعيش في كفالة صاحبة البناية بسبب فقر الأب المسكين، وتصفه لماكار هكذا: “يوحي إلى من يراه من أول نظرة أنه خجل من شيء ما أو أنه مرتبك بنفسه ضيِّق الذرع بشخصه، فكأنه يُجعِّد جسمه ويلويه عامداً حتى لا يراه أحد” – (الفقراء، ترجمة د. سامي الدروبي).

وفي “الجريمة والعقاب” يعود إلى وصف التعبير الجسدي للخجل من الوجود الذي وصفه في “الفقراء”، فكان راسكولنيكوف ينكمش تلقائياً ويتحدَّب ظهره كلما نزل إلى الشارع. كان طالب الحقوق المنقطع عن دراسته يعاني فقراً شديداً، يعيش على ما ترسله والدته من عائد عمل شقيقته خادمة، وتتعرَّض للتحرش من السادة.

قبل “الجريمة والعقاب” كان قد كتب رواية كاملة لتقليب وجوه تلك الرغبة في الاختفاء، وهي بدورها ليست رغبة بسيطة خاملة، بل مشاعر نشطة متناقضة بين الخجل من الوجود والرغبة بالوجود! بطل رواية “في قبوي” شخص وجودي عازف عن الحياة، لكنه عزوف العاتب، لأنه يحبها على نحو ما ويحب أن يكون موجوداً. تريحه العزلة، لكنها تُشعره أحياناً أنه مجرد حشرة لا يشعر بها الكوكب الصاخب، فكان يغادر قبوه بين الحين والحين، يتمشى في الشارع ليرى البشرية المقيتة الحبيبة عن قرب، ويشعر بمعنى ما أنه موجود.

ذات يوم يتطلع إلى نافذة حانة، فيرى بالداخل معركة بعصي البلياردو، ويرى ضابطاً يحمل أحدهم ويلقي به من النافذة إلى الشارع، فيفتنه المشهد، ويتمنى أن يحظى بمثل ذلك الغضب. وهكذا يقرِّر أن يتسلَّل إلى مكان المعركة، ويتسكع أمام الضابط المعتدي فإذا به يتجاهله، أو تقريباً لم يشعر بوجوده. ويحس البطل المعتزل بالإهانة الشديدة لهذا التجاهل، فيجمع المعلومات عن الضابط، يعرف أماكن سهره ومواعيد تريضه، ويواظب على التقاطع معه ويفتعل الاصطدام به أكثر من مرَّة، لكن الضابط يتفاداه في كل مرَّة دون أن ينتبه إلى وجوده، فيعزو ذلك إلى رثاثة مظهره الذي يجعله غير موجود بالنسبة للآخرين، فيعمد إلى اقتراض المال وتغيير ياقة فرو الفأر في معطفه بياقة كاستور ألماني لكي يبدو شخصاً ذا حيثية، ويراه الغريم الافتراضي، ولكن دون جدوى.

دوستويفسكي المستكشف الأعظم للمنابع البعيدة لأنهار القلوب لا يعرف المشاعر البسيطة. كل شعور يستدعي نقيضه، ثم تستدعي هذه المواجهة بين الضدين شعوراً أو سلوكاً ثالثاً يستدعي بدوره نقيضاً. الحُبّ يستدعي الكراهية، ثم يحيل إلى التضحية التي تصبح وجهاً آخر للإهانة، وهكذا!

نرى مشاعر مرَّكبة من الحُبّ والبُغض لدى متلقي الإحسان تجاه المحسن إليه. تعي فرفارا أن قريبتها، التي آوتها وأمها، لم تفعل ذلك إلا كي تهينهما، وكي تتباهى بإحسانها إلى قريبتين فقيرتين أمام معارفها، لكنها في لحظة أخرى تقدِّر إحسان تلك القريبة. يعود الكاتب لاختبار تلك المشاعر المتناقضة تجاه الإحسان في “مذلون مهانون” عبر علاقات مركَّبة، أبرزها علاقة الطفلة صونيا بالراوي الكاتب إيفان بتروفتش. لقد تأثر الكاتب بشدة لوضع الطفلة الصغيرة التي صارت وحيدة بعد أن فقدت أمها ثم جدها، أنقذها من مخدومة تعاملها بوحشية وأخذها لتقيم معه. وصلت الفتاة محمومة قريبة من الموت، ومع ذلك تشعر بخجل شديد كونها عالة وتقوم وسط مرضها تنظف الغرفة وترتبها، وظلت عصبية طوال الوقت، تبدي له مشاعر تتناقض بين الحُبّ والكراهية، الامتنان والثورة دون سبب، ولم يكن من السهل عليه فهم تقلبات الصغيرة التي تنبع من إحساسها بالإذلال تجاه مساعدته وتريد أن تكون نافعة في كل وقت.

دوستويفسكي الذي وصل إلى أبعد نقطة مظلمة في الإنسان نفسه وضع أيدينا على نوع من سلوك الخجولين يختلف تماماً عن سمات الخجل التي يصفها عِلم النفس: الصمت واحمرار الوجنتين وارتباك الخطو والكف عموماً عن المبادرة!

الخجول لدى دوستويفسكي نشط، صاخب، يسعى إلى التصعيد حتى يجعل من الإذلال الذي يشعر به فضيحة. مارماليدوف رجل الحانة الذي يلتقي به راسكولنيكوف مصادفة، مدمن فاقد القدرة على الإقلاع، يحكي عن عاره لكل من يقابله. يفرض ثرثرته على راسكولنيكوف العائد مخذولاً من عند المرابية العجوز، فنعرف أن لدى مارماليدوف أربعة أبناء، ثلاثة من زوجته الحالية كاترينا، والكبرى صونيا من زوجة سابقة، ونعرف أن كاترينا أجبرت ابنته صونيا على البغاء، مع ذلك لا يسبغ عليها دوستويفسكي الشر التقليدي المطلق لزوجة الأب، الذي نراه حتى في قصص الأطفال، ففي أول يوم عادت فيه صونيا بالمال ودفعت به إلى كاترينا، إذا بالمرأة المعوزة المتحرقة إلى هذا المال تتركه يسقط على الأرض وتجلس تحت قدمي صونيا تقبلهما وتبكي، ثم تصعد معها على سريرها وتحتضنها وتنخرطان معاً في البكاء حتى تناما على هذه الوضعية الحزينة.

وفي “الأخوة كارامازوف” أخذ الوالد فيدور يطوف الإقليم شاكياً عاره للجميع، كرجل مهان هربت زوجته مع عشيق.. “كان لا يتورع أن يقص عن حياته الزوجية تفاصيل لا بدَّ أن يحمر المرء خجلاً من قصتها. وأغرب ما في الأمر أنه كان يجد نوعاً من اللذة في أن يمثل أمام الملأ هذا الدور المضحك” (الأخوة كارامازوف).

وإذا كان في هذا الموقف يتلذذ بالألم، فهو يحاول إيلام السادة المهذبين في غرفة الراهب زوسيما بالدير، بتصعيده من الكلام غير اللائق في مكان مقدَّس، ويحاول أن يرى أثر كلامه على الشيخ المفعم بالسكينة “تكلم أيها الشيخ العظيم، قل: هل تؤذيك حرارتي؟”. ويلتقط الراهب الخبير بالنفس هذا النزوع لدى الرجل المجروح الغاضب، فيرد: “أرجوك ملحاً ألا تقلق وألا تتحرَّج. لا تُكره نفسك على شيء، وتصرَّف كما لو كنت في منزلك، وإياك أن تشعر بالخزي من نفسك خاصة، فإن شعورك بالخزي من نفسك هو بعينه أصل البلاء”. هذا التسامح من الراهب جعل فيدور يهدأ ويكشف خطته، معترفاً بأنه لم يمارس التهريج إلا لإيلام الحاضرين، الذين يراهم شراً منه وأجدر بالاحتقار، ثم، وكأنه يعيد ما قاله زوسيما: “إنني أهرج لشعوري بالخزي، لشعوري بالخزي وحده، إنني أعربد لإحساسي بالارتياب الدائم”.

ليس بعيداً منه تقف كاترينا إيفانوفنا، الفتاة الجميلة، التي تربطها بديمتري علاقة معقدة. لجأت تلك الشابة إليه لتقترض أربعة آلاف روبل ناقصة من عهدة والدها الضابط، التي كان يمكن بسببها أن يتلوث بفضيحة الاختلاس. يساومها ديمتري على شرفها فتقبل، لكنه يثوب ويقرضها المال بشهامة. وهذه إهانة مركبة، من الاستغلال في بداية الموقف والشفقة في آخره. بعد ذلك عادت تُلِحُّ عليه بحبها، منجذبة إلى إهانتها وليس إلى شهامته أو إلى عاطفة الحُبّ ذاتها، وأخذت تقدِّم التنازل تلو الآخر دون أن تبالي بأن تدهورها صار حديث المجتمع. وبعد أن هبطت عليها ثروة بالميراث من قريبة رحلت، تظاهرت بأن قريبة أخرى في موسكو بحاجة إلى المال، وأعطته ثلاثة آلاف روبل ليوصلها إلى السيدة المحتاجة، وهي تعرف تماماً أنه سيبددها في اللهو. وقد نجح الفخ. أنفق ديمتري المال ونال احتقار نفسه ونالت كاترينا إيفانوفنا قصاصها!

في الرواية مثلث عشق غريب بين ديمتري وامرأتين: كاترينا وجروشنكا. ولم يكن حُبّاً أو عشقاً ذلك الذي يجمعهم، بل صراع مستعر طوال الرواية يحاول فيه كل طرف أن يثبت أنه ليس الأوضع. وظل الرجل يتخبط بين المرأتين طول الوقت، منجذباً إلى وضاعته، تقيِّده كاترينا بنبلها، ويرغب في جروشنكا لأنه يراها وضيعة مثله، وكاترينا مشدودة إليه بثأر الاحتقار والإحسان، وتريد أن تحتقره وتُحسن إليه، ولم تبال بتلوث شرفها في هذه العلاقة، حتى لقد صارت صورة أخرى من جروشنكا. وجروشنكا لم تحبه بحق لأنها اشتمت في حبه رائحة الشفقة عليها بسبب ماضيها.

الضعف، السقوط، وتصاعد الخجل بسبب ذلك محرك أساسي في سرد دوستويفسكي، وهو الذي يجعل من علاقات الحُبّ الدوستويفسكية الأغرب في تاريخ الأدب كله.

حالة “كامل رؤبة لاظ” العجيبة

هل كان كمال عبدالجواد مجرَّد مثالي منفصل عن الواقع، أم كان يعاني بعض الحياء، أم مريضاً بالخجل؟ لا يستطيع عِلم النفس أن يجيب بسهولة لأسباب منها أن كمال مثقف واعٍ بذاته، وقد اتخذ من المثالية قناعاً جعله يترفَّع عمَّا لم يستطع الوصول إليه.

كل ما نعرفه حقيقة هو أن حياة أصغر الأبناء في ثلاثية نجيب محفوظ لم تكن سهلة، أفلتت منه فرصة الحُبّ العميقة، ووجد مبرره في العبارة التي يحفظها القرَّاء ومشاهدو الفِلْم الذين لم يقرأوا الرواية: “الذين يحبون لا يتزوجون”! الشاب المثقف الذي تمكَّن من نشر مقالات فلسفية ممهورة باسمه في مجلات فكرية محترمة لديه تقدير عالٍ لنفسه يفرض عليه الحرص على صورته لدى الآخرين وهذا سبب مهم من أسباب الخجل، وأهم منه سطوة الأب الساحق وما يوقعه في نفس كمال الرقيق من إحساس بالإذلال، حتى عندما صار شاباً لم يُقدِّر كتاباته، بل سخر منها ومن اختياره النبيل لمهنة التعليم.

ظل كمال يناجي عايدة شداد في خياله أربع سنوات، دون أي تقدير لذاته في مواجهتها، وصار برومانسيته محطَّ سخريتها وسخرية عائلتها التي تنتمي إلى الطبقة الرأسمالية الجديدة في مصر في ذلك الوقت. اختارت عايدة زميله وغريمه العملي حسن سليم زوجاً لها. وكان ذلك سبباً لانقلاب كمال على نفسه وإدمانه الحانات، حتى ليقترب من صورة أبيه وسيرة أخيه الأكبر ياسين! قلة من قرَّاء نجيب محفوظ يمكنهم أن يلاحظوا أن كمال عبدالجواد هو النسخة المعدَّلة من كامل رؤبة لاظ بطل رواية “السراب”. ولنتأمل الصلة بين الاسمين (كامل وكمال) وعلاقتهما معاً مع معنى الكمال في مفارقة ساخرة بين الاسم وواقع العجز الذي يعاني منه البطل.

يتشابه البطلان تشابهاً كبيراً، ليس بسبب نضوب مخيلة الكاتب، ولكن لأن محفوظاً ككثير من الكتَّاب الكبار يعود إلى الشخصية أو حتى الموضوع ليقدِّمه من زاوية أخرى، وغالباً ما تكون العودة بسبب وجود مسافة ما بين طموح الكاتب والصورة التي خرجت عليها الشخصية أو الموضوع، وأحياناً ما تكون الإعادة رغبة ذاتية في الفهم بتقليب الموضوع الواحد على أكثر من وجه.

وقد فعل محفوظ الشيء نفسه عندما أعاد موضوع “أولاد حارتنا” في “الحرافيش” ومن الواضح أن النتيجة كانت لصالح الحرافيش، لكننا لا نستطيع أن نجزم بأن المقارنة بين كامل رؤبة وكمال عبدالجواد محسومة لصالح كمال، فشخصية كامل رؤبة شخصية أصلية لا يمكن لتاريخ الأدب أن يغفلها.

ربما عاد نجيب محفوظ إلى معالجة الخجل المَرَضي في الثلاثية من أجل أن يختبر موضوعه النادر في شخصية كمال عبدالجواد ليرى إن كان التعليم الجيِّد والثقافة الرفيعة مجديين في تجاوز هذا المرض الاجتماعي، مولياً مزيداً من العطف لأولئك “الذين يسعون في الأرض غرباء مذعورين، وقد بلغ منهم الذعر أحياناً أن يخبطوا على وجوههم كالمحمومين فيدوسوا بأقدامهم المتعثرة ضحايا أبرياء” (السراب). ربما عاد لتناول الظاهرة ليعارض ما وضعه على لسان كامل رؤبة في إطار جلده لذاته، فهم لا يستحقون الاستئصال، بل العطف!

شخصية كامل رؤبة من أغرب الشخصيات الروائية ومن أكثرها إتقاناً وإقناعاً فنياً. تصرخ بمأساة الشخصية التي تعاني من الخجل المَرَضي بأكثر مما تفعل شخصية كمال عبدالجواد.

نُشرت “السراب” عام 1948م قبل الثلاثية بثماني سنوات. والغريب في تلك الرواية أن محفوظاً يُسمي الخجل مرضاً في ذلك الوقت المبكِّر. والرواية في مجملها مغامرة فكرية وفنية، تومئ إلى كثير من المفاهيم النفسية كعقدة أوديب، كما نرى فيها كثيراً من الأفكار عن الحياة والموت والبعث، خصوصاً ما جاء على لسان الأب السكِّير، الذي نلمس فيه بعض التقاطع مع صورة “فيودور” والد الأخوة كارامازوف.

“السراب” مروية كلها بصوت واحد هو صوت كامل في شكل مذكرات يكتبها، كأنما ليفسِّر لنفسه حياته العجيبة الغريبة المليئة بالكف والإحجام عن اتخاذ قرار بسبب الخجل، فعاش حياته هارباً من كل شيء، وتسبَّب في موت زوجته التي أحبها حباً ملائكياً وأمه التي أوقفت حياتها عليه!

وتمكَّن نجيب محفوظ من الاحتفاظ بفضول القارئ على الرغم من أن جميع الأحداث والشخصيات تُقدَّم من خلال بطلها الراوي الوحيد، وهو يروي من لحظة النهاية التي وصل إليها.

كامل ابن زيجة قصيرة غير موفَّقة، عاش مع أمه وأبيها الضابط المتقاعد، وتلقى تدليلاً فائقاً منها لأنها حُرمت من أخيه وأخته الأكبر منه اللذين أخذهما الأب السكِّير المستهتر طبقاً لقانون الأحوال الشخصية، حيث كانت حضانة الأم تنتهي عند بلوغ الطفل التاسعة في ذلك الوقت.

نال كامل حداً مفسداً من التدليل، حتى إنه لم يغادر فراش الأم إلى سن كبيرة، كان بينهما تضامن حزين وخوف من الفراق، إذ يمكن للأب أن ينتزعه منها بمجرد أن يكمل التاسعة مثلما انتزع شقيقه وشقيقته، لكن أباه أوغل في الضعف وخور العزيمة فلم يطالب بكامل. وواصلت والدته حمايته بحب امتلاك غير واعٍ، حتى إنها صوَّرت له الأطفال أشراراً يحسن تجنبهم بعد أول تجربة شجار له مع أترابه. من الواضح أن هذه الحماية الزائدة وحُبّ الأم الاستحواذي هما سبب الخجل المفرط الذى عانى منه كامل، لكننا لا يمكن أن نغفل العوامل العكسية تماماً النابعة من غياب الأب عملياً، لكنه ليس ميِّتاً ليشكِّل مجرد نقص في حياة الطفل، بل موجود على مقربة، بما يجعله مصدر تهديد دائم ومصدر خزي بسلوكه غير السوي اجتماعياً.

تسبَّب الخجل المفرط في عجز كامل عن التفاعل مع الآخرين، وبالتالي تعثَّره في دراسته، حتى رأى المدرسة جحيماً لا يلقى فيه سوى إذلال المعلِّمين وتنمُّر التلاميذ. ولولا إصرار أمه وجدِّه على تعليمه لما تجاوز المرحلة الأولى، لكنه أخذ يتقدَّم بصعوبة، كل سنة دراسية يتخطاها في عامين حتى وصل إلى البكالوريا رجلاً في سن الخامسة والعشرين، والتحق بكلية الحقوق، لكنه فوجئ فيها بمؤتمر الخطابة، حيث لا بدَّ لمن سيعمل في النيابة أو المحاماة أن يكون خطيباً مفوَّهاً. عندما نادى الأستاذ اسمه وقف خائر القوى عاجزاً عن الحركة، وران الصمت دقائق حتى استجمع نفسه وخرج صوته ضعيفاً: “لا أستطيع” ثم أطلق ساقيه للريح، ولم يعد للجامعة مرَّة أخرى.

تمكَّن جدّه من تدبير وظيفة صغيرة له في أرشيف وزارة الحربية عبر وساطات لدى تلاميذه ومرؤوسيه السابقين. وبينما كان جدّه يهنئه بالوظيفة التي تعني أنه صار رجلاً ويمكنه أن يفتح بيتاً بعد ذلك، كان الشاب يشعر بالرعب ويفكر كيف سيواجه الموظفين الآخرين، لكنه لم يجد بداً، وبدأ يذهب إلى عمله بالترام، وذات يوم يلمح أثناء انتظاره على المحطة فتاة في نافذة البناية المقابلة للمحطة فيهيم بها هياماً أخرس.

يوماً بعد يوم، صار يعرف كل شيء عنها، واكتشف أنها تستقل الترام كذلك فبدأ يشاركها العربة على مقربة صامتاً، وعرف أنها طالبة في مدرسة المعلمين، وصار واضحاً لها ولكل أسرتها أنه عاشق، دون أن يتقدَّم خطوة طوال نحو عام، حتى بدأت تتجنَّب طريقه وتغلق النافذة أو تغادر الشرفة كلما رأته يتطلع إليها وتتحاشى اللقاء به على المحطة، ولم يجد حلاً لمعضلته سوى الاتجاه إلى الحانات!

ولم يُجدِه ذلك، إذ أعاره الشراب شجاعة تكفي لجعله يخاطبها في خيالاته فحسب، وكان يأمل أن تتخذ هي خطوة فتدخل في أحلامها لتسمع مناجاته التي لم تخرج من رأسه “إني أحبك يا حياتي، أحبك حباً هو من أعاجيب الكون كدوران الأفلاك سواء بسواء ولشد ما أريد أن أقول لك أحبك في يقظتي، ولكني لا أستطيع، إن الخجل أبكم يا حياتي، والفقر سجن شاهق الجدران، ولا حقَّ لامرئ لا يملك من مرتبه إلا جنيهاً ونصف الجنيه أن يبوح بحبه لملاك كريم مثلك”. استخزاء من النفس يشبه استخزاء كمال عبدالجواد من أنفه الكبير ومن فقره أمام ساكنة القصر وتعظيمه لها: “الله في السماء وعايدة في الأرض”! لا تخلو “السراب” الرواية القاتمة من لحظات فكاهة يجيدها الكاتب الكبير، حيث سيلتقي العاشق الخجول بعاشق خجول آخر، في مباراة مثيرة للابتسام والأسى!

من بداية مراقبته للفتاة، لاحظ كامل أن هناك رجُلين أكبر منه سناً يلاحقانها، وصار مشغولاً بهما حتى بادره أحدهما على محطة الترام بالكلام، ودعاه إلى مقهى ليتحدث معه دقائق “في أمر مهم”. وأخذ الوجل يعربد في قلب كامل، هل الرجل منافس له حقاً أم والد أم قريب للفتاة لا يعجبه تلصصه عليها؟ عندما جلسا في المقهى قدَّم له الرجل نفسه “محمد جودت مدير أعمال بوزارة الأشغال” فوقعت كلمة مدير من نفس كامل موقعاً مخيفاً. ثم حدَّثه الرجل بالمواربة في أول الأمر: “رأيتك تبدي اهتماماً خاصاً بشخص ما”.

نرى في المشهد أن المدير الكبير يجهل اسم الفتاة مثله مثل كامل، ويشير إليها بالآنسة، ثم سأل كامل إن كان في نيته التقدُّم لخطبتها، فأجابه كامل جازماً: “ليس لي بها أية علاقة” ولا بدَّ أن يستدعي هذا الموقف التنازل السريع من كمال عبدالجواد عن عايدة شدَّاد: “أهنئك يا حسن أنت جدير بعايدة وعايدة جديرة بك”.

أحسَّ كامل بالراحة عقب إنكاره الاهتمام بالآنسة، وأحسَّ أنه برده أعفى نفسه من اتخاذ قرار، ولم يلبث أن أحسَّ للحظة بالزهو والسعادة عندما اكتشف أن الرجل أكثر خجلاً منه وأكثر جبناً، حيث صارحه محمد جودت باهتمامه بالفتاة وارتياحه لزوال العقبة، وأنه صار بوسعه الآن أن يتقدَّم لخطبتها.

يُعلِّق كامل: “تناوبتني أحاسيس متباينة، شعرت أول الأمر بعذاب لا يوصف، ثم داخلني سرور خفي، لأني أيقنت أن الرجل الذي يخاطبني رعديد مثلي وإلا لشق طريقه إلى بيت حبيبتي دون أن يعبأ بي، بل أيقنت أنه يخاف مني، فأرضى هذا غروري إرضاءً خفَّف عني بعض ألمي، ثم وجدتني مدفوعاً إلى الكذب بقوة لا تقاوم، فقلت بيقين: لو فكرتُ فيما تقول ما منعني مانع من طلب يدها من زمن طويل!”. لكنه يعاني حقيقة من العي والحصر، يكفه الخجل، وقد تعلل في البداية بصغر مرتبه، وبعد أن مات والده وتلقَّى ميراثه سقط سور الفقر، ومع ذلك ظل يدور حول بيت حبيبته، يبكي عجزه: “ربما كان بوسعي أن أقضي العمر على هذا “الطوار” باكياً، أما عبور الطريق وطرق الباب فما لا أستطيع”!

وفي مصادفة داخل عربة الترام وجد نفسه في مواجهتها، وفاتحها بعد أن كادت روحه تُزهق خجلاً. وبسرعة تمت الخطبة ثم صارت رباب جبر زوجته. لكن خجله وقف بينهما دون أن تكون به علة جسدية، وبالمصادفة وجد رجولته مع أرملة قبيحة، بينما أخطأت رباب وماتت في محاولة إجهاض فاشلة على يد شريكها، وهو طبيب شاب من عائلتها، وتحت تأثير حزنه على رباب يتشاجر مع أمه التي لم تتقبل فكرة زواجه، وتموت الأم بأزمة قلبية، لهذا بدأ كامل تدوين سيرته حانقاً على نفسه، داعياً إلى استئصال أمثاله من الخجولين لصالح سلامة المجتمع كما تُقلَّم الأشجار لتتخلص من الأغصان الضارة!

في تلك الرواية تبدَّت معرفة نجيب محفوظ بالفلسفة وعِلم النفس، موغلاً إلى أعمق المشاعر التي لا يبوح بها البشر حتى لأنفسهم، مشخصاً مثل محلل نفسي بارع أحاسيس الندم والإذلال التي يشعر بها الخجول عقب كل إخفاق في مواجهة الحياة.

كيف تصادق أرنباً!

يُصنِّف العلماء كثيراً من الحيوانات التي تنشط بالليل مثل البوم كحيوانات خجولة، حتى الحيَّات تصنَّف خجولة، وغالباً كل الحيوانات المستهدفة بالافتراس والصيد كالغزال خجولة كذلك. وبعد استئناس عديد من الأنواع، يمكن تصنيف حيوان ما بالخجل دون غيره من ذات النوع. الكلاب المنزلية والقطط بينها من يألف الغرباء بسرعة ومن ينفر ويتعامل بشراسة أو بانسحاب، حتى مع أصحابها، بعضها يستكين عندما نحمله بين يدينا ومن يقاوم ذلك، وربما لا يمكن أن نلحظ الخجل في قطط وكلاب الشوارع التي تفرض عليها الحياة القاسية قوة الشخصية والاستعداد الدائم للدفاع عن نفسها.

وبين كل الحيوانات يبقى الأرنب مثالاً للخجل والجُبن الذي يصل إلى حد الذعر، ومع ذلك هناك من يسعى إلى اتخاذه حيواناً منزلياً، يحبه الأطفال بشكل خاص لنعومة فروه الذي يجعله شبيهاً بالدمى!

بعض الأرانب عيونها حمراء، لكن لكثير منها عيوناً سوداء وزرقاء وعسلية، وكلها لا تخلو من احمرار السهاد والقلق. تم استئناس الأرنب، لكنه لم ينسَ ماضيه البري بوصفه فريسة لغيره من الحيوانات. كما أنه لم يأخذ فرصته للنسيان، فالإنسان لا يطلب من الأرنب المستأنس مجرد لحمه كما الوحوش الأخرى، بل يلزمه فراؤه أيضاً، لهذا فمعلومات الأرنب عن وحشية البشر أكثر دقة من معلومات حيوانات مثل الكلب والقط اللذين يعتقدان بنبل ذلك الكائن! عندما تمسك أرنباً بيديك سيصلك خوفه البالغ وإحساسه بالاقتراب من الموت الذي يستشعره شخص خجول فُرض عليه أن يُلقي خطاباً، بعكس القطط والكلاب التي كانت في الأصل حيوانات مفترسة لا فرائس. مع ذلك قد تجد مقاومة عند حملك لكلبك أو قطتك، ولا يكون عليك سوى ترك الحيوان، فلماذا لا تعامل الأرنب بالمثل بصرف النظر عن وداعته وانعدام خطورته؟

معاناة تفوق الاحتمال
لا يعرف الأطفال الذين يحبون الأرانب ويصرون على اقتنائها في المنزل، حجم خجل الأرنب، ويتصورون أنهم يتحببون إليه بلمسه، ولو عرفوا حجم معاناته ربما لم يكونوا ليطلبوا صحبته. مع ذلك ليست العشرة مستحيلة، إن كان الأرنب مطلباً ملحاً لدى طفلك، لكن استئناسه وجعله يشعر بالأمان سيتطلب صبراً وكثيراً من الوقت لكي يعتاد الأرنب هذا القرب.

في مقال عن التعامل الأمثل مع خجل الأرنب تنصح الدكتورة دانا كرمبلز “عندما تتعامل مع أرنب فلا تنسَ أنك تتعامل مع حيوان له ملامح جسدية مستأنسة وروح برية”. وطبقاً لكرمبلز فلا بدَّ من تجنب لمس الأرنب في المراحل الأولى من صحبته ومنحه حرية الدخول والخروج إلى قفصه من باب سهل الاستخدام لا يجعله بحاجة إلى مساعدتك، وربما كان من المناسب أن تتمدَّد ساكناً بحيث تتيح للأرنب أن يبادر بنفسه إلى تشممك واعتياد رائحتك، وبعد كثير من التأني وتوفير البيئة الآمنة لا بدَّ من منحه مكافآت بين وقت وآخر: قطعة جزر أو تفاح أو حفنة شوفان في كف يدك.

لكن على الأرجح، سيظل الأرنب أسير خوفه الذي لا مثيل له، وهو خوف له ما يبرره سواءً أكان الأرنب برياً أو مستأنساً، وستظل تسمية شخص ما بـ “الأرنب” في كل الثقافات إشارة إلى خجل وخوف وضعف ذلك الشخص.

في أجواء الحرب العالمية الثانية شاعت في بريطانيا أغنية Run Rabbit Run “اركض أيها الأرنب اركض” تحذِّر أرنباً من رصاص الفلاح الذي اعتاد تناول فطيرة لحم الأرنب يوم الجمعة. الأغنية كتبها نويل جاي ورالف بتلز وغناها فلاغان وألين. واكتسحت شهرتها بريطانيا حتى يقال إن ونستون تشرشل كان يرددها بعد التعديل الذي أدخله المغنيان لتصبح “اركض أدولف اركض”! في إشارة إلى أدولف هتلر، ولاحقاً تلقف جون أبدايك العنوان ليكتب رواية أنتجتها السينما أعوام 1970، و2008، و2019م، الأرنب في الرواية رجل يهرب من حياته الشخصية. وفي 2019م سيعود خوف الأرانب في فِلْم Jo-Jo Rabbit وهو كوميديا سوداء بطلها طفل في العاشرة معجب بهتلر، يزوره طيف الزعيم النازي ويتحاور معه ليبثّ فيه الشجاعة في أوقات خوفه!

النبات أيضاً يخجل!

كان فيما مضى من الزمان زوج وزوجة من مقاطعة باتانجس Batangas الفلبينية لم يُرزقا بأطفال على مدار عشر سنوات، وظلا يصليان ويقدِّمان القرابين، حتى رُزقا بفتاة جميلة سمَّياها “إيها” أخذت تكبر حتى صارت شابة جميلة، لكنها تعاني من مشكلة كبيرة، إذ كانت لا تطيق الاقتراب من البشر، وفي يوم من الأيام استطاع شاب وسيم أن يقترب منها، ووافقت في النهاية على خطبته، ومضت الاستعدادات للعُرس السعيد، لكن العريس اختفى وترك لماهيا حزناً كبيراً. امتنعت مجدداً عن الحديث أو الاقتراب من الآخرين، ثم اختفت. وذات يوم رأى والداها كثيراً من العشب حول منزلهما، لاحظا أنه يلمّ أوراقه عند لمسها، فتذكرا حياء ابنتهما وسمَّيا النبتة “ماكاهيا” أي النبتة الخجولة!

Makahiya أو الميموزا، وهي جنس نباتي من أربعمئة نوع من الفصيلة الفولية. وهي معروفة في الدول العربية بعدة أسماء منها “الست المستحية” وتوجد بكثرة في أسوان بمصر. وقد لوحظ أنها لا تعاني من الخجل في الصباح، ويرجِّح العلماء أن ذلك يعود إلى تعطشها للضوء بعد ظلام الليل، وهي نبتة سامة، لعصبيتها؟ ربما!

وفي غابات أرجنتينية هناك ظاهرة تعرف بـ “تاج الحياء” حيث تتزاحم الأشجار ومع ذلك يمكن رؤية فواصل بين كل شجرة وأخرى فلا تتشابك الأغصان وتتداخل، ولا أحد يعرف تفسيراً للظاهرة.

وفي تقاليد إهداء الزهور، يُعدُّ إهداء أنواع مثل الياسمين والليليوم والبنفسج إشارة إلى التواضع والبراءة والخجل.

سينما البيوت ذات المعاني الكثيرة

وإذا كانت تقديرات نسبة الخجولين في المجتمع تصل إلى النصف، فمن الطبيعي أن تظهر شخصية خجولة في عديد من الأفلام والأعمال الدرامية، لكن هناك عديد من الأعمال التي تعالج موضوع الخجل بشكل محدَّد.

فِلْم “مدبرة منزل” Housekeeping إنتاج 1987م يُلقي الضوء على حياة شقيقتين تتعرضان لفاجعة انتحار أمهما، والوقوع في براثن العزلة في منزل محطم بالريف خمسينيات القرن العشرين. مع الوقت تبدأ الاختلافات بين البنت الكبرى المنطوية والعصبية وشقيقتها الأصغر المنطلقة التي ترفض العزلة وتتخلى عن أختها. الفِلْم عن رواية للكاتبة مارلين روبنسون، إخراج بيل فورسيث، بطولة سارا والكر، وأندريا بورشيل.

ومن بين أروع تلك الأفلام وأكثرها إثارة لشغف المشاهد يأتي فِلْم “خطاب الملك” The King’s Speech من إنتاج عام 2010م وحمل أربع جوائز أوسكار إلى جانب جائزة الجمهور في مهرجان تورنتو، وهو من إخراج توم هوبر، وبطولة كولين فيرث، وهيلينا كارتر، وجيفري راش، ومايكل جامبون، وغاي بيرس. وهو فِلْم تاريخي يتناول علاقة الملك جورج مع مدرِّبه على الكلام، في أداء إنساني وفني فذ، استطاع الملك أخيراً أن يلقي خطاباً يجمع الأمة الإنجليزية وقت الحرب، بلا أثر للتهتهة. وقد وقع التاج على رأس الرجل الخجول جورج فجأة بسبب تنازل شقيقه عن العرش تمسكاً بحبه لمطلقة أمريكية.

“رسائل البحر” لشاعر السينما المصرية داود عبدالسيد من إنتاج 2010م كذلك، بطولة آسر ياسين، وبسمة، ومحمد لطفي، ومي كساب. البطل يحيى (آسر ياسين) تخرَّج في كلية الطب، ولم يمارسه لأنه يتعرض للسخرية بسبب اضطراباته في النطق، يمكن تحليل الفِلْم على أكثر من مستوى، بينما يعرض بشكل شاعري حزين الحياة الداخلية ليحيى، مع رحلته في الحُبّ والصراع مع قوى هدم الجمال في مدينة الإسكندرية، التي يُقدَّم الفِلْم عيداً لعمارتها الجميلة التي تتعرَّض لغزو تجار العقارات.

“لست خجولاً” فِلْم أمريكي آخر من إنتاج عام 2016م، من إخراج برايان بوف، وبطولة سادي روبرتسون وإيما روبرتس، وتدور أحداثه حول مذبحة كولومبيا يوم 20 أبريل عام 1999م تلك الجريمة التي جعلت الولايات المتحدة تراجع بشكل كامل ظروف الحياة لدى طلاب المدارس الثانوية. والفِلْم يستمد قصته من الكلمات الأخيرة للضحية راتشيل جوي سكوت، ودفتر مذكراتها وأقوال والدتها.

خجل الفنان

لا يستطيع متذوق الأدب والفن أن يعرف الحدود بين الفنان وعمله، إذ لا نعرف الحصة التي تعود إلى الفنان نفسه وروحه العميقة، وتلك التي تعود إلى الموضوع الذي يصوِّره، سواءً أكان هذا الموضوع شخصية خيالية في رواية أو صورة في قصيدة وسواءً أكان لوحة أم تمثالاً، لكن المؤكد أن كل عمل فني يحوي بداخله روحَ مبدِعه، وتاريخه الشخصي وخبراته في الحياة.

هكذا يبدو أن الفنان الذي يعاني الخجل هو الأقدر على تصوير هذا الشعور لدى شخصياته. وأبرز من تتبادر أعماله إلى ذهننا عندما نذكر الخجل، هو يوهانس فيرمير (1632 – 1675م) هذا الهولندي ابن الفترة الباروكية، كان يعاني الخجل والإحساس بالعُزلة في حياته، وهذا يبدو في حياء شخصياته المنطوية على نفسها، خصوصاً الفتاة ذات القرط اللؤلؤي، التي بلغت ذروة استخدامه للضوء لكشف العالم الداخلي للشخصية، وقد كانت تلك اللوحة بالذات مدخل الكاتبة الإنجليزية الأمريكية تريسي شوفالييه إلى روايتها التي حملت عنوان اللوحة نفسه، وتحوَّلت بالعنوان نفسه إلى فِلْم من أمتع الأفلام التي تلقي الضوء على عوالم الفنانين وسِيَرهم الذاتية.

يشترك فيرمير مع فنان ما بعد الانطباعية الفرنسي هنري تولوز لوتريك في قِصَر العمر، ولد لوتريك عام 1865م بعديد من المشكلات الصحية، ولم يعش سوى 36 عاماً. كان هش العظام، وتعرَّض لكسور في جسمه ونمو غير متوازن بين الجذع والساقين، وتشوهات أخرى، أُرجعت إلى الوراثة، حيث كان والداه أبناء عمومة، وقد أسلمته هذه المشكلات الصحية للعُزلة النفسية، التي تبدو في لوحاته، حتى الموديلات العارية التي أفرط في رسمها مثلما أفرط في الظهور بمظهر الفرح، لا يمكن أن نخطئ ملامح الخجل فيها، وكثير منها تقدِّم المنظور من الظهر، حيث يبدو الخجل في انغلاق الجسد على ذاته، وبقاء وجه الموديل سراً.

انتقال الخجل والإحساس بالنبذ من حياة الفنان ليسكن اللوحة نمارسه كذلك لدى فان جوخ (1853 – 1890م) ونصف تأثير البورتريه الذاتي للفنان ينبع من ذلك الحزن العميق والسكونية في مظهره الغارق في الصفرة كما بقية عالمه، وهو كذلك ما جعله أكثر الفنانين جذباً للسينما، فتكرَّرت الأفلام التي تتناول حياته المفعمة بالصراع النفسي ورفضه للعالم باستثناء شخص وحيد هو شقيقه ثيو!

عندما نفكِّر بالكبار في التشكيل العربي، سنرى حسين بيكار (1913 – 2002م) الذي ارتفع بفن الرسم للأطفال والكبار في الصحافة إلى مستوى الفن الخالد. بالإضافة إلى براعته في التصوير الزيتي، واستخدامه الخاص جداً للألوان الذي يكشف عن الحالة الداخلية للبورتريه، وحيث تلتقي سكونية التأمل التصوفي مع روح العزلة، لكنها بخلاف الرسامين الآخرين عزلة مفعمة بروح الشعر والإشراق والسلام.


مقالات ذات صلة

أصبح العَلَم، أي عَلَم، جزءًا لا يتجزَّأ من نسيج الوطن. بل يمكن القول من دون خشية الوقوع في محذور الخطأ أو مصيدة المبالغة، إنه يكاد ينطوي في دلالاته على الوطن بأكمله، بكل ما يستوعبه من معانٍ ومضامين، وبكل ما يستثيره من مشاعر جياشة تضيق عنها حدود الجغرافيا وصفحات التاريخ.وإذا كان العلم يشاطر النشيد الوطني كثيرًا […]

إنّها إحدى أهمّ اللغات المعبّرة، والمشتركة بين جميع الأمم والشعوب، والآلية السلسة التي يتواصل بها سائر الناس، ويتقاسمونها ويفهمونها في العالم أجمع بلا عوائق تُذكر، رغم اختلاف ألسنتهم وثقافاتهم، وهي المفتاح السّري والسحري لجذب القلوب وكسبها ولزرع الحُب وبث الاطمئنان فيها. الابتسامة الصادقة دليل أيضاً على سواء الشخصية النشِطة وصحتها النفسية، لأنها تلقائيّة وطبيعية تأتي […]

استخدم الإنسان القديم الأعشاب عبر الملاحظة والتجربة لتخفيف آلامه وجروحه، ومع الوقت توسَّع في استخدام ما حوله من مواد نباتية وحيوانية ومعدنية، التي استخدمها في البداية بشكل مفرد، حيث يكون الدواء مكوَّناً من عنصر طبيعي واحد، إلى أن أخذ الإنسان الوسيط بمزج عدد من العناصر ببعضها، وصولاً إلى الدواء المركَّب، وهو ما كان يسميه العرب […]


0 تعليقات على “الخجل”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *